الثلاثاء، 9 يونيو 2020

الضمير النائم" الجزء الرابع"


الضمير النائم " الجزء الرابع"

دخلت في زقاق ضيق ، واصلت سيرها ، تعرجت كثيراً في سيرها و رأت هضبة مرتفعة ، فصعدت انجليا إليها و أسفل الهضبة هناك بيت كبير، تقدمت أنجليا على حذر.
 كان منظر البيت رائعاً و أنواره مضاءة، و مع اقتراب أنجليا إلى البيت بدأت أنوار المنزل تخبو في الغرف واحدة تلو الأخرى، و عند وصول أنجليا لم تكن هناك غرفة مضيئة سوى واحدة.
 دق قلب أنجليا بخوف مع تصاعد أصوات عراك واندفعت صورة ماندي فجأة لمخيلتها فاضطربت أنجليا، و بدأت تتراجع رغبة في الفرار مجدداً و بينما هي تبتعد من البيت تناهى إلى مسامعها صوت غناء حنين و ترنيم جميل.
 وقفت أنجليا تحاول تذكر أين سمعت مثل هذا و لكنها لم تتذكر، عادت راجعة لمكان الصوت، و بدا الغناء أكثر وضوحاً، اختبأت خلف شجرة لترى مصدر الترنيم.
 كانت هناك امرأة ضخمة الجثّة، و أمامها حوضين و بجوارها كومة من الملابس يبدو أنها كانت تغسل و لكن الوقت متأخر الآن.
ظلت أنجليا تستمع للمرأة و تحاول أن تتذكر أين سمعت مثل هذه الأغنية الحنينة، تذكرت وجه أمها أدهيامبو  ... نعم إنها هي .. هذه الأغنية كانت أمي تغنيها لي، إنها أغنية أفريقية، تقدمت أنجليا تجاه المرأة الضخمة لكي تراها و حين اقتربت أحست بها المرأة فالتفتت للخلف و قالت:
- من  هنا...؟!   من أتى يتبعني...؟ سيدي إن لدي بعض الأعمال لم أنهيها بعد .
قالت أنجليا: سيدتي أنا أنجليا.
كانت المرأة الضخمة بدينة لدرجة أنها لم تستطع أن تلتفت بكامل جسدها لترى القادمة خلفها، و لكنها قالت:
- اقتربي دعيني أراكِ.
اقتربت أنجليا منها و تأملتها عن قرب ، بدت السيدة قد تجاوزت الأربعين عاماً، ذات وجه أفريقي أصيل يحمل علامات قبيلته بوشمٍ رُسم على جبينها بشكل مميز ، لم تكن الإضاءة البعيدة لتسمح بالنظر أكثر من ذلك. قالت أنجليا بحذر:  أدعى أنجليا يا سيدتي .
ابتسمت السيدة و هي تتأمل أنجليا واقفة  أمامها بفستانها القصير و شعرها المسترسل ، و قالت:
- ما الذي جاء بك إلى هنا؟
أجابت أنجليا: 
- لقد كنت مارة و سمعتك تغنين، ذكرتني تلك الأغنية بأمي التي فارقتها منذ زمن بعيد.
أشارت السيدة لأنجليا بالجلوس بجوارها و بدأت تغني مجدداً بلحن يعزف على أوتار قلب أنجليا التي بكت، فضمتها السيدة إليها و أكملت الأغنية.
حين انتهت الأغنية كانت أنجليا ما تزال تبكي بمرارة ، ضمتها السيدة أكثر و هي تقول بعطف:
- يا صغيرتي يبدو أنك عانيت كثيراً... و قبل أن تُكمل جملتها سمعتا صوت جلبة تقترب منهما ، تمتمت السيدة : تبّاً .. لقد عاد مجدّداً، ماذا يرد الآن ؟!
صمتت أنجليا ورفعت رأسها و سألتها:  من هناك يا سيدتي ؟
  ضمتها السيدة أكثر و قالت: إنه السيد الأبله المجنون يا صغيرتي.
نظرت أنجليا فرأت ثلاثة أشخاص يقتربون و حين توضحت الرؤية ، أحدهم كان شاباًّ  و الآخر رجل أكبر منه و الثالثة كانت فتاة زنجية بدت في هيئة رثّة مع احمرار عينيها ، قال الشاب:
- أين كنتِ أيتها العجوز الهرمة ؟
ردت السيدة البدينة : أنا هنا لدي عمل لأكمله ، و أشارت لكومة الملابس.
هز الرجل الأكبر رأسه بالنفي قائلاً:
- لا .... لا هذا العمل يمكن تأجيله  للصباح، و مازال لدينا الكثير من العمل الليلي.
قال جملته و ضحك ضحكةً مستهترة و قد بدت رائحة الشراب المنبعثة منه واضحة.
رمى الشاب الفتاة الزنجية أمام المرأة ، و قال:لقد  انتهينا منها الآن ، لقد كانت ممتعة .
قال الرجل الأكبر :اسمعي يا حمقاء .. من هذه التي تحضنينها؟
التفت الشاب و كأنه انتبه لوجودها الآن ، و سأل: نعم... نعم يا عجوز النحس من هذه ؟
التصقت أنجليا بالسيدة أكثر و لم تجب و كذلك السيدة لم تنطق.
قال الشاب : هكذا إذن .. سنأخذها معنا لنكمل ليلتنا .
ارتجفت أنجليا خائفة و أحست بها السيدة مع تعالي صوت الرجل الأكبر: نعم .. أنت على حق و في الغد نعيدها .
تقدم الشاب و أمسك بذراع أنجليا و شدها إليه ، فأمسكت بها السيدة بدون أن تنطق .
صرخ الرجل الكبير: أترفضين أيتها العجوز ؟!!
 بكت أنجليا و هي بين يدي الشاب و المرأة العجوز تجاذباها ، و أطلق الشاب الكثير من الشتم و لكن السيدة لم ترد عليه بل ازدادت تمسكاً، أخرج الرجل الكبير سوطاً و ضرب به السيدة فتخلت عن أنجليا وسط ضحكات الرجلين و بكاء أنجليا ، سحباها الرجلين إلى الداخل ، و مازال نظر السيدة مركزاً تجاه الطريق الذي أتوا منه .
قالت السيدة بضعف :
- لم أعد أحتمل ضربات ذلك السياط اللعين، لقد كبرت و هرمت حقاًّ.
نهضت الفتاة و ربتت على ظهر السيدة قائلة:
- لم يكن بوسعنا فعل شيء، إن حظ الفتاة العاثر هو الذي أوقعها هنا ، لطالما تحملتِ الكثير لأجلنا .
قالت السيدة بحزن :
- ليتني لم أغنِّ الليلة يا أدنغو ، لقد حضرت لتستمع اتلك الأغنية .
سألتها أدنغو:
- إنها زنجية مثلنا؟ ترى ما قصتها ؟
هزت السيدة رأسها نافية و قالت :
- لا أعلم .. لم نكن قد تحدثنا بعد، و أنت يا أدنغو كيف حالك؟
قالت أدنغو بيأس:
- مثل كل مرة لقد أصبحت لا أطيق حياتي .
هزت السيدة رأسها بإيماءة حقيقية :
أعلم .. أعلم ما هو شعورك..و لكن اصبري .
انتفضت أدنغو مع الكلمة الأخيرة و كأنها كانت تنتظرها لتنفجر:
- أصبر إلى متى ؟!  منذ أن أُحضرت إلى هنا و أنا أفقد كل شي نفسي.. جسدي .. عقلي ..هل خُلقنا لنعيش هنا عبيداً لهؤلاء الحمقى الذين يحميهم القانون، و أين قانوننا ؟! هل قتلوه كما قتلوا أتسو و أفولابي ..أم صلبوه على الشجر حتى مات كما حدث  لـ بيركو الذي أحبني و أراد حمايتي .. ماذنبه ..ها .. أخبريني...
 أتعلمين في الأشجار التي تقع خلف المنزل هناك حيث صلبو بيركو ، ما زالت يده معلقة لقد أنزلوه بعد موته و أبقوا على يده معلقة هناك لنخاف منهم .. أو لنبكي على بيركو .
صرخت بانفعال و أخذت نفساً لتواصل حديثها في حين كانت السيدة و كأنها لا تسمع بل صامتة تحدّق في شئ ما. أكملت أدنغو حديثها:
- أنت تعلمين حين حضرنا هنا كم كان عددنا و انظري إلينا الآن .. بل انظري إلى نفسك .. أنت تخدمين طوال عمرك .. فبماذا كافئوك ..  تحسسي ظهرك الذي شبع من السياط و تأملي مواضع وصمك بالحديد لكيلا تهربي .. ماذا تنتظرين ؟! أهذا كل ما لديك أن يستغلوكِ ليل نهار و تقول لي اصبري .
بدا صوتها ينخفض و سقطت على الأرض و أجهشت في بكاء طويل.
 قالت السيدة و هي ما تزال تحدق في شي ما:
-  يبدو أن هذه الليلة كانت مؤلمة جداً لك، لا بأس يا صغيرتي، ابكي سيساعدك البكاء، و ليكن الرب في عون تلك الفتاة .
مرت فترة و مازالت السيدة تحدق في شئ ما قبل أن تهز رأسها بعنف كأنها تطرد شيئاً أو شخصاً أو فكرةً ما و عادت إلى كومة غسيلها لتنهيها قائلة :
- يبدأ كل شي بالصراخ ثم ينتهي بالاستسلام و السكون.
*********

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق