الثلاثاء، 16 يونيو 2020

الضمير النائم ( الجزء السادس)


الضمير النائم (الجزء السادس )

 بدأت أنجيليا رحلة الهرب مجدداً و لكن هذه المرة مع الفتى أبيودون، انطلقا يركضان بسرعة بين الأشجار، نظرت أنجيليا للخلف فرأت أضواء البيت تكاد تختفي عن أنظارهما فزادت من سرعتها  تابعة خطوات أبيودون الذي بدا مدركاً للمكان خصوصاً مع ازدياد الظلام كثافة .
سأل أبيودون :
- ما رأيك أن نذهب بذلك الطريق؟
قالت أنجيليا و هي تجتاز بعض الشجيرات الشائكة الصغيرة:
- لا أدري و لكن السيدة أكوكو حذرتك .
قال أبيودون و قد توقف فجأة :
-  أنا أعلم أن الطريق ستكون آمنة و خصوصاً الليلة لأن المنزل الوحيد هو منزل السيد روبرت، و سيكون هو في الحفلة المقامة  لدى ريتا و نيكولاس، لذا لن يوقفنا أحد، كما أنني كنت قد سلكت تلك الطريق الأخرى و أُلقي القبض عليّ، و عوقبت بشكل لا يتخيله أحد، لقد ضُربت بذلك الكرباج الشيطاني حتى فقدت وعيِ أكثر من مرة، رفع قميصه و قال لها :
- تحسسي ظهري.
مررت أنجليا أصابعها على ظهره و هي تتحسس بتلك الندب الكثيرة ، بعضها بارز و بعضها غائر و متشابك، و كأنها لوحة حُفرت و نُقشت بشكل عشوائي.
رفعت أنجيليا أصابعها بسرعة قائلة :
- يا إلهي ... إنه مؤلم حقاً.
أنزل أبيودون قميصه و أمسك بيد أنجيليا ووضعها على معصمه المقطوع  و قال:
- ما رأيك بهذا أيضاً.
فزعت أنجليا و تراجعت ممسكة يدها و قالت:
- ماذا تريد الآن ؟
قال أبيودون :
- أن نذهب بذاك الطريق .
قالت أنجيليا :
- و لكني خائفة أن يلقوا القبض علينا .. و إني أفضل الموت على أن أعيش تكرار تجربتي الأليمة مرة أخرى .. أفهمتني .
قال أبيودون :
- إنني أعدك أن ذلك لن يحدث، حتى لو قتلت أنا لأحميك، و لكن عديني أن تحاولي العودة للوطن .. أرجوكِ مهما كلفك الأمر .
قالت أنجليا :
- طبعاً أعدك و سنعود نحن الاثنين معاً. 
أشار أبيودون للطريق و قال:
- هيا بنا ....
تقدم أبيودون للأمام و خلفه أنجيليا ، ابتعدا كثيراً و ظهر أمامهما سور شائك . قالت أنجليا:
- ما هذا ؟!
قال أبيودون و هو يتفحص السور بحذر :
- لا بد أنه تابع لآل روبرت ، أعتقد أنه يحدد مقدار ممتلكاتهم .
قالت أنجليا :
- أو ليمنع الهاربين أيضاً!
قال أبيودون:
- لا .. لا أظن . فهو ليس بمرتفع، أليس كذلك ؟! نستطيع أن نقفز من فوقه .
تراجعت أنجيليا:
- لا .. لا .. ألا ترى أنه مدبب جداًّ و حاد الأطراف ، دعنا نعود و نسلك الطريق الأخرى هذا الطريق مسدود ، كانت السيدة أكوكو على حق .
قال أبيودون :
- لا لن نعود .. لا بد أن نجد حلاًّ ما.
و عند إكماله عبارته سمعا صوت نباح كلاب ، ارتجفت أنجيليا و التصقت بأبيودون الذي ردد مصعوقاً:
- أيعقل هذا .
همست أنجيليا خائفة : أتسمع هذا ؟!
أومأ برأسه بالإيجاب و هو ما زال يردد :
- أيعقل هذا ؟!
 هزته أنجيليا و هي ملتصقة به :
- ما بك ... ألا تسمع أصوات الكلاب تقترب منا .
رفع أبيودون ذراعه لأعلى و أعادها إليه ضامّاً إنجيليا لصدره و هو يهمس :
- لقد سمعت أن بعض الأسياد كانوا ينوون تدريب كلاب على اللحاق بالعبد الآبق، و استخدام كلاب شرسة لتأديبه، و لكن هل يعقل أنهم فعلوا ذلك حقاًّ؟!!
انتابت أنجليا نوبة من البكاء الهستيري و هي تتخيل مصيرها إذا تم القبض عليها  مع أبيودون الآبق .
 قالت أنجليا بصوت متقطع :
-  أرجوك دعنا نهرب الآن ... أرجوك.
 هزها أبيودون بيده الواحدة قائلا :
-  لا يمكننا الإفلات من تلك الكلاب الشرسة إنها مدربة و ستمزقنا إربا أمامهم و هم يضحكون فقط .
 جلست أنجليا ضامة ساقيها إلى صدرها و أكملت بكاءها .
في حين تحسس أبيودون الأرض بأصابع يده ثم توجه باتجاه السور و لمس الأرض أيضا هناك ثم رفع عينيه للسور كأنه يخطط لشيء ما.
 كان الوقت يداهمهما،  في حين كانت أنجليا تضرب الأرض بقوة و تبكي بشدة،  و قبل أن تفهم ما يحدث حولها أحاط أبيودون جسدها بكلتا ذراعيه و ضغطها بشدة و أطلق صرخة قوية و هو يحمل جسد أنجليا النحيل كالطفلة التي بدت في حالة من الذهول ، رفعها عن الأرض عاليا و صرخ بشكل أعلى وبكل ما أوتي من قوة رمى أنجليا خلف السور،  التي صرخت لارتطامها بالأرض بشدة.
 أفاقت من تلك الهستيريا لتجد نفسها مرمية على الأرض خارج السور و أبيودون بداخله .
 سألت أبيودون :
-  ما الذي فعلته؟.
تحرك أبيودون يبحث بيده الواحدة عن شيء ما خبأه بين ملابسه قائلا :
- اسمعي يا أنجليا لقد وعدت أن أنقذك و هذه هي الطريقة الوحيدة ، و أنا أعلم طبيعة الأرض، فالأرض أمامك الآن هي منحدرة بعض الشيء فخذي حذرك وانطلقي مبتعدة.
 أحست انجليا و كأن عظامها كلها تحطمت من قبضة أبيودون لضربة الأرض ، حاولت أن تنهض و قد بات صوت الكلاب قريباً جداً،  و معه ظهرت أضواء عابثة تبحث في الظلام .
 قالت أنجليا بلهفة :  و أنت يا أبيودون ؟!!.
أخرج أبيودون شيئاً من ملابسه و قال في فرح :
- وجدتها ....
 التقط أنفاسه بسعادة و التفت إلى أنجليا و قال لها:
-  لا تخافي لن يظفروا بي حياًّ ... و أمسك بيده المتبقية السور الشائك و صرخ من الألم مع تدفق الدم منها،  و قال لانجليا :
-  أتعلمين إن في هذه..  و أشار لشيء خشبي لم تستطع أنجيليا رؤيته جيداً . فعادت و رأت أبيودون الذي أبعد يده النازفة و أمسك ذلك الشئ و قال لها :
- في هذه سمٌّ قوي صنعه أجدادي و استخلصوه  من جلد أكثر الضفادع فتكاً، كنا نستعمله في عمليات الصيد، كنا نمسح به رؤوس السهام  و الرماح استعداداً للصيد ،  و لقد عثرت هنا على بعض الضفادع السامة و استخلصت هذا السم لنفسي ، فلا تقلقي.
بدا أبيودون يمسح السم على يده النازفة ليدخل السم لمجرى الدم ، و كذلك لعلق بعضه . تحركت أنجيليا بصعوبة  و الدموع  في عينيها .
قال أبيودون :
- أكملي رحلتك و لا تستسلمي ، أنا سألهيهم قليلاً قبل أن يفتك بي السم و أنتِ اهربي مبتعدة و لا تتوقفي إلا عند الفجر ، و امشِ بثقة  فهناك عبيد فروا  ونجحوا في العودة فكوني منهم.
 قالت أنجليا حزينة:
- سأفعل يا أبيودون .. و أنت ستعبر إلى دار السلام .. أنا متأكدة .
ركضت مسرعة مع اقتراب الأضواء و ارتفاع صوت النبيح ، هُيّئ لها صوت أبيودون يقول مجدداً:
- لن يظفروا بي حياً أبداً ليستمتعوا بتقطيعي .
 انطلقت أنجيليا مجدداً و دموعها تنهمر على وجهها بغزارة ، تخطت الكثير من الأشجار و تعثرت ببعض الشجيرات ، تسقط متعثرة و تنهض مسرعة في سباق مع الزمن.
 بدأ شريط الذكريات يعيد نفسه و ها هي تخسر مجددا رفيقها في الهرب لتعود وحيدة خائفة تنتظر مصيرها الجديد المجهول.

                                              **************

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق