السبت، 18 يوليو 2020

الجزء الثالث عشر ( الضمير النائم



الضمير النائم ( الجزء الثالث عشر) 

ذات يوم طرق بابها رجل أسمر بدا الشيب يغزو شعره الأسود،  يبدو في منتصف العمر معه شاب لم يبلغ العشرين من عمره، دخلوا و طلبوا مقابلة السيدة إنجي، وكانت إنجي تأتيها حالة اكتئاب من حين لآخر خصوصا بعد حدوث إجهاضين لها. المهم، حضرت إنجي و تقدمت لتصافح ضيفيها، حين أمسكت يد الرجل راودها شعور غريب تذكرت على الفور كاثرين، حين نظرت لعينيه لم تدر رأسها عنه و هي تتأمل فيه:
 نعم أنا متأكدة أن هذا الوجه ليس غريباً، لقد رأيته من قبل ولكن أين؟  دارت هذه الأسئلة و غيرها في عقل إنجي و راودها الصداع مجددا، جلست على الفور ، فتقدم منها الشاب و مد يده  حين رأته حدقت فيه و أمسكت يده و جذبته ، تأملت ملامحه و قالت بصوت متقطع : أين رأيتك يا ترى ؟؟
 و قالت: أنت لست  بغريب علي أيضاً .
ابتسم لها و قال: لا يمكنك أن تنس يا انجليا ، ليس بهذه السهولة . 
كان الصداع يزداد على إنجي، التي رددت خلفه: إنجليا .. إنجليا .. إنها المرة الثانية.
 أمسك بوجهها بين كفيه وصرخ: انظري إلى عيني وقولي إنك نسيت آل ريتشارد، ونسيت بامبو جون والدك، ونسيت كل أخوانك الذين تركتهم في المزرعة.
اتسعت عيناها بدهشة ورددت خلفه: المزرعة ....أبي ...بامبو جون ...آل ريتشارد...
اجتاحتها موجة من الصور ماضيها والذكريات، بل إنها إضاءات على حياتها، نظرت للشخص الآخر لعله ينقذها بكلمة تساعدها.
ابتسم الرجل الآخر و تقدم نحوها و قال: سأخبرك كل شيء إذا أخبرتني أنت عن هذه.
 و أشار إلى ضفيرة صغيرة في منتصف يده، أمسكت إنجي الضفيرة و تأملتها و صرخت صرخة واحدة و خرّت على الأرض هامدة بلا حراك.
اندفعت فريكا فور سماعها صرخة سيدتها ووجدت الرجل يحملها، ذهلت فريكا فسألها لرجل: أين غرفتها؟
 تقدمت فريكا ودلتهم عليها، ظلت إنجي يومين حتى أفاقت.
 فتحت عينيها ببطء لترى فريكا بجوارها سألتها بضعف: أين الرجلين؟
ردت فريكا: سيأتيان بعد قليل، و السيدات ماري و إيزابيل و تيرا أتوا لزيارتك فوجدوك لم تستيقظِ بعد، وربما يأتون اليوم أيضاً.
 قالت إنجي : لا تدخلِ عليّ أي أحد.
 تحركت قليلا في السرير فرأت في يدها ضفيرة صغيرة مربوطة في يدها، نظرت إليها مراراً و تكراراً.
عاودها الصداع و لكنها هذه المرة قررت بشكل حاسم أن تتذكر و تعرف من إنجليا هذه، لن أهرب من ماضيها وذكرياتها ، و سأواجه كل شيء و أضافت عبارتها الأخيرة بعزم أكيد.
 و فجأة اندفع سيل من الصور واللحظات بقوة لعقلها وتذكرت كل شيء.
 انفجرت في عويل جارف بكت كثيراً ثم نامت، لم تدر كم نامت و لكنها حين استيقظت سمعت أصوات رجال ونساء، ميزت منها صوت ماري وإيزابيل و أصوات أخرى نهضت بصعوبة و تقدمت و هي تستند على أثاث الغرفة و صلت للباب فرأت (فريكا).
 ساعدتها فريكا فغادرت غرفتها و اتجهت نحوهم، و حين دخلت صمت الجميع جلست في مقعدها المفضل، دارت رأسها و نظرت للجميع و قالت: إن كان اختلافكم فيّ أنا، فأنا الآن عرفت نفسي و اكتشفت ما خُفي عني لسنين كثيرة.
 قالت ماري بتملق: إنجي صديقتي العزيزة ما حدث هو إنه....
 قاطعتها إنجي بصرامة: أنا لست إنجي .. أنا انجليا وأشكر لك تآمرك مع السيدة كاميلا أنت و زميلاتك.
 أضافت بلهجة حاسمة : هيا أخرجي الآن و لا أريد أن أراك لآخر يوم في حياتي .
لم تنبت بنبس شفة و خرجت ماري و زميلاتها في صمت .
و بعد خروجهن ساد صمت مطبق على الغرفة، أشارت انجليا للشاب أن يتقدم نحوها و بالفعل أتى إليها و جثى على ركبتيه أمامها ضمته إليها في حنان و شوق ، سال دمعها في صمت و قالت : أنت من أشقائي ... أليس كذلك؟
قال الشاب : نعم يا انجليا .. أنا دوميزا، لقد كنت عبداً و لكني استطعت الهرب و التحرر و أتيت أبحث عنك، و التقيت به في رحلة هربي.
 ازدادت دموع انجليا بغزارة ، ضم دوميزا يد انجليا بيديه و قال : لن أرغمك على العودة يا انجليا، فإذا رضيت أن تسامحِ والدك فهذا شأنك ، و إذا رفضت فلن يرغمك أحد .
 قالت انجليا مستغربة: على ماذا يا دوميزا ؟
أجابها دوميزا مستنكرا: ألا تعلمين ؟
أشارت برأسها نافية و قالت : أرجوك أخبرني .
 نظر إليه الرجل الكبير نظرة موبخة و مؤنبة ، فأكمل دوميزا: أختي ... حادثة اختطافك كانت مدبرة ، لقد باعك والدي إلى التجار و لكنه اشترط عليهم أن يبدوا الأمر كالاختطاف ، خوفا من بطش آل ريتشارد لأنهم كانوا يرفضون بيع عبيدهم  . صعقت انجليا من هول المفاجأة فلم تنطق بشيء.
  قال الرجل الكبير: ما كان يجب أن تخبرها.
 نهض دوميزا  و قال : بل يجب أن تعلم كل شيء ، و لكن أبي لم يستطع أن يقاوم ، و قد وعدوه أنك ستعملين كخادمة في بيوت أحد الأسر الثرية  و ليس كما أراك الآن.
و كذلك باعني و لكني عرفت بالأمر، أضاف جملته الأخيرة بضيق.
 قال الرجل الكبير: هذا ليس وقت الحديث عن ماض انتهى.
قال دوميزا بانفعال: لم لا ؟ ألم يكفيه إنني و إخوتي تركنا المدرسة لنعمل معه في خدمة آل ريتشارد، هل تعب من كثرتنا، إذن فليقتلنا ... كان هذا أرحم مما لاقيناه في حياتنا .
 قالت انجليا و تبدو على وجهها أمارات الصدمة: إذن أبي سبب مأساتي !!!
 أكمل دوميزا: لقد مات أبي الآن ولكني لن أسامحه ما حييت، فليذهب للجحيم.
 مر شريط حياة انجليا أمام عينيها ، تذكرت عبودية آل ريتشارد ، و ماندي المسكينة و عبودية الملجأ ثم بيعها للسيدة كاميلا ، تذكرت السيد نيكولاس ، ابنها الأول .......
غرقت ذاهلة في ذكريات حياتها و مرت فترة صمت طويلة قطعتها بقولها  بمرارة : أبي لن أسامحك و أدعو الرب ألا ترقد بسلام .
 قال دوميزا: لقد أتيت إليك يا انجليا لأساعدك على استعادة ذاكرتك، و ها أنت الآن تعلمين كل شيء، فما رأيك أن نعود ؟
 بدت انجليا شاردة و لم تسمع شيئا مما قاله دوميزا بل رددت : كاثرين و جوليان .
 التفت إليها الرجلين بدهشة فبدت في تفكير عميق، شيء من تفاصيلنا كزجاج النافذة، نرى الحقيقة من خلالها و لكنها تفصلنا عن الحقيقة ... افتح عينيك جيدا و انظر حولك تجد نفسك في كل الصور و افتح أذنيك جيدا و اصغِ و ستسمع صوتك في كل الأنحاء ، مع أن أمواج كلامنا و انفعالاتنا تغمرنا دوماً إلا أن عمق أعماقنا صامت أبدا، أخذت نفسا عميقا و أكملت هذيانها : إن جنتي و نعيمي قائم هناك ، رفعت بصرها نحو سقف الغرفة خلف ذاك السقف وراء تلك الأبواب و لكني أضعت مفتاح سعادتي ، ربما لم أضعه بل وضعته في غير موضعه حين فارقت كاثرين و جوليان ، نقلت بصرها بين دوميزا و الرجل  قالت بنبرة بدت واقعية أكثر : سأبحث عن كاثرين و جوليان ، لقد كانا أجمل ما في حياتي البائسة .

تسللت  فريكا و خرجت  في هدوء.
 قال الرجل الكبير: لقد أحسنت صنعا يا انجليا.
نظرت انجليا إلى الرجل الكبير و قالت : لكني لم أعرفك حتى الآن ولكنك تشبه شخص حرمني منه الموت .
 تقدم الرجل الكبير و فك الضفيرة من يدها و قال لها: لوعرفت لمن أهديت هذه لكنت عرفتني .!!
 قالت : لقد أهديتها لحبيبي الذي قتل .
 تقدم إليها و أمسك يدها و رفعها و قبلها ، و نظر إليها و قال في هدوء بتلك النبرة المميزة : كم اشتقت لك يا انجليا ، حبيبتي .
حدقت فيه غير مصدقة : شارلينو أهو أنت ؟ لقد تغيرت كثيرا ..
 أومأ برأسه موافقاً و قد دمعت عيناه، بكت انجليا بحرقة فضمها إليه في حنين جارف.
 قال شارلينو و العبرات تقطع كلامه : لقد خفت ألا تتذكريني ، خفت ألا تستعيدي ذاكرتك يا انجليا .
 نظر إليها  فإذا هي مغمى عليها في حضنه ، حملها و خرج ليضعها في غرفتها فإذا هو أمام فريكا تنظر مذهولة فقد تركتك سيدها بخير منذ دقائق.
وضعها في سريرها و ظل معها يحرسها و لم يغادر.
استيقظت  في المساء على همسات شارلينو ، سألته : ألم تمت ؟ ابتسم و لم يجبها.
 سألته مجددا : ألم يقتلوك؟!
قام و خلع قميصه كاشفا عن خريطة من الجراحات العميقة نقشت على ظهره و قال: ألا يجيبك هذا ؟




 و أشار لعلامة جرح غائر على صدره ثم أشار لساقه ليكشف عن منطقة بدت منزوعة بعض اللحم فأصبحت غائرة مقارنة عن باقي أجزاء ساقه، مرر أصابع يده عليها ببطء و قال: ما رأيك ؟ ألم أمت بعد؟!.
تساقط در من عينيها فلبس شارلينو قميصه بسرعة و أسرع إليها يلتقط درها المتساقط و يمسح وجهها .
 كان ينظر إليها مدهوشاً ، عينيه كانتا تحملان الكثير، و هطلت دموعه و هو يقول : أحبك ..أحبك ..أحبك يا انجليا ، كم أنا آسف لأني لم أساعدك ، و تركتك كل هذه السنين .
 أغمضت عينيها و هي تستمع لكلامه، نظرت إليه مجدداً و مسحت دموعه ووضعت إصبعها على فمه
قائلة : لا تكمل .. لقد فات الذي مضى .
نهض بعدها شارلينو و أحضر العشاء لها، تناولت انجليا العشاء لأول مرة مع شارلينو في أمان و هدوء حكت له عن كاثرين وجوليان.
 ثم غادر بعدها و أتى في اليوم التالي و لكن اختفى دوميزا فساءت حالة انجليا مع أن شارلينو أخبرها أن دوميزا ذهب ليبحث عن كاثرين و جوليان ليحقق لك رغبتك .
 قالت انجيليا : كان يحمل بين حناياه رائحة البيت و طعمه الذي اشتقت إليه و قد تخليت عن فكرة العودة بعدما صدمتني الحقيقة المرة ، هل أعيش في كل هذا الهوان بسبب والدي ؟ الذي شجع ببعض القطع المعدنية ، أي أب أنت ؟ و أي مشاعر تحمل؟ ابتعدت عن وطني ما يقرب من أربعين عاما إلى الآن وها أنا أقف على أعتاب الحياة لأنظر ورائي و أرى تاريخا مليئا بالخزي و العار ... هل ترى اللؤلؤ و الدر، أتعلم ماهيته يا شارلينو ؟
 ربت عليها بلطف و قال : أخبريني أنت ؟
كانت الصدفة بيتا جميلا فزارها الألم مرة و دخل عليها و معه حبة رمل طردها أهلها و جاء بها لعقابها هنا في بيت الصدفة و تركها هناك ، و لما كان من المستحيل على حبة الرمل أن تعود لأهلها منفردة  آثرت البقاء و الموت الجميل لتصبح درة يتقاتل عليها البعض ، إن حياتي كهذه الدرة لقد عاقبني والدي بلا ذنب و ألقى بي لأموت غير أنني أصبحت الآن نصف حية  و نصف ميتة ، لقد شهدت موت من أحببتهم .
أمسك شارلينو بيدها و قال : حبيبتي من تقصدين ؟
نظرت إليه و قالت: لقد بعث لي الرب بأناس أحبوني و ساعدوني، أنت لن تعرفهم و رددت ببطء: جميعهم ذهبوا و تركوني .
صمتت طويلا فخاف عليها شارلينو فكسر الصمت بقوله: أنت درتي يا انجليا ، نعم.. كنت و مازلت درتي الوحيدة.
ابتسمت بضعف و قالت: أتعلم أننا خلقنا من الحنين و الشوق لذا نتعذب فالتذكر شكل من أشكال اللقاء و الحياة. السيدة إيكوكو و أدنغو و أبيدون و المشرفة كاثي ..
آآآآآآه، بكت بعمق.
 فقال شارلينو: حاولي التخلص من الماضي ، فالنسيان شكل من أشكال الحرية .
نظرت إليه و قالت بعنف : إذن لم عدت ؟!!. لم جعلتني أستعيد ذاكرتي أنت و دوميزا ، تبا لكما...
كنت سأموت ككلبة وضيعة، فلا تحسدني الأرواح العالقة في الأثير على حزني وكآبتي .... تبا لكما ، و انفجرت باكية .
حضنها شارلينو و آثر الصمت حتى لو استمر اليوم بأكمله من أن يفتح فمه ثانية

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق