الجمعة، 26 يونيو 2020

الضمير النائم ( الجزء التاسع)


الضمير النائم ( الجزء التاسع)

حين وصلت كاثرين الصغيرة و أنجليا لم تجدا جوليان في المنزل، فنامتا حتى الصباح، استيقظت أنجليا مبكراً و تجولت في أنحاء المنزل الذي كان جميلاً و واسعاً به عدد من الغرف المهملة التي بدت شبه خاليه من أثاثها.
 تحسست أنجليا ملمس الجدران الذي بدا رائعا في غرفة الاستقبال خصوصا مع اقتحام أشعة الشمس الغرفة عنوة، لكن ما أثار استياء أنجليا هو الاهمال الذي يعم المنزل و الفوضى التي تحتل بعض الغرف.
 تحيرت أنجليا من أين تبدأ بالنظافة و أين أدواتها، فأيقظت كاثرين لتسألها فإذا بكاثرين تبدى حماساً و نشاطاً للعمل مع أنجليا، فتعاونتا بسعادة و بدأتا العمل مع بعضهما، و حين انتصفت الشمس في كبد السماء، فقررتا معا أخذ قسط من الراحة.
عادتا إلى غرفة كاثرين التي تغيرت كثيرا بعد النظافة، بدت أكثر لمعانا و جاذبية و إحساسا بالراحة.
 كانت أنجليا سعيدة بكاثرين التى أحبتها، و قررت أنجليا أن تبقى معها إلى أن يتسنى لها الوقت و توافيها فرصة ملائمة للعودة، استلقت أنجليا على الأريكة في حين تمددت كاثرين في مهدها و قبل أن تغمض أي منهما جفنها ، سمعا صوت دخول أحدهم، و بدا من صوت حركته العصبية و التوتر .
 نهضت كاثرين قائلة:
- لابد أنه جوليان .
 ذهبت للخارج تاركة أنجليا في الغرفة سمعت أنجليا شجار كاثرين مع شقيقها على ما يبدو، فتحركت أنجليا بخفة لتسمع ما يقولانه و لكن ما وصل لسمعها كان ختام الحديث،  حيث قال الفتى:
-  هكذا إذن ارتكبت خطأ كبيرا بمغادرتك مكانك، ثم عدت للمنزل و معك فتاة أخرى، هذا ما كان ينقصني.
قالت كاثرين برجاء :
- أرجوك لا تقل هذا أنت لم تر أنجليا بعد.... إنها تشبه أتينو في كثير من الأشياء أرجوك لا تحرمني منها .
 سمعت أنجليا جوليان يجيبها :
-  أنت تعلمين أن وضعنا المالي لا يسمح لي بالإنفاق على شخص آخر ألا يكفي  تربص والتر بنا و بما تبقى لنا من أموال أبي .
قالت كاثرين :
- أنت تعلم أنه شخص جشع و يريد إخراجنا من منزلنا.
 تقدمت أنجليا لتظهر نفسها لهما، و لكنها سمعت كاثرين تقول :
-  كل ما أطلبه أن تدع أنجليا تعيش معنا، لقد أحببتها و حين تراها ستفهم ما أقول .
 و لم تنتهي عبارتها حتى كانت أنجليا واقفة أمام غرفة الاستقبال تنظر إلى كاثرين التى كانت جالسة فوق أخيها جوليان الذي كان مسترخيا في أحد المقاعد الوثيرة وما أن رآها جوليان حتى أنزل أخته و نهض مواجهاً أنجليا.
 ارتفع حاجبا أنجليا من الدهشة حين رأت جوليان الذي بدا شابا نحيلا و طويلا ، ذلك الطول الذي يعطيك إحساسا بأنه شابا ناضج لكن ما أن تتأمل وجهه  حتى تدرك أنه فتى لم يبلغ العشرين من عمره بعد ظهور ذلك الزغب الصغير الذي يظهر فوق شفتيه  آملا في أن ينمو و يتحول ذلك الزغب إلى شنب يكمل شخصيته ، و لكنه برغم صغر عمره بدا جذابا ، ذا أنف طويل و عينين قويتين ثبتهما على أنجليا و تأملها و كأنه يختبر شعوره الطبيعي الفطري تجاهها ، و لكن احساسا بالاطمئنان هو ما راوده ، و هو مايزال مثبتاً نظره عليها تقدمت أنجليا ووقفت أمامه ، فأمسكت بيدها كاثرين و قالت بفرح :
-  لقد عملنا اليوم معا و لكن لم ننتهي بعد.
 صمت جوليان و لم يرد.
 قالت أنجليا :
- لقد أتيت لأوصل كاثرين للمنزل و حين رأيت المنزل بحاجه للنظافة بدأت العمل .
 قال جوليان :
-  إعذريني و لكن لا يمكنك البقاء ، و شكرا لكل ما فعلته من أجل أختي .
 صاحت كاثرين و الدموع في عينيها :
-  أرجوك لا تحرمني منها .
نظر إليها جوليان و قال :
 أنت تعلمين ظرفنا جيدا يا كاثرين ، فكفي عن هذا .
 قالت كاثرين متوسلة :
-  لا.... أرجوك ، هي لن تطلب منك شيئا أبدا مقابل أن تبقى معى... أرجوك ، لا تفعل مثل أبي ، إنها تشبه أتينو ألا ترى ذلك ؟!!!
 نقلت أنجليا بصرها بينهما ورأت يدها عالقة في يد كاثرين الصغيرة فتدخلت قائلة :
- إن لم يكن لديك اعتراض فأنا لا أمانع من البقاء مع كاثرين و لن أطالبك بشئ .
 نظر جوليان إليها بتردد و قال :
- هل أنت هاربة من شئ ما أو من سيد محدد؟
 قالت أنجليا بثقة :
-  لا... أبدا .
 سألها جوليان مجددا :
- ألا تملكين أي علامة في جسدك تحدد هوية سيدك،  فأنا لست مستعداً للمشاكل.
 أومأت أنجليا برأسها قائلة :
-  لو كنت هاربه لما أضعت وقتي في إيصال أختك كاثرين و على كل حال شكرا لك .
 سحبت يدها من كاثرين و قالت :
-  آسفة يا صغيرتي يبدو أن أخاك لا يريدني أن أبقَ.
 ارتفع صوت كاثرين بالبكاء،  فقال جوليان مستدركا بعدما أدرك أنه أثار حفيظة أنجليا :
-  اسمعي يا فتاة ... كل ما أخشاه أنني في ورطة مالية و لن أستطيع أن أدفع لك شئيا و لكنك طيبة و لا أريدك أن ترحلي، لأن كاثرين بحاجة لمن يرعاها، إنها تفتقد أتينو و لا أريدها أن تفتقدك أنت أيضاً .
تظاهرت أنجليا بأنها ما تزال غاضبة و قالت :
-  أنا لم أطلب منك مالاً قط .
بدا الأسى على ملامح الفتى و قال:
- ما بيدي حيلة أنا أحب أختي و أخشى عليها كثيرا فأرجوك ابقِ معنا و قدري ظرفي ، لدي مشاغل كثيره في سبيل انقاذ ما يمكن من أموال أبي التي ضاعت و حتى لا أخسر منزلنا لذا فلن أتواجد كثيرا في المنزل أرجوك أبق معاها.
تعلقت كاثرين بها  وهتفت :
-  هيا .... أرجوك قولي نعم... ستبقين من أجلي.
 ابتسمت أنجليا وهي تحدق في وجه كاثرين البريء ، و قالت بعد صمت:
-  حسنا و لكن لوقت محدد فقط.
أرادت أنجليا أن تستغل الفرصة إلى أن تهدأ الأوضاع و تحدد خطوتها القادمة.
كان جوليان شابا طيبا أثقلته هموم والده الذي قُتِل تاركا له منزلا و أرضا خسرها في رهان و بعض الأموال التي يقول والتر أن والده أخذها منه قرضا و هي له الآن، و لم يجد حلا إلا أن يذهب إلى صديق والده القديم المحامي اندريه الذي أبدى استعداده لمساعدته و لكن الأمر يستغرق بعض الوقت.
 أقامت أنجليا فترة جميلة بصحبة كاثرين و جوليان ، فتعلمت كاثرين منها الكثير ولكن والتر ذلك الشره كان يضيق الخناق على جوليان المسكين الذي عاد إليهما ذات مساء و على وجهه علامات ضرب و كدمات، لم يتحدث أمام أخته إلى أن ذهبت إلى غرفتها وخلدت إلى النوم ، حينها إنفرد بأنجليا و أخبرها أنه لم يعد له خيار سوى بيع المنزل و الرحيل من هنا وإلا سيطرد بالقوة، هدأت أنجليا من روعه و أخبرته أنها ستقف معه و ستساعده في الانتقال،  فهذا أفضل من أن يدخل كل يوم في شجار مع والتر أو غيره، ما دام سيشرف على هذه العملية المحامي اندريه.
 وفي غضون شهرين استطاع ثلاثتهم الانتقال لبيتهم الذي بدا ضيقاً مقارنة بالمنزل الأصلي و لكنه يقع بعيداً بالقرب من الساحل حيث المياه الزرقاء، و بمعاونة اندريه ذاك المحامي القصير ذو البطن المترهلة الممتدة للأمام استطاع أن يحسم أمور جوليان مع خصوم والده و استطاع أيضا أن يوفر له عملا على الشاطئ حيث القوارب و السفن.
*********

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق