الثلاثاء، 23 يونيو 2020

الضمير النائم( الجزء الثامن)


الضمير النائم ( الجزء الثامن)

وهنا عادت انجليا مرة أخرى لصديقها الحميم الشارع الذي يصاحبها وقت يشاء ويغدر بها وقتما يشاء ، خرجت انجليا راضية ومقتنعة بكلام الراهبة العجوز جين، إنها أول شخص أبيض يمكن أن تحبه انجليا و ترتاح له، عادت بنفس طريقها  لتجد الشجرة المجوفة بانتظارها مرحبة بها مع باقي الحشرات الصغيرة المرحة أيضاً، باتت تلك الليلة ولكن فجأة سمعت صوت صراخ طفلة تركض وشخص ما يطاردها، انتبهت من نومها فزعة وأخذت تنصت بصمت واختبأت للداخل أكثر، كانت الأصوات ما تزال بعيدة فخرجت ببطء من التجويف فرأت طفلة تركض وخلفها رجل يحمل عصا بدا بطيئا في ملاحقة الطفلة .
 تمنت انجليا قائلة :
  -  أرجو ان لا تقع في يده .
بدا الرجل لاهث الأنفاس، وهو يصرخ محاولا أن يلحق الطفلة.
انتبهت انجليا أن تلك الطفلة ستمر بجوار شجرتها بعد قليل لذا استعدت انحليا... ومع اقتراب الطفلة خرجت انجليا من مخبئها وأشارت لها لم يكن للطفلة من ملاذ آخر ، فاندفعت نحو انجليا التي أدخلتها إلى تجويف الشجرة وسدت انجليا المدخل وظلت تراقب الرجل الذي بدأ يبتعد هو يصرخ باحثا عنها .
شدت الطفلة ثوب أنجليا منبهة لها وهمست:
-  دعك منه الآن انه لا يرى جيدا في الظلام ...إنه عجوز .
جلست انجليا بجوارها واندهشت حين تأملتها... إنها طفلة من البيض .
 سألتها انجليا :
-  لمَ يركض خلفك ذلك الرجل.
 ابتسمت ببراءة الاطفال و أجابت:
لأنه رجل بخيل و أنا أخذت منه هذه، أخرجت من كيسها الذي تحمله قطع خبز و جبنة و أكملت:
- لقد سرق ذلك الرجل أموال أبي قبل أن يقتل.
رثت أنجيليا لحال الطفلة كثيراً و سألتها:
- هل أنت جائعة ؟
هزت الطفلة رأسها بالإيجاب، و أعطت أنجيليا قطعة خبز و أكلت هي واحدة، و أعادت الباقي لكيسها، أمسكت أنجيليا قطعة خبزها و لم تأكلها، و حين انتهت الطفلة، أعادتها و قالت بحنان:
-  يبدو أنك لم تشبع .
هزت رأسها نافية و قالت:
- لا .. لا هي لك... و ما تبقى في الكيس لأخي .
تعجبت أنجليا و همست لها:
- حسناً إذن .. أنا لست جائعة و قد تناولت عشائي قبل القدوم لهذه الشجرة ، أرجوكِ كلي قطعتي .
ابتسمت الصغيرة بتردد و سألتها:
- هل أكلت حقاًّ؟
أومأت أنجليا برأسها و دفعت قطعة خبزها ليد الطفلة التي نقلت بصرها بين الخبزة و أنجليا و ترددت ثم قالت:
- و لكنك أنقذت حياتي  وليس لدي سوى هذه الخبزة .
 ابتسمت انجليا وربتت على شعرها و قالت:
-  لا يا صغيرتي لم أفعل لك شيئا...هيا تناولي هذه .
نظرت إليها انجليا نظرة مؤكدة كلامها فابتسمت الصغيرة وتناولت الخبزة بعد أن أضافت إليها قليلا من الجبنة.
تأملت انجليا الطفلة وهي تأكل في صمت و شعور بالسعادة لا يوصف لأنها ساعدتها، حين أنهت الطفلة الخبزة الثانية زحفت لتجاور انجليا وطبعت قبلة على خدها وقالت بفرح :
-  شكرا لك ...لقد كنت طيبة معي جدا يجب علي أن أعود.
وقفت خارج الشجرة ونهضت انجليا وسألتها بقلق:
- أين ستذهبين الآن ؟!!
قالت الطفلة :
- لا بد وأن أخي قلق علي يجب أن أعود.
كانت انجليا فرحة بلقائها و لا يمكن أن تتركها تذهب وحدها في ليل كهذه فقالت:
-  اذن سأذهب معك.
 قفزت الطفلة فرحة حقا... ستذهبين معي .
ابتسمت انجليا مؤكدة قول الطفلة.. 
سألتها انجليا :
- أتعرفين أين أخوك الآن .
 ردت الطفلة :
- ربما سيكون في المنزل .
 أمسكت انجليا يد الطفلة :
- أتعرفين أين يقع منزلك أيتها الصغيرة.
اشارت برأسها علامة الإيجاب وقالت:
 - لكنه بعيد من هنا.
 قالت انجليا:
-  لا بأس إذن .
حملت انجليا لباس الراهبة الذي أهدته لها الأم جين حين ودعتها و غادرت الكنيسة ، وكذلك الطفلة حملت كيسها المحتوي على بقايا خبزها وقطعة الجبن و أمسكتا بيد بعضهما، وبدأت رحلة عودة الطفلة للمنزل.
 كان الطريق طويلا، لقد أخبرتها الطفلة إنهما يسكنان على الجانب الأخر من البلدة، بعد وفاة والدهم.
 كانت الطفلة تدعى كاثرين تيمنا باسم والدتها التي توفيت أثر ولادتها، فأدمن والدها الشراب و ساءت حالته، و كثيراً  ما كان يضرب جوليان الذي كان يكبرها بخمس سنوات.
كان والدها يحب المقامرة و لقد رهن منزله ذات مرة،  لكنه ربح الرهان.
كان يحب المجازفة إلى أن قُتِل ذات يوم في شجار على طاولة الرهان.
 كانت كاثرين صغيرة لا تعي كثيراً مما حولها ، فقَدْ فَقَدَ والدها صوابه عند موت زوجته كاثرين و خسر كثيراً مما يملك في مغامراته المتعددة، كما اضطر لبيع  خدمه تباعاً لتسديد ديونه المتراكمة، كان ابنه جوليان يشفق على والده و حاول التحدث معه عدة مرات ليثنيه على الرهان  و المقامرة و الشراب، و لكن والده ضربه و طرده من المنزل، فكان يأتي جوليان لرعاية أخته الوحيدة، خصوصاً بعد ما فرط والده بالخادمة أتينو.
 تلك الخادمة الزنجية الوفية التي كانت ترعى أخته و تهتم بشؤونها منذ صغرها، اضطر جوليان للبقاء في البيت و كانا يتحاشا أن يلتقي بوالده في المنزل، فوالده يكون غارقاً تحت تأثير الشراب في المنزل .
 كانت كاثرين تبقى بمفردها أغلب الأوقات  لولا زيارات جوليان لها، كانت كاثرين تشعر بالوحدة خصوصا مع عدم وجود أطفال في مثل سنها  ليشاركوها اللعب، كانت تسمع قصصاً عن أمها المتوفاة من الخادمة أتينو التي كان لها تأثير كبير في تكوّن شخصية كاثرين الصغيرة، أحبتها كاثرين بصدق و كم ثارت بغضب حين باع والدها أتينو بعدما خسر رهاناً ما ، حاولت كاثرين الصغيرة إقناع والدها بشتى السبل للعدول عن موقفه ، و لكن باءت محاولاتها بالفشل ، و منذ أن فرق والدها بينها و بين أتينو، فقد خسر مساحة كبيرة من حب كاثرين له، فأصبحت تتحاشى أن تراه، لقد أبعد عنها أكثر شخص كان يهتم بها و بأمرها، لذا فقد سحبت كاثرين نفسها من حياة أبيها العابث، و بقيت بعيدة عنه إلى أن مات، فرحت بعودة أخيها جوليان إلى المنزل.
كان جوليان فتى عاقل في كثير من الأحيان و لكنه لا يلبث أن يفقد أعصابه أحياناً في لحظة تهور.
مشت كاثرين و أنجليا مسافات طويلة  فتعجبت أنجليا منها فكيف يمكن لطفلة في العاشرة من عمرها أن تقطع كل هذه المسافة وحدها؟
 و لكن كاثرين أخبرتها أنها أتت لهذه  المدينة بصحبة جوليان، حيث كان عليه أن يصفي حسابه مع رجل من أصدقاء والده يدعى أندريه، و هناك حيث تركها جوليان أمام منزله، رأت بعينيها جارهم السابق الشرير السيد والتر، ثارت دماءها غضباً فهو من تسبب بمقتل والدها، و هو من أفسد حياته بعد وفاة زوجته و جعله يهمل الولدين، لن تنساه كاثرين طالما هي على قيد الحياة، هو سبب طفولتها البائسة، و حرمانها من أتينو المخلصة، هو سبب كل المشاكل الآن.
لذا حينما كانت تنتظر خروج جوليان بعد مناقشته الحسابات مع السيد أندريه المحامي، رأت والتر يمشي مشيته المتغطرسة و يتبعه خادمه، فقررت أن تلاحقه و ذهبت خلفه إلى أن توقف والتر أمام بقالة اشترى منها، و حمل خادمه الأغراض و عاد للبيت و لم يلحظا كاثرين الصغيرة التي ما زالت تتبعهما ، و هناك استطاعت على حين غرة أن تسرق الكيس الذي احتوى على بعض الخبز و الجبن والتقت بانجليا.
ولا تدري انجليا أي قدر ساقها إلى كاثرين الصغيرة
********
                    

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق