السبت، 20 يونيو 2020

الضمير النائم ( الجزء السابع)


الضمير النائم(الجزء السابع)


مع بزوغ فجر اليوم كانت أنجليا قد غفت في بطن شجرة كبيرة، في ذلك التجويف الذي حُفر في ساق الشجرة الضخمة كان مليئا بأوراق الشجر اليابسة و بعض الحشرات الصغيرة و الديدان التي لم ترها أنجليا في عتمة الليل ، نهضت و بحثت بسرعة في ملابسها على أي حشرة أو دودة قد تكون علقت بها و قررت مرافقتها، هدأت أنجليا حين لم تجد شيئا وابتعدت قليلا عن الشجرة الكبيرة و نظرت إلى الأمام فرأت الطريق خالياً، مشت قليلاً على حذر لتقع عينها فجأة على مكان ما، فانفرجت أساريرها فرحة حين اقتربت من تلك الكنيسة و قد ارتفعت علامة الصليب واضحة.
اقتربت انجليا من الباب و طرقته و لكنها لم تسمع رداً ربما كان الوقت مبكراً ، طرقت مرة أخرى و سمعت صوت اقتراب أقدام،  و ما هي إلا برهة حتى فتح الباب و ظهرت خلفه فتاة شابة ترتدي زي الراهبات ، بدت الفتاة الشابة البيضاء منزعجة ، نظرت لأنجليا التي بدت رثة الثياب و الهيئة و قالت الراهبة بصوت قصدت فيه الاستهزاء :
- عفواً ..
أتاها صوت من داخل الكنيسة متسائلاً:
-  من هناك بالباب يا جولي.
ردت جولي :
- لا أحد ، إنها امرأة  فقيرة تطلب حسنة يا أماه .
 غضبت انجليا و قالت بصوت عال لتسمع الأم :
-  لست هنا لأطلب إحسانا من أحد .. إنما من الرب .
 قطبت جولي حاجبيها بامتعاض و أتاها صوت الأم :
- دعيها تدخل ، دعي ضيوف الرب يدخلون .
 وقفت جولي ترمق انجليا نظرة ازدراء و تحركت ببطء فاتحة الباب ، دخلت انجليا و تقدمت بخطوات واثقة داخل الكنيسة عبرت الممر و نظرت إلى التمثال المصلوب و ألقت نظرة على اللوحة المرسومة على الجدار ، كانت تعبر عن فن جميل متقن  تلفتت في المكان لترى جسد سيدة عجوز ترتدي لباس راهبة قد انحنى ظهرها ، ووجهها أصبح خريطة توضح عدد الأزمنة التي عاصرتها هذه العجوز .
تقدمت العجوز بخطوات بطيئة و نظرت لانجليا مطولاً تتأملها ثم مدت يدها و أمسكت انجليا.
سرت قشعريرة باردة في جسد انجليا عند ملامستها ليد الراهبة العجوز ذات التجاعيد الواضحة قالت العجوز برفق:
-  هيا اجلسي.
 و أشارت لمقاعد الصف الأول . لم تتحرك أنجليا قيد أنملة بل نظرت بدهشة للراهبة العجوز التي تحركت و جلست و أشارت لها بالجلوس بجوارها .
 لم يعجب هذا التصرف الراهبة جولي التي تقدمت على عجل و قالت بتودد :
- آهـ يا أماه .. ماذا تـفعلين ؟
 أشارت الراهبة العجوز لجولي أن تصمت و نظرت لانجليا و سألتها برفق :
- هيا اجلسي و قولي لي ما اسمك؟
قالت انجليا بتردد واضح:
 اسمي .. اسمي انجليا بامبوحون .
ابتسمت العجوز و قالت :
-  أنا اسمي الراهبة زارينا و يدعونني الأم جين ، إذا لم تمانعي فنحن لم نتناول شيئا بعد ، هلاّ شاركتنا الطعام
قاطعت جولي غاضبة بقولها:
- أماه لا يمكنك أن تسمحي لها .. أرجوك .
 أكملت الأم كلامها كأنها لم تسمع جولي الغاضبة :
- هيا يا ابنتي كلي معنا.
 ظلت انجليا متسمرة مكانها لم تكن حقاَ تشعر بالجوع فقد صاحبها الجوع لفترة طويلة فلم يعد ضيفاً غريباً عنها ، كانت تشعر بالتعب و الإنهاك ، تقدمت منها الأم جين و أمسكت بيدها مجدداً و قادتها لباب جانبي كاشفة عن غرفة للتعبد ثم قادتها لغرفة بدت خاوية بعض الشيء ، كانت معظم أجزاء الغرفة فارغة عدا ذلك الحصير الذي بدا متهالكا و قديماً و يتوسط الغرفة كشيء عجوز له قيمته و أهميته و عليه يقبع كرسي من خشب الخيزران ذو تصميم أنيق رغم قدمه و هرمه، دارت أنجليا بعينيها بسرعة في أرجاء الغرفة و هي تخطو مغادرة الغرفة تابعة الأم حين قادتها لغرفة أخرى بدت أصغر قليلاً من الأولى أو هكذا خيّل لانجليا لأن الغرفة بدت مزدحمة بقطع الأثاث الخشبي كان بها طاولة دائرية الشكل حولها زوجين من كراسي كبيرة و زوجين من كراسي أصغر حجما،  بدا الجميع كأنهم أسرة من الخشب ملتمون و مجتمعون مع بعضهم في حين ترمقهم تلك الخزانة بنظرة غيرة هي و تلك النافذة المحاطة بإطار خشبي ، و سرير خشبي  بدا أكثر الجميع هرما و سقما كان خشبه من النوع الثقيل و قد ألقي عليه غطاء كبير،  و توسط السرير كتاب بدا من هيئته أنه قديم ، تحركت الراهبة و جلست في كرسي كبير كان مسحوباً من الطاولة ، و أخذت نفساً عميقاً و قالت:
- هذه غرفتي الخاصة ، نحن لا نأكل هنا عادة فلدينا مطبخ في الفناء الخلفي مع غرفة مستخدمة لتخزين أشياءنا و لكن بعد الحريق الذي التهم مطبخنا و جزءاً كبيراً من المخزن، أصبحنا نأكل هنا ،جولي تعده دوماً، فأنا و هي نقيم هنا منذ منذ زمن لنخدم الرب وضيوفه. 
تقدمت انجليا و هي تتلفت حولها إلى أن جلست بجوار الأم و قد بدت ترتاح لها قليلا.
سألتها الأم جين : من أين قدمت يا انجليا ؟
 على الفور اندفعت صورة أبيودون إلى عقلها و تذكرت كلماته الأخيرة فانسابت دموع انجليا بصمت و لم ترد .
 قالت الأم جين :لا تبكِ ... ربما أكون على علم بما حدث لك ،  فحين تكالبت عليكم تلك الوحوش البيضاء على بلادكم لتقتل منكم الكثير و تسرق فلذات أكبادكم، دخلوا باسم الرب و التبشير ..
إني أعلم أن كل سفينة كان يصاحبها قسيس ليقوم بتنصير العبيد مقابل مبلغ مالي يتقاضاه عن كل رأس! هكذا سلبوكم الحرية و الدنيا.
 توقفت انجليا عن البكاء و هي تتأمل الراهبة العجوز و هي تحكي بصراحة و جرأة و صدق ما حدث فعلا في الماضي و ما زال يحدث إلى الآن .
أكملت الراهبة قولها : لقد حققت الكنائس الأوربية ثروات هائلة من تلك الرسوم التي تتقاضاها من النخاسين و هكذا كانت بعثات التبشير متورطة في أخس تجارة عرفتها البشرية ، لقد أساؤوا كثيرا باسم الرب حتى أن البابا يوجينياس الرابع قد أعلن رعايته لحملات الاستعباد التي يقوم بها الملك هنري، صمتت  فترة و كأنها تتذكر و عقدت حاجبيها بقوة رغبة في استحضار معلومة ما أهملتها مع الزمن ثم قالت فجأة :أعتقد أنه في الفترة التي كانت بين عامين 1450-1460 إذا لم أكن مخطئة ، أعتقد أن البابا نكولا الخامس و كالكاتاس الثالث عقد صفقة لإستعبادكم و اعتناقكم لدين الرب .
لقد عذبتهم كثيراً على أيدينا، ومازال القانون الأحمق جائرا عليكم كثيرا.
أنصتت انجليا للأم جين التي أشفقت عليها و أبدت لها الكثير من الرأفة والشفقة، كان اعتراف الراهبة العجوز هو أشد ما أعجب انجليا فيها ،هل يوجد من البيض من يعتقد أنهم مخطئون وأن لنا الحق في العيش كباقي الناس .
سألتها انجليا بتردد : هل تعتقدين أيتها الأم جين أنكم أخطأتم بحقنا ؟!!
 تأوهت الأم بألم واضح وقالت : كثيرا يا ابنتي لقد أخطأنا في حقكم كثيرا وقطعت عباراتها مع دخول الراهبة جولي حاملة الطعام وضعته أمام الأم جين وهمت بالمغادرة.
سألتها العجوز: ألن تأكلي معنا ؟
أجابت جولي: لا يا أماه... لقد أكلت.
صمت قليلا ثم سألت: أيمكنني المغادرة ؟
 أومأت الأم غادرت جولي مسرعة كأنها تنفر من شئ ما علقت الأم جين قائلة و عيناها تنظر نحو الطعام: جولي لم تأكل شيئا ...أعلم ذلك ، إنما هي تخاف منكم و تحتقركم مثلها مثل الجميع ، لم يكفينا أنا ظلمناكم ولكنا أيضا نستعر من وجودكم و نراكم كالحشر على المائدة لذا لا نأكل معكم.
رفعت العجوز عيناها على الطعام و نظرة إلى انجليا وقالت: و لكني لست كذلك أبدا يا ابنتي ...فهيا شاركيني الطعام .
ترددت انجليا قليلا ثم مدت يدها للطعام وشاركت الأم مغتنمة الفرصة فهي لا تدري إذا خرجت الآن أين ستذهب ؟ وأين ستبيت اليوم ؟ تساءلت في نفسها إذا كان بالإمكان أن تسمح لها الأم بالمبيت اليوم هنا معهما ولكنها لم تجرؤا على السؤال.
 تناولت طعامها في صمت ، وبعد الطعام أخذتها الأم لغرفة ليس بها سوى بساط أرضى و غطاء لتنام هناك، نامت انجليا بعمق ولم تستيقظ إلا في المساء، كانت بحاجة ماسة للراحة والنوم، نهضت وخرجت لترى الكنيسة مازالت فارغة ورأت الراهبتين هناك  في القاعة.
تساءلت انجليا: ألم يأتي أحد اليوم ؟
ابتسمت الام ورفعت رأسها تنظر لإنجليا وقالت: بل أنت التي سرقك النوم حتى المساء فلم تسمعي شيئا كما أن غرفتك بعيدا بعض الشئ .
علقت جولي مستفزة انجليا:  بل كلهم كذلك يا أماه لا يشعرون، وحين ينامون يرقدون كالحيوانات.
 أوقفت الراهبة جين جولي بإشارة من يدها و قالت: الآن اكملي عملك، سأعود لغرفتي مع انجليا .
غادرت انجليا والأم جين قاعة الكنيسة تاركين جولي تتمتم بحنق عادت الأم لغرفتها وجلست على السرير العتيق وتناولت الكتاب المقدس الموضوع هناك بدأت تحكي لأنجيلا عن الأخطاء العظيمة التي حدثت حين حرفت التوراة  في عدة مواقف من أهمها ما جاء في الإصحاح  العشرين من كتاب الثنية المزعوم :
 (حين تقترب من مدينة لكي تحاربها استدعها إلى الصلح ، فإن إجابتك إلى الصلح وفتحت لك ، فكل الشعب الموجود فيها يكون لك للتسخير وتستعبد لك ، وإن لم تسالمك بل عملت معك حربا فحاصرها ، وإذا دفعها الرب إلهك إلى يدك فاضرب جميع ذكورها بحد السيف ، وأما النساء والأطفال والبهائم و كل ما في المدينة  و كل  غنيمتها  فتغتنمها لنفسك ، وتأكل غنيمة أعدائك التي أعطاك الرب الهك).
وكذلك في الإصحاح الحادي والعشرين سفر الخروج فإنه ينص صراحة على جواز شراء العبيد : (إذا اشتريت عبدا عبرانيا فست سنين يخدم )، ثم إن أعطاه سيده امرأة وولدت له بنين وبنات، فالمرأة وأولادها يكونون للسيد وهو يخرج وحده ، ولكن إذا قال العبد : أحب سيدي وامرأتي وأولادي لا أخرج حيا ، يقدمه سيده الى الله ويقربه الى الباب أو إلى القائمة ، ويثقب سيده أذنه بالمثقب يخدمه إلى الأبد.
هذا إن كان عبرانيا أما استرقاق غير عبراني فهو عن طريق التسلط والأسر كانوا يصطنعون لهذا الإسترقاق سندا من توراتهم فيزعمون : إن حام بن نوح ( هو أبو كنعان ) كان قد أغضب أباه يوماً ، لأن نوح سكر يوما ثم تعرى و هو نائم في خبائه !! فأبصره حام كذلك فلم علم نوح بهذا بعد استيقاظه غضب ولعن نسله الذين هم كنعان . قيل إن في التوراة في سفر التكوين اصحاح 9/25_26 : ملعون كنعان عبد العبيد يكون لأخوته.
وقال : مبارك الرب إله سام وليكن كنعان عبداً لهم . وفي الإصحاح نفسه 27 أيضا :( ليفتح الله ليافث فيسكن في مساكن سام ، وليكن كنعان عبداً لهم .
أرأيت يا إنجليا كيف كذبوا باسم الرب و انتهكوا حرمته ، وقد اتخذت الملكة إلزابيث الاولى – ملكة بريطانيا قديما – من هذا النص الملفق سندا قويا لها لتبرير تجارتها في الرقيق التي كانت تسهم فيها بنصيب الأسد .
أصبحت الكنيسة من أكبر ملاك الأراضي وأكبر السادة الإقطاعيين في أوروبا ، فقد كانت ( دير فلد ) يمتلك 15000 من العبيد  وكان دير (سانت جول ) يمتلك 2000 من الرقيق ، وكان الملك هو الذي يعين رؤساء الأساقفة و الأديرة وكانوا يقسمون يمين الولاء كغيرهم من الملاك الإقطاعيين .
هزت رأسها بأسى وقالت : وهكذا أصبحت الكنسة جزء من النظام الاقتصادي، وكان العبد سلعة من السلع كما يعده القانون الزمني سواء بسواء ، وُحرم على عبيد الكنائس أن يوصوا لأحد بأملاكهم ، وحرم البابا جريجوي الأول على العبيد ان يكونوا قساوسة او أن يتزوجوا من المسيحات الحرائر .
هكذا بدأوا وما زالوا يفعلون كل جرائمهم البشعة باسم اليسوع والرب وتحت غطاء الدين ، لقد ارتكبوا أخطاء  جليلة .
كانت دهشة انجليا تزداد كلما سمعت الأم الصادقة جين التي حكت لها بصدق ما خفي عن انجليا وأهلها منذ زمن، أدركت انجليا أن الأم جين نادمة وحزينة لما آلت إليه الأمور من شيوع الاستعباد وانتشار قيود الذل والظلم .
عرفت انجليا من الام جين الكثير  حيث استبقتها العجوز مدة ثلاثة أيام أو أربع بعدها صارحتها إنها لن تستطيع ايقاف مضايقات جولي لها، وهي تعرف جولي حق المعرفة ولا بد إنها ستدبر لها مكيدة أو مؤامرة لتبيعها مرة اخرى ، لذا نصحتها الأم جين بالخروج من الكنيسة لأنها لن تحتمل أن يحدث شيئا لأنجيلا أمام عينها .
وهنا عادت إنجليا للشارع مرة أخرى
***********

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق