السبت، 6 يونيو 2020

الضمير النائم الجزء الثالث


الضمير النائم "الجزء الثالث"

استيقظت انجليا لتجد نفسها مُستلقية على سريرِ مريح في غرفة جميلة جلست تتأمل الغرفة، فإذا هي مرتبة و نظيفة، لونها يميل إلى الوردي الغامق باستثناء طاولة وضعت في منتصف الغرفة ذات لون كستنائي، وباقة من الورد الحمراء فوقها، نظرت انجليا للورد مطولًا قبل أن تتذكر ما حدث.
لون الزهور الأحمر القاني ذكرها بدماء شارلينو ولورا، غرقت عيناها بالعبرات رمت نفسها في السرير تبكي، بكت بحرقةٍ و ألم، بكت بكلِ لوعة، بكل أسى، بكل يأس، تساءلت في نفسها عن مصير شارلينو العزيز.
 أغمضت عيناها وتذكرت وجهه، ابتسامته، صوته وضحكته، تذكرت لحظاتهما معاً، لم تستطع إيقاف شلال الدموع المتدفقة، وفجأة فُتح الباب ودلفت إلى الداخل فتاة شقراء، تقدمت و وضعت علبة على الطاولة الكستنائية.
 نظرت لانجليا وتقدمت لتفتح نافذة الغرفة، أغمضت انجليا عينيها مع سماعها لصوت الباب، ولكن من بكائها كان واضحاً أنها ليست نائمة وبدا ذلك من خلال تنفسها وشهيقها، اقتربت الفتاة الشقراء من سرير انجليا وقالت:
 يبدو أنك مستيقظة، اسمك انجليا أليس كذلك؟!! حسنا انا أدعى ماري .
رفعت انجليا بصرها ورأت ماري أمامها، قالت ماري بانفعال :
 ما هذا ؟ يا إلهي لقد كنت تبكين، انظري لعينيك.
أسرعت ماري وعادت في يدها مرآة نظرت انجليا لنفسها ، فرأت عينيها وأنفها وخدودها بل وجهها كله منتفخ ، محمر.
علقت ماري بقولها: لا داعي للبكاء فقد انتهى كل شيء.
سألتها انجليا بلهفة : هل تعرفين مصير شارلينو ؟
جلست ماري على السرير بجوار انجليا وهي تقول ببرودة: لقد قتلوه.
شهقت انجليا عاليا فقالت ماري : نعم ، لقد مات .
أطلقت انجليا آهة ملؤها الألم و الحزن وانفجرت في عويل جارف ...
ربتت عليها ماري قائلة : لا تبكِ، فالبكاء لن يعيد الميت ، اهدئي إذا لم تهدئي ستسمع السيدة كاميلا صوتك وستأتي ، خفضت صوتها وهي تتابع حديثها:
 السيدة الكبيرة في هذا المنزل هنا هي السيدة كاميلا ، هي امرأة عصبية وصارمة في العمل ، وجميلةٌ أيضاً .
بدا صوت ماري ينخفض حتى الهمس وهي تقول: إنها امرأة جذابةُ للغاية وتبيعُ نفسها بأغلى الأسعار.
رفعت انجليا رأسها وقد جذبت اهتمامها العبارة الأخيرة فتمتمت خلفها ببطء... تبيع نفسها ...كيف ؟!!
أدركت ماري أن موضوع السيدة كاميلا جذب اهتمام انجليا وأنساها دموعها فقالت :
إن السيدة كاميلا هي مديرة هذا المنزل وتملك البار الذي يقع في الشارع المقابل ، قطعت كلامها ونهضت متجهة نحو النافذة وأكملت :
سأحكي لك كل شيء بعد أن تنهضي من مكانك هيا...هيا....
نهضت انجليا بمساعدة ماري واتجهت معها لتكشف لها ماري بابا يقع خلف ستار سميك بلون وردي جميل .
دخلت معها الحمام وقالت لها : سأنتظرك بعد الحمام ، لأحكي لك ونبدأ فنون العمل الجديد .
سألتها انجليا : ماذا تعنين ..ابتسمت ماري وهي تحضر لها صندوق متوسط الحجم وتضعه أمام انجليا : هنا كل ما تحتاجينه من أدوات النظافة و ألوان الأصباغ . خذِ حمامك واسترخ ِ.
اقتربت من انجليا : هيا يا صديقتي سأنتظرك فأمامنا الكثير لعمله .
 ربتت عليها قائلة :
 أشكري الرب إنه منحك شرف العمل مع السيدة كاميلا، حيث ستتلقين معاملة أرقى وأجمل . ولكن عليك أولاً أن تنالي رضا السيدة عنك .
ثم خرجت بهدوء تأملت انجليا المكان ، إنه حمام جيد ، لا يشبه تلك البيئة التي عاشت فيها انجليا ، على الأقل إنه نظيف و جميل ، انظر الى كل هذه المستحضرات و الألوان هل تحتاج الواحدة منا الى كل هذا !!!  
   لا بد أن السيدة كاميلا هذه امرأة غنية لتوفر هذه المواد للعاملات لديها .
ترى ما الذي ستطلبه مني مقابل كل هذا ؟! لا أعرف ما يدور حولي ، آهه منك يا شارلينو ، لقد تركتني وحيدة ، أدخلت يدها في الماء الدافئ وأغمضت عينيها فاختلطت دموعها المالحة بالماء الدافئة .
قضت ما يقرب من ساعة كاملة في الحمام ، بعدها خرجت للغرفة واتجهت نحو الطاولة لتتأمل صندوق الزينة الذي أحضرته ماري .    
جلست على الكرسي ووجهته نحو النافذة، تنظر إلى أشعة الشمس المقتحمة الغرفة
 و هي تُحدث نفسها : لقد ذهب شارلينو و يجب علي مواجهة مصيري بنفسي ، و لن أبكي أبداً ، فالبكاء لا يجدي نفعاً و لن يَحُل مشكلة، كانت هذه آخر وصايا شارلينو حبيبي و لكن هل مات حقاً؟!
سمعت طرقات على الباب ، فالتفتت فإذا هي أمام زميلتها الجديدة ماري حاملة صينية طعامها في صمت. بعدها تركتها ماري لتنام .
 غرقت انجليا في نوم تراودها كوابيس مزعجة ، وفي المساء أتت إليها ماري الشقراء و حدثتها عن العمل الذي ينتظرها.
 أخبرتها أن ساقها ستشفى في خلال أقل من أسبوع و بعدها تتفرغ لنفسها، و من ثم تَراك السيدة كاميلا ، فإذا كنت سعيدة الحظ و أعَجبت السيدة كاميلا و أرضيت رغبات زوارها، ستعينك معها في البار، ستكسبين الكثير .
 بار السيدة كاميلا من أكبر البارات في المنطقة ، و هو دائماً مكتظٌ بالرجال على اختلاف طبقاتهم و أذواقهم ، لذا فالسيدة كاميلا تحب انتقاء الأفضل لزبائنها. أدركت انجليا أنه لا طريقة للهرب ، و ليس لها خيار إلا أن ترضى ، فلم تستطع أن تنام تلك الليلة.
أخذت تفكر في طريقة للهرب فلا يمكن أن تبيع نفسها أبداً حتى لو اضطرتها الظروف لفعل ذلك ، فهل تَرضى أن تبيع نفسها بإرادتها ، لا .. لا .. لا يمكن، فكرت طويلاً .
 رأت بعينيها كيف يعاملون خدمهم ، ذكرها ذلك بماندي المسكينة و ذكرها أيضاً بتلك الحياة الصعبة التي اختطفت طفولتها و براءتها لتنشأ خادمة تعمل في الحقل، و تتلقى كل أنواع الإساءات ، ما هذه الخيارات الظالمة ، هل يتوجب عليّ أن أحيا حياتي كخادمة أو عاهرة أبد الدهر؟!
لا .. و ألف لا لن أكون كما يريدون  و سأهرب لأحقق آخر حُلمٍ لي بالعودة للوطن، بعد موت شارلينو العزيز.
في الصباح استقبلت ماري ببشاشة و تحدثت معها و أبدت لها الموافقة و أنها فكرت ليلة الأمس، و قد أقنعت بكلامها، و بدأت تسأل ماري و أخذت الأخرى تحكي لها عن البار و البيت الكبير و الفتيات .
و كانت انجيليا تحرص على معرفة كل تفاصيل البيت، عزمت على الهرب،  وقررت أن تحاول الهرب بمفردها فيكفي صديقتها لورا حين قتلت بسببها، تعرفت انجليا على زميلاتها ماري ، تيرا، إيزابيل.
 شفيت ساقها و أصبحت تعرف كل شيء عن البيت الكبير ، و حين حانت ساعة الصفر ، خرجت من غرفتها بعد العشاء و ذهبت للطبخ ، التقت تيرا هناك، تحدثتا قليلاً ، علمت منها أن السيدة كاميلا ستأتي غداً للبيت، انتهزتها فرصة ثمينة، فوجود السيدة يعني مزيداً من الرجال و الزحمة و الشراب ، و غيره.
انجليا لا تتحمل رؤية وجه السيدة كاميلا الممتلئ بكل الألوان الصارخة، إنها ليست جميلة كما يَدعون ، كما أن غرورها يَفوق الحدود .
 أنهت انجليا كلامها مع تيرا قائلة : سأخرج لأتمشى في الحديقة أريد أن أتامل ضوء القمر ثم أنام، لأقابل  سيدتي بوجهِ مشرق فغداً  تكون ليلتي الأولى .
ضحكت تيرا وغادرت لغرفتها قائلة : افعلي ما يحلو لك ، فكل واحدة منا يهمها أن تنال استحسان السيدة لتنال المزيد.
 خرجت للحديقة و قطفت  بعض الورود ألقت بعضها خارج السور، وقفت تتأمل القمر، هبت نسمات ليلٍ رائعة جعلت شعرها يتطاير أمامها ، أمسكت بخصل شعرها وتذكرت شارلينو، غرقت عيناها بالعَبارات فمسحتها بسرعة قائلة : كل هذا من أجلك، لن أدع أحد يمسني بعدك، فأرجوك ساعدني.
 أعادت شعرها للخلف وحملت أزهارها وأخذت نفساً عميقاً ثم توجهت ناحية البوابة كان هناك جمع غفير من الرجال قادمون باتجاه المنزل ويحملون زجاجات شرابهم في أيديهم ، ويبدو أن بعضهم ثَمل ، دخلوا  عبر بوابة المنزل بينما انجليا تهم بالمغادرة لانشغال الحارس بالضيوف، وما إن لمحها الحارس حتى هب واقفاً.
 قالت انجيلا: لقد جمعت بعض الزهور لكن الهواء طيّر بعضها وراء سور البيت وأنا بحاجة إليها، خفضت صوتها، أرجوك لن يراك أحد وأنت تسمح لي بالخروج.
قال بصرامة:  لا، لا يمكن أن أسمح لك بذلك.
قالت بدلال واضح: ألا تثق بي، سأحضرها  فقط، كما أنك لا تستطيع أن تترك مكانك خالياً .
 أجابها الحارس : لا بأس.. دعيها واقطفي غيرها.
 تقدمت انجليا منه قائلة : أنا لن أهرب لأنه يجب علي مقابلة السيدة غداً ، وأود أن أقنعها وأطلب رضاها وقد أعجبتني تلك الأزهار.
 صمت الحارس ولم يعلق وتأمل انجليا و هي تقف أمامه بثوب قصير وشعرها المسترسل على كتفيها، استغلت انجيلا الموقف وسألته: في رأيك هل ستوافق السيدة كاميلا وتعينني معها في البار؟
أجاب الحارس بسرعة: طبعا فأنت جميلة و جذابة أيتها الزنجية الرائعة.
ضحكت انجليا وتقدمت منه قائلة: هيا لا تَدعيني أفقد فُرصتي، ساعدني أرجوك، أنا لن أتأخر..
 بلع الحراس ريقه بصعوبة وهو يتأمل انجليا تراجع خطوة للوراء فتقدمت انجليا و قبل أن تخرج أمسك بيدها وقال: لابد أن أخذ شيئا بالمقابل.
 نظرت إليه انجليا فهمس لها: قُبلة..
 ابتسمت له مسبلة وأسبلت عينيها وسحبت يدها منه.
 ظل يمالطها فراوغته قائلة: حين أعود لن أتأخر.
أجابها بخبث: لا.   لا.... الآن واحدة بعد أن تعودي الثانية.
 المهم استطاعت أن تراوغه بصعوبة و خرجت وهي لا تُصدق كيف فعلت ذلك بنفسها، فتنهدت قائلة: كم أكره هذا الحارس حقا؟
 مرت أمام سور البيت وانطلقت راكضة بسرعة لا تُصدق نَفسها.
 لم تشعر بنفسها وهي تركض بلا هدف أو وجهة محددة، لا تدري إلى أين ؟ المهم فقط أن تركض مبتعدة عن البيت ، عن السيدة ، عن البار عن هذه الحياة البائسة .
*********

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق