السبت، 25 يوليو 2020

كم عمرك؟


كم عمرك؟

حين يسألك طفل صغير بلسانه المعجون بالطفولة: كم عمرك؟
تبتسم له وتجيب إجابة صادقة عن عمرك في الغالب.
إما إذا سألك شخص بالغ وإن كانت امرأة جميلة، فلن تجيبها على الأغلب بصدق وقد تتشابك مشاعر توتر أو غضب أو استياء من هذه الفضولية، وتتساءل عن دوافع سؤالها، وتنظر بشك كبير وقد تحمل سؤالها هذا لآخر يومك تحمله ما لا يحتمل أصلاً من سيناريوهات.
 عند المساء تحاور وسادتك اليتيمة وتخبرها أن إحداهن سألتك عن عمرك: لماذا؟
إذن العيب ليس في السؤال في حد ذاته لنعتبرها قلة أدب أو وقاحة فالرقم ليس خطيرا ولا مميزا مهما كان .... إنما الحقيقة كم عمرك......؟
بمعناها الأشمل كيف قضيت عمرك إلى الآن وهو سؤال تهرب من الإجابة منه حياً لتلقاه بكل قسوة في قبرك حيث لا مناص لك حينئذ.
كم عمرك؟
أين قضيت طفولتك؟ كيف كانت؟ أين هم أصدقاء الطفولة الذين شاركوك بها فرحاً أو أوسعوك بها ضرباً...؟
أين شبابك حين كنت لا تحتاج للتباهي، يكفي شبابك واستقامة فرعك وابتسامة حيويتك وركضك المجنون بين أزقة الجامعة أو توتر دقات قلبك حين ترى الفتيات؟ 
أين هي الآن من أعطيتها القلب مرة ونسيته عندها ورحلت هي بأمانتك؟
 أين هي حبيبة العمر التي لم أسترد منها شيئاً يخصني بعد؟
أتراه بين يديها أم سقط حين غفلة يوم زواجها، أو ربما ألقت به متعمدة غاضبة وسُحق على الطرقات الصامتة...
أين عملك الآن؟
 حين تتربع على كرسي مكتب تعبت كثيراً في الحصول عليه وبسببه تتأخر عن عودتك للبيت وبسببه أيضاً زاد مظهرك تقدماً في السن، ظهرت البطن التي تصارع حزامك كل صباح، أعلن شعرك الأبيض وجوده متبجحاً بتميز مكروه بين شعيراتك السوداء المتهالكة....
أين عائلتك الآن..؟
ألك انجاز مع أقرانك ولو بالأطفال...؟
ألك...... ألك.......... ألك....؟
ما هو عمرك إلا سؤال محور في حقيقته لقساوته ورجعيته لأصل: أين عمرك؟ صرنا نخفف عن أنفسنا ونسأل بعضنا كم عمرك؟
 بل صرنا نحتفل أحياناً كثيرة بأعياد ميلادنا التي تسعدنا ببهجتها الآنية لتعيدنا للمربع الأول والسؤال الصحيح: أين عمرنا...؟
أين يجري... في نهر الزمن لا يلوي على شيء محدد واضح الملامح، نراه فنرتاح أو نصل إليه ذات حلم؟
فلا يسألني أحدكم عن عمري.... فعمرى أنشره على صفحات والوريقات
دمتم بخير دوماً
سمراء النيل(د .سلمى النور)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق