الاثنين، 13 يوليو 2020

( الضمير النائم) الجزء الحادي عشر

الجزء الحادي عشر (الضمير النائم)

كان الجو صحواً ذلك اليوم ذهبت أنجليا مع كاثرين لرؤية البحر و أطلقت كلاهما لساقيهما العنان و قد  انشغلتا بالحديث وأمواج البحر تداعبهما، كانت كاثرين شديدة التعلق بهذا الطفل القادم .
 حين رجعتا أحست أنجليا بألم أسفل ظهرها وأخذ ذلك الألم يزداد فاستدعت كاثرين لوسي وما هي إلا لحظات حتى بدأت عملية المخاض وانهمرت الدموع وعلا الصراخ، وتوقف سماع صوت أمواج البحر الهادرة التي بدأت وكأنها تكتم أنفاسها ترقباً في انتظار المولود، ارتفع مستوى الألم و تقلبت أنجليا يمينا و يسارا طلبا للعون، ولكن لا مجيب، مرت الساعات ببطء ويبدو أن طفلنا المنتظر كان موعده مع بزوغ الفجر حين أبصر الدنيا و أعلن عن قدومه، كان جوليان يدور مترقبا قلقا في أنحاء المنزل ولم يهدا له بال إلا بعد سماعه بكاء الطفل السعيد . شهقت أنجليا و أخذت نفسا عميقا و الدموع تبلل و جهها بالمثل كانت حالة كاثرين التي مسحت وجهها بكلتا يديها مقاومة شلالات دمعها واقتربت لترى الطفل الذي كانت تحمله لوسي، اقتربت ورأته كاثرين عن قرب ثم لفته لوسي جيداً لتضعه بجوار أمه، خرجت كاثرين لتهنئ جوليان الذي تتنفس أخيرا الصعداء بعد ليلة ظنّها دهراً طويلاً .
 بالفعل في المخاض ينتصب الموت والحياة يتصارعان جنبا بجنب حيث تنفصل الحياة عن الحياة ، ويولد كائن محب للبقاء ، يصارع و يناضل ليثبت أحقيته في الحياة و مجابهة فضاء اللاشئ وكل شئ ، استقبل الجميع ذلك الصباح بالفرحة  لوجود ضيف جديد ، صغير ضئيل ، الحجم ، أسمر اللون .
سألتها كاثرين : من والده ؟
نظرت أنجليا مطولاً إليه وقالت : اسم والده شارلينو .
 سألتها كاثرين ببراءة  مجددا : ومتى ستخبريه ؟
 ابتسمت أنجليا و قالت : لقد توفي والده قبل أن التقيك لذا سأسمي ابني باسمه  شارلينو .
أومأت لوسي برأسها موافقة و قالت: سأبقى اليوم معك، فهيا بنا يا كاثرين دعي أنجليا تأخذ قسطا من الراحة، وهيا للعمل.
 نهضت كاثرين و قبلت الرضيع قائلة: حسنا يا شارلينو الصغير سأعود إليك فيما بعد .... نم جيدا الآن .
نظرت أنجليا الى شارلينو الرضيع بعد أن خرجت لوسي و كاثرين وإغلاق  الباب ، أغمضت عينيها و تذكرت نفسها و أحلامها في الزواج من شارلينو وسط أهلها و طقوس العرس الأفريقية العريقة و كيف عاندها القدر و فرق بينها وبين أهلها، و مضى متمادياً بتفريقها عن حبيبها الأزلي شارلينو لتجد نفسها الآن أم لطفل من رجل داس عليها و أدخلها لكهف مظلم و ألقى بها في قفص لا مناص للخروج منه ، فكيف تزهر له طفلاً ، إن الأطفال في القانون الفطري هم أزهار الأودية الندية التي يلدها شغف الطبيعة و الحب و الحنو ، نظرت إلى طفلها مرة أخرى وحملت يده الصغيرة و قبلتها ، و قالت :
- أنت مني ... أنت تشبهني .. أنت هدية السماء لي .
ضمته بحنان و بعدها غرقت في نوم عميق .
لقد غير مجئ شارلينو الصغير حياة الجميع ، كان لهذا الكائن الجديد تأثير السحر على الكل ، أصبح محور اهتمام الجميع و بالأخص كاثرين ، التي كانت تعتني به و تحيك له مع أمه ما يلزمه ،كانتا تبيعان ما يصنعانه من مشغولات يدوية جميلة ، في بداية الأمر لم تكن أنجليا قادرة على الاعتناء بشارلينو الصغير ، و لكن بوجود لوسي الرائعة سار الأمر على ما يرام . حقاً إن الأمومة أعظم هبات السماء .
 و ها هو شارلينو يبدأ بتعلم أولى خطوات المشي بعد أن بدأ ينطق باسم " ماما" و " كاثي" ، اختصاراً لكاثرين ، و " جو" لجوليان ، أما لوسي فقد كان يقدر على نطقها  مما أثار ضحك و إعجاب الجميع ، بدأ يتحسن في المشي و أصبح شديد الإزعاج و بحاجة لكثير من الملاحظة .
و ذات صباح غائم بعد هطول أمطار غزيرة، كانت أنجليا تتفقد مزرعة المنزل الصغيرة بعد هطول الأمطار ليلة أمس لتتأكد من سلامة المزروعات لحقت بها كاثرين قلقة و أخبرتها أنها ذهبت  لإيقاظ شارلينو الصغير و مداعبته، لكنه لم يستيقظ.
عادت أنجليا راكضة و حملت شارلينو الذي بدا ثقيلاً و خامداً و لم يُبد أي تجاوب .
صرخت أنجليا و أسرعت كاثرين لبيت لوسي و عادتا معاً مهرولتين.
تناولت لوسي شارلينو الصغير و انسكبت على وجنتيها دمعتان كبيرتان و همست في سرها :
- إن شارلينو رحل بعيداً .
أعادت لوسي شارلينو لأنجليا قائلة:
لقد صعد شارلينو الصغير للسماء.
صرخت أنجليا و ضمته .. لقد خرج إلى الدنيا مع طلوع الفجر ..و غادرها مع الفجر  أيضاً .. لقد ولد و مات ... إذن لماذا أتى ؟!
لقد تذوقت أنجليا طعم الأمومة ، و لكنه لم ينتظر ليشبعها و يسعدها ، بل غادرها مسرعاً كأنه علم بزيف الحياة و ظلمها ، فقرر الهرب بعيداً و بلا استئذان ، تاركاً الجميع مذهولين .
 لم تغادر أيها الصغير بصمت ، بلا عذر و لا مرض ، لقد كانت  آخر ليلة لك  ليلة جميلة هطل فيها المطر ، و لعله كان اتفاقاً مسبقاً بينك و بين السماء، فهطلت دموع الوداع كإشارة تنبيه لك ، فلِم لم تخبرنا و لم تودعنا ... لِم لَم تودع كاثي و جو و ماما ؟!
أتتركنا حيارى بعدك أيها الصغير المشاكس... لقد كنت لؤلؤة أتتنا مع مد الموج و انحسرت بسرعة وقت الجزر مختفياً في الأعماق .. كنت كوردة لم تتفتح بعد و لكن القدر سحقك بحكمه الجبري .. لِم عدت تراباً قبل أن تصبح طفلاً ؟!
كانت وفاة شارلينو الصغير المفاجئة صدمة كبيرة على أنجليا و كاثرين ، فحزنتا كثيراً .
فقد كانت أنجليا تخطط للعودة مع ابنها بعد أن صارحت جوليان و لكن المشكلة كانت في تعلق كاثرين بها و شارلينو الصغير ، و مازال المبلغ قليلا و بعد التشاور مع جوليان اتفقا على أن يسافروا جميعا ، و بدا هذا المشروع مكلفا للغاية ، كان لأنجليا تأثير كبير على شخصية الولدان. كانت بمثابة الأخت الكبرى لهما فكان جوليان كثيرا ما يستشيرها فهو لم يرها يوما خادمة بل وضعها في مكانة أتينو المخلصة، فلم تجد أنجليا سببا يجعلها تفكر في الهرب أو حتى الخروج من المنزل، بل تعلقت بهم كثيرا و كسبت ودهم و رزقتها السماء بابنها شارلينو و أخذته منها مجددا ، بعد أن عشمتها و أغرقتها في حلم الأمومة الجميل ، فعادت و انتزعته فجأة بدون سابق إنذار .
حين رأى جوليان أنجليا  تذبل أمامه هي و أخته كاثرين ، اقترح عليهما أن يذهبا للتسوق في المدينة و ألح عليهما بالذهاب، و ما إن انطلقا حتى جمع جوليان كافة أغراض شارلينو الصغير و أعطاها للوسي و أمرها بالتخلص منها فما زال كل من في البيت يحزن إذا رأو أغراضه أو أن شيء يتعلق به خصوصا أمه .
هناك في السوق تمشت أنجليا و كاثرين طويلا و اشترت لكاثرين قبعة جميلة من القش أعجبت بها كاثرين أيما إعجاب ، لبستها و دارت بها دورتين ضحكت منها المرأة البائعة و أنجليا ، بعدها انحنت لهما بطريقة مسرحية زادت ضحكهما فأعطتها البائعة قبعة قش أخرى صغيرة كهدية منها ، خرجتا من المحل فإذا بأنجليا تتغير ملامحها فجأة و أسرعت تمسك بيد كاثرين تجذبها وانعطفت بها لأقرب شارع جانبي .
سألتها كاثرين ببراءة : ما بك يا أنجليا ؟ لماذا تختبئين ؟ أرأيت كان هناك فتيات جميلات.
تمتمت أنجليا ببطء : أتمنى ألاّ يكونوا رأوننا كما رأيناهم .
كانت أنجليا لمحت ماري و تيرا و إيزابيل، نظرت لكاثرين قائلة: هيا بنا سنأتي في وقت لاحق.                           
اندفعت أنجليا مسرعة و لم تنتبه لتلك العربة الكبيرة التي كانت تتخطى الطرقات بسرعة لتصطدم بها و تسقط أنجليا غارقة في دمائها وسط صرخات المارة و بكاء كاثرين الصغيرة.
*********************

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق