الاثنين، 30 نوفمبر 2020

سمبا

سمبا



إلى الأستاذ الجميل: أسامة الشيخ.

منذ إهدائك اللطيف إلى جدتك رحمة الله تغشاها التي لم تكن تلك قسوتها بل عيون الموت التي كانت تحدق بها، لذا نظرت إليه لا إليك يا أسامة ولبراءتك ظننتها لك.

من الإهداء الحزين أدركت أننا على وشك اقتحام رواية عجيبة، فحين يكون الإهداء صادقا حزينا تكون الرواية مدهشة لحد الامتلاء.

أخذتنا بكاتبة جميلة وحنينة -إن صح التعبير- وأحداث كثيرة متشابكة كخيط متشابك على قدم دجاجة خرقاء كما وصفت في الرواية، تشبيه بليغ ويعلق في الذاكرة بل يضحك القارئ لدقته وحقيقته وصعوبة فكه.

ما أن تبدأ حتى يصعب عليك التوقف كصخرة سقطت من أعلى جبل متدحرجة بلا حاجة لأية جاذبية أرضية تشدها لأسفل ولا قدرة لها على التوقف، هكذا كتابة أسامة مغرية لذيذة تستمتع بها.

الوصف واضح لقرية النواهضة التي أطل منها البطل حسن يس ذو التسعة عشر عاما، حتى لكأنك فيها وترى الحقول الممتدة التي تقع خلف مباني الحكومة.

حقيقة لم أر كمبو أو رقصا بداخله لكن العالم الذي خلقه أسامة بتفاصيله الدقيقة يجعلك تحلق معهم وتسمع صوت هزيم رجالهم ورقص نسائهم وقرع الطبول الصارخة والتصفيق السعيد.

أظن أن الرواية كتبت بعمق سوداني خَبِرَ ضواحيها وقرآها وحب إفريقي عظيم، حيث تحكي عن عوالم تتدخل وتتمازج وتنصهر رغما عنها، تظنها بسيطة في مجتمع قروي وتفاجأك القرية بكل تناقضات الإنسان فيها، من جهله وغروره وعنصريته الفارغة إلى حب الخير والبساطة الذي يجمع الكل تحت لواء الإنسانية جمعاء سواسية.

اختيار العنوان كان موقفا فظلت شخصية سمبا واقفة شامخة، وتسلسل الأحداث كان مذهلا حين نخطو في ذكريات حسن ابن صديقه، ونغوص بعلاقته بسمبا تلك التي ربطته بعلاقه أقوى من مجرد رضاعة.

تكرار وصف خيوط الدخان أكثر من مرة جعل وقع الجملة متوقعا للقارئ.

كتبت الرواية باحترافية عالية ولغة جميلة تنساب خفيفة رائقة على الروح.

كنت سعيدة بأخذ الكتاب معي في عطلة على شط بحر مالح، وبرغم روعة المكان فالرواية زادته ألقاً، وكأن بي أراها... نعم سمبا تنهض من عمق البحر تقف شامخة تقطر ماء مالح كعرقها الذي بذلته طوال عمرها إلى أن شاخ جسدها ووهن.

الكل يخدع سواء الوقت أو الأحلام أو الذكريات كلها مخدرات مؤقتة تقودنا لمصيرنا وأقدارنا التي تأبى الانتظار لنمضي لها على مهل.

هي رواية ليلية لا أنصح أحدا بقراءتها نهارا فذاك خطأ ارتكبته فمواضيع الرواية التي استدعتها من حرب وموت والفقد المؤلم، وحيرة الحب وشغفه ليست لبدأ نهار رائق إنما هي تكملة أمسية باكية حزينة لولا ختامها الذي يضفي على قلبك بلسم لجراح شخصياتها وتختمها أنت بالدعاء والصلاة لأبطالها وأرواحهم وأن يدوم السلام والهناء ويعم كل أفراد القرية..

وفي الختام لا أقوى سوى على القول:

أهنئك على هذه الرواية التي كتبت لتقلب المزاج ثم تعدله...

دمت بمزاج جيد...

سمراء النيل (سلمى النور) 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق