الثلاثاء، 30 يونيو 2020

الضمير النائم ( الجزء العاشر)

الضمير النائم( الجزء العاشر)

كان مر على لقاء أنجليا و كاثرين ما يقرب من أربعة أشهر و نصف و في عصر ذاك اليوم سقطت أنجليا على الأرض مغشيا عليها و لم تستيقط إلا على وجود جارتهم الجديد السيدة لوسي التي أكدت لها البشرى بأن أنجليا تستعد لدخول فصل جديد و أمر جليل ألا و هو مجيئ طفل بعد أشهر، كادت أنجليا أن تفقد الوعي و يُغشى عليها مجدداً، و لم تفهم لوسي جارتها الجديدة السبب.
 أما كاثرين فقد فرحت كثيراً بقدوم من تعتبره أخا لها، و أخذت تتحدث هي و لوسي عن موعد قدوم الطفل و ما يلزمه، كانت أنجليا في عالم منفصل لا تكاد تسمع ما يقال من حولها لقد عقدت الصدمة و الدهشة و الألم معا لسانها ، انطلقت أنشودة السيدة أكوكو تنشد في رأسها و استعادت شريط الذكريات تجر أحداثها جرا، شهقت و تململت بألم وأنين متوجعة كعصفور سقط على الحضيض بعد إصابته إصابة قاتلة و ارتجف محتضنا آلامه .
 تعجبت لوسي من بكاء أنجليا و نحيبها و لكنها أحست بمرارة كيفية حصول هذا الحمل ليكون مزعجاً لهذه الدرجة، كانت كاثرين تظن أنها سعيدة مثلها بهذا الخبر و حين أخبرت جوليان بدا و كأنه فهم شيئا و لكنه لم يشأ أن يتحدث مع أنجليا ، كانت أنجليا طريحة الفراش رافضة الطعام  والشراب تحدث جوليان مع لوسي الوديعة و أخبرها أن تخرج مع أنجليا للبحر علَّ ذلك يخفف من ألمها، و بعد طول نقاش خرجت أنجليا مع لوسي و توجهتا إلى منطقة كانت لوسي تعرف تعرجات طريقها جيداً، وكذلك كانت تبادلها الممشى نظرة عرفان و مودة ، كانت لوسي امرأة سمراء نتاج  زواج زنجي من امرأة بيضاء و كان زواجا محكوما عليه بالفشل، فنشأت مع أمها التي هجرت الجميع و عاشت هنا،  و كانت تعمل مع أمها فكسبت احترام الجميع و كانت لها مخابئ لم يعرف بها أحد، لذا أخذت أنجليا إلى طريق مفروش بلون الحصى و الحشائش المتناثرة و ينتهي بمصافحة أمواج البحر له.
طوال الممشى كانت لوسي تتحدث عن معاناة أمها و أبيها، و كيف تمكنا من العيش هنا، أما أنجليا التي ظلت صامتة إلى أن وصلت فتقدمت بعض الأمواج بهدوء ملامسه قدميها ترحيباً بوجودها.
 كانت أنجليا لا تدري ما يقوله طائر النورس بصياحه و لا تدرك حديث الأمواج حين تأتي ببطء أو تندفع مسرعة، لم تكن تفقه ما يحكيه المطر حين يطرق بأنامله اللطيفة زجاج النوافذ أو حين يسقط منهمراً على أوراق الشجر، لم تستطيع يوما أن تفهم ما يهمس به النسيم في آذان الزهور، لكن كل حوادث الطبيعة هذه كانت تهز أوتار قلبها و تعبث به تاركة لسانها معقود حائر، و مفسحا المجال لدمعها ليترجم جهل الإنسان الأبدي بحديث الطبيعة الأم .
 بكت أنجليا بصوت عال و خرت ساجدة مثلما تنحني رقاب الخراف أمام جزارها، و صرخت بألم و لوعة : حتى أنت أيها البحر تريد النيل مني يا إلهي أرشدني ماذا أفعل ؟؟!!
إني أكره ذاك البيت و سيده، فلم أرتبط به بهذا الرابط الأبدي .. ؟
لِمَ علي أن أحمل في جوفي و أعماق رحمي كائناً شيطانياً .. لِمَ علي أن أنبت ما غرسه فيّ نيكولاس من أشواك .. بينما رفض رحم زوجته ريتا على إنباتها ، لِم علي أن أعيش المرارة مرتين .. ضربت بطنها بغضب قبل أن تغشيها موجة لتواسيها.
 قالت أنجيليا موجهة كلامها للوسي:
- كنت أود نسيان هذه التجربة المريرة، و لكن لم يكن في حسباني أبداً أن أنجب من أحشائي ابناً لشيطان.
اقتربت منها لوسي قائلة :
- عله يشبهك .. و يكون ملاكاً طيباً مثلك.
رفعت أنجليا بصرها إلى لوسي بعينين دامعتين ، و قالت:
- أنا أكره نيكولاس ، فلم أتحمل عبء إنجاب من سيحمل نواة الشر الأكبر.
ربتت عليها لوسي و احتضنتها قائلة :
- سيكون مثلك أنا متأكدة.
ارتفع مستوى البحرو ضربات أمواجه فتراجعتا للخلف، و جلستا بعيداً، و حكت لها أنجليا تفاصيل مأساتها فقالت لوسي:
- هذا الأمر ليس بهذا السوء، فربما يكون طفلك كقطرة الندى التي تسكبها عيون الصباح بين أوراق وردة ذابلة، لقد بعث الرب بهذا الطفل إليك ليعيدك للحياة و يمنحك سبباً و عزما للصبر و الصمود و المقاومة .. أرجوكِ أحبِّ طفلك لأنه منك، فهو يحس بكل ألمك .. فلا تجعليه يتألم من الآن.
و حيت اقترب المساء و أخذت الشمس تلملم وشاحها الذهبي كانت لوسي و أنجليا في طريق عودتهما، و على العشاء تناول الجميع طعامهم، كانت أنجليا قد أزاحت الكثير عن كاهلها بمصارحتها لوسي، سعد جوليان و كاثرين كثيراً بعودة أنجليا كما كانت و زادت كاثرين من مساعدتها لأنجليا في أعمال المنزل و خياطة المشغولات اليدوية و بدءتا في تجهيز ملابس المولود الجديد ، فلا اعتراض على القدر، و بدأ جوليان يغيب عن المنزل لارتباطه بالمزيد من العمل، أصبح هذا الحمل بعد فترة محفزاً للجميع، بعد أن قررت أنجليا نسيان والده، و اعتباره ابنها وحدها فقط لكي تتعامل معه، لقد كان نيكولاس شبيهاً بإنسان عاش تحت الأرض لذا فلا يمكن أن يخرج من صلبه شخصاً يصلح للعيش على سطحها، فمن عاش في الظلام كثيراً لا يرى الحقيقة في النور...
 سيكون ابني أنا فقط ...
 و من هذا المنطلق انتعش المنزل استعدادً للضيف القادم ....
                                           
****************

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق