السبت، 13 يونيو 2020

الجزء الخامس


الضمير النائم ( الجزء الخامس)

في الصباح تقدمت أدنغو و السيدة البدينة للمنزل و دخلتا الغرفة الرئيسية ثم توجهتا إلى غرفة طالما حفظتاها جيداً ووجدوا الشاب و الرجل الكبير ساقطين منهكي القوى و رائحة الشراب تنبعث من الغرفة تُزكم الأنوف، سألتها أدنغو: هل ماتا ؟!
قالت السيدة: أتمنى ذلك و لكني أعتقد أنهما غائبين عن الوعي فحسب.
اقتربت السيدة و هزت الرجل الكبير بعنف فلم يستيقظ فتركته و اتجهت نحو الشاب و حركته بقوة فبدأ يُتمتم بكلمات غير مفهومة، سألته السيدة: أين هي الفتاة، أنا لا أراها هنا، أين هي؟؟
فتح عينيه و هو مازال تحت تأثير الشراب.
  قالت أدنغو: دعيهما لن يستيقظا الآن، أظنها في العلية .
تحركتا إلى الدرج الذي يؤدي للعلية، فقالت أدنغو: بالأمس قالا لي شيئاً عن العلية ، لذا أتوقع أن تكون هناك .
وصلا  إلى الغرفة التي كانت مغلقة فقالت أدنغو: سأحضر المفتاح منهما ، أعرف أين يضعانه .
نزلت بسرعة و عند عودتها كانت تحمل في يدها مجموعة مفاتيح ، و فتحت العلية و لكنهما لم يجدا شيئاً ، نظرت السيدة إلى الغرفة التي بدت في غاية الفوضى و لم تر أنجيلنا ، قالت أدنغو : ربما تكون في الأسفل .
أشارت السيدة و قالت : لا .. إنها هنا . 
نظرت أدنغو إلى حيث أشارت فرأت فستان أنجيلينا الممزق، فتمتمت بغضب : تبّاً لكم .
نادت السيدة : أنجيلنا .. أين أنتِ .. اخرجي الآن.. لا أحد هنا .. لا أحد سيلمسك .
لم  تسمع السيدة رداًّ .
قالت ادنغوا: دعينا نبحث عنها.
بحثت السيدة في خزانة الملابس.. فقالت أدنغو: لقد وجدتها .. إنها هنا.
كانت أنجيليا أسفل السرير تبدو مذعورة خائفة و منكمشة على نفسها، تقدمت منها السيدة و قالت:
- أنجيليا .. هيا اخرجي..  نحن معك.
لم ترد أنجيلينا.
 فبدت السيدة تغني أغنية الأمس ، بكت أنجيلينا بصوت مسموع و زحفت خارجة إليها ، ملتحفة بملاءة كبيرة ، حضنتها السيدة قائلة:
-لا تقلقي ، لقد انتهى كل شي الآن .
قالت أدنغو : اذهبي معنا .
غادرت أنجيلينا معها و أتت أدنغو لها بثوب آخر، و هناك رأت أنجيلنا الكثير من الفتيات اللواتي يعملن ، فلم تكن السيدة و أدنغو وحدهما.
هناك فتيات زنجيات و أخريات بيض، لم تفهم أنجيلينا سبب عبودتهن.
حكت أنجيلينا قصتها على السيدة إكوكو .
قالت السيدة إكوكو :
- لقد كنت من أوائل الخدم الذين أُحضروا لخدمة السيد نيكولاس و مع توافد أقاربهم و بموجب التعديلات التي أُضيفت على القانون، القانون الذي صدر منذ زمن بعيد بوساطة البرلمان في أول جلسة تشريعية بشأن اختطاف الهنود الحمر و الزنوج و استعبادهم ، يعتبر عملاً يستحق الثناء و التكريم ، فسارع أجداد نيكولاس لنيل هذا الشرف العظيم ، و استعباد الكثير إلى أن وصل الأمر إلى نيكولاس و زوجته إلى ما فوق المئة ، خدمت والده قليلاً و قد شهدت ولادة نيكولاس ، كنت كثيراً ما أقارن بينه و بين والده الذي قتله أحد الخدم ، فغضب نيكولاس و أردى الكثير من الخدم برصاصه و عذّب الكثير، ثم استخدم الحديد المحمى على النار ليكوينا و يميزنا بعلامة لنعرف أننا خدم نيكولاس.
و استطردت السيدة إكوكو حديثها :
- إذا انتبهت فليس جميع الخدم هنا يملكون أذنين اثنين ، فعند ارتكاب أخطاء يقوم السيد نيكولاس بقطع أذن العبد و يرميها أمامه ، لكي ينتبه مجدداً و لا يخطئ مرة أخرى ، لذا  فأنا أريدك ألا تغادري هذا المكان مشوهة أو حتى مقطوعة الأعضاء.
قالت أنجيلنا :
- و لكنكم تعيشون في جحيم لا يحتمل.
هزت أكوكو رأسها :
- أعلم ... أعلم هذا .. لقد حاول عدد منا الفرار و لكن النتيجة باءت بالفشل ، و من استطاع الهرب من الرصاص ورحل إلى منطقة أخرى ، أعادوه الناس إلينا لأنه يحمل علامة السيد نيكولاس ، فالسادة لا يحبون أن يدخلوا في صراع مع السيد نيكولاس لما عرفوه عنه ، و عن أطباعه الشرسة . أنا أخشى أنك قد نلتِ استحسانه يا أنجيلنا.
سألت أنجيلينا بتردد: و ما يعني هذا ؟
قالت السيدة إكوكو : لا تقلقي تناولي طعامك الآن ، و سنحاول مساعدتك على الهرب .

و لكن حظ إنجيلينا العاثر جعلها أسيرة لذلك السيد الكريه و امرأته المستبدة التي تأتي كل يوم لتبصق على أنجيلنا و السيدة أكوكو و تتهمهما بخيانتهما مع زوجها ، كانت السيدة أكوكو لا تتأثر كثيراً بقدوم ريتا و شجارها المعتاد منذ الصباح الباكر، فقد اعتادت السيدة أكوكو تصرفات أصحاب هذا المنزل، فقد كانت ريتا من عائلة محافظة و زوجها المدعو نيكولاس جلب لها النحس و الحظ السئ ، فقد اضطرت لتسافر معه و يستقروا في هذه البلاد الجديدة و حين كانت هي تخلص له ،كان هو يتسلى كل يوم بواحدة من خدمه، و قد قطَعت له نزواته كثيراً، و ذات ليلة كان قد شرب كثيراً و قاطعته ريتا كالمعتاد ففقد صوابه و ضربها و وصمة عليها شعار نيكولاس خالطاً بينها و بين خدمه، تلك الغلطة الفادحة لم تستطع ريتا نسيانها أبداً و تشتعل غضباً كلما مرت بيدها على ذراعها و لمست ذلك الوشم البغيض ، و منذ ذاك الحين كفت ريتا عن مقاطعة علاقات نيكولاس الحميمية و اكتفت بأن تأتي الصباح بعد كل ليلة خيانة إلى مكان الخدم ، لتسب و تلعن ثم تعود للمنزل بعد أن تُفرغ شحنات فشلها في زواجها من ذاك الشيطان.
 و بالطبع لم تكن ريتا لتبادل خيانة زوجها بالوفاء له، فقد كان لها عشاقٌ أيضاً ، فهي سيدة شهد لها الجميع بالأناقة و الجمال.
لم تُنجب ريتا و نحن كنا نتمنى ذلك، ففي اعتقادي لا يحق للشيطان أن يتكاثر ، فلدينا واحد و يكفي .
حبست أنجيليا كثيراً في العلية بناء على طلب السيد نيكولاس الذي لم يجد في جسدها أي علامة مميزة يمكن أن تدل على انتمائها،  ليعيدها نيكولاس  لأصحابها كما هو متعارف بينهم، لذا أقضّت الكوابيس حياة أنجيليا البريئة و ظلت أغلب الوقت أسيرة العلية رهن إشارة من أسيادها الجدد، ضاقت إنجيليا ذرعاً بحياتها الجديدة البائسة و لم ترض أن تعيش هكذا، فهي لم تخرج من بيت السيدة كاميلا لتلقى هذا المصير البشع، كانت أنجيليا تتحدث مع السيدة أكوكو كلما سمح الوقت للأخيرة  بالقدوم إليها .
قصت عليها السيدة أكوكو قصة شبح الملك الظالم  ليوبولد الذي حكم مدة 23 عاماً و بلغ عدد القتلى في عهده  نحو عشرة ملايين  ، و ذلك غيرِ الذين عُذبوا و قُطعت أعضاءهم ، كان جميع من حكمه و استعبده الملك ليوبولد يحمل علامة ( LL) كان العبيد يعملون بالسخرة القسرية عند رجال الملك ، فيقتلون الأفيال للحصول على العاج، و يجوبون الأدغال شجرة شجرة للبحث عن شجرة المطاط و جمع سائلها ، و بعد كل هذا كانوا يُجازون بقطع اليد الأولى إذا فشل العبد في تنفيذ إحضار الحصة المطلوبة منه ، و العقوبة التالية كانت قطع الأيدِ الأخرى ، و إذا فشل العبد مرة أخرى فكانوا يقتلونه برصاصة في رأسه.
بالنسبة لي فقد كنت أوفر حظّاً ، فقد بعت كأي زنجية أخرى في استرن ماريلاند ، و تنقلت كثيراً إلى أن وصلت لأسرة نيكولاس ، و لكن العقوبات و المآسي التي رأيتُها كانت أكبرَ من أن أحتملْ، لقد رأيت كيف كانوا يشنقون العبيد و يعلقون الجثث على الأشجار ، و قد مُثل بجثثهم و تم تقطيع أعضائهم ، كما رأت فيها مضى كيف كانوا يجبرونهم على العمل المتواصل تحت الشمس الحارقة بلا ماء أو طعام كاف و مقيدين بالسلاسل .
منذ زمن يا أنجليا كان العبيد الذين يصلون إلى هنا أحياء بسيط بالمقارنة مع من تم شحنهم ، و ذلك لأنهم يلقون مصرعهم إما برصاص الغزاة البيض أو جوعاً أو عطشاً أو انتحاراً من على ظهر السفن التي كانوا يحشرون فيها كالماشية، و كثير منهم كان يلقى حتفه بسبب تكديس المئات منهم في أقبية السفن في مساحة عدة مترات فقط بلا تهوية أو طعام أو مراحيض .
و أحياناً كثيرة كان البحارة البيض يقتلون المئات منهم و يلقون جثثهم في حضن البحر الذي يأويهم ، مستبشراً بإطعام بشري لذيذ إلى فلذات كبده الكثيرة .
 حكت لها السيدة أكوكو الكثير من القصص منها ما مرت به شخصياً ، و منها ما سمعته من تناقل أخبار العبيد .
أخبرت أنجيليا أدنغو و السيدة أكوكو عن رغبتها في الفرار و طلبت مساعدتها ، فهدأتها السيدة أكوكو و طلبت منها أن تتمهل حتى يتسنى لها أن تضع خطة محكمة تمكنها من الفرار قبل أن يقوم السيد نيكولاس بكيّ جسدها لتصبح خادمته للأبد، و بعد مدة أتت لها أدنغو قبل الغروب بقليل  و قالت لها:
- هيا انزلي معي الآن و بسرعة.
نزلتها بهدوء و لم يلحظها أحد لأن البيت في ذلك اليوم كان يعج بالضيوف الذين أتوا ليلبوا دعوة السيدة ريتا ، فامتلأ البيت بالضحكات و الرقصات ، و انشغل الجميع و انغمسوا في ملذاتهم .
قادت أدنغو أنجيليا إلى المخزن الكبير حيث رأت السيدة أكوكو و معها شاب يدعى أبيودون.
ابتسمت السيدة إكوكو لرؤيتها أنجيليا و قالت :
- أخيراً أذن لك الرب و منحك فرصة فلا تضيعيها ، ستذهبين مع أبيودون الذي أومأ برأسه ، أرادت أنجيليا أن تتحدث و لكن السيدة أشارت لها بالصمت ، و أكملت:
- ليس أمامك وقت، اذهبي معه لقد أراد الهرب منذ زمن و أتمنى أن ينجح هذه المرة، لقد أبقَ قبل ذلك و حاول الفرار و إذا فشل هذه المرة فسيقتل، هيا أسرعا و تجنبا الطريق الخطر.
و التفتت لأبيودون و قالت في صرامة :
- أنت تفهم ما أعني أليس ذلك ؟!
قال أبيودون :
- ذلك الطريق هو أفضل الطرق لا يقع باتجاه سوى منزل السيد روبرت ، إنه الأكثر أماناً يا أكوكو .
هزت رأسها نافية و قالت :
- إيّـاك يا أبيودون أتريد أن تُقتل هذه المرة .
علقت أدنغو قائلة :
- إن الحفلة مستمرة و مازالوا يطلبون المزيد من الشراب.
التفتت إليها السيدة أكوكو و قالت :
أنتِ تعلمين جيداً كيف تنتهي مثل هذه الحفلات.
عادت تحدث أبيودون و أنجليا :
- هيا انطلقا .. و ليكن الرب معكما .
سألتها أنجليا :
- و أنت يا سيدتي و كذلك أدنغو ألن تهربا ؟!
طأطأت أدنغو رأسها و نظرت إلى الأرض صامتة في حين قالت السيدة أكوكو :
- لم يحن وقتنا بعد... هناك أمور لا تفهميها يا أنجليا . أضافت نبرة حماس لصوتها قائلة :
- هيا .. هيا .. انطلقا و حاولا العودة العودة للوطن مهما حدث.
                         *************

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق