الثلاثاء، 30 يونيو 2020

الضمير النائم ( الجزء العاشر)

الضمير النائم( الجزء العاشر)

كان مر على لقاء أنجليا و كاثرين ما يقرب من أربعة أشهر و نصف و في عصر ذاك اليوم سقطت أنجليا على الأرض مغشيا عليها و لم تستيقط إلا على وجود جارتهم الجديد السيدة لوسي التي أكدت لها البشرى بأن أنجليا تستعد لدخول فصل جديد و أمر جليل ألا و هو مجيئ طفل بعد أشهر، كادت أنجليا أن تفقد الوعي و يُغشى عليها مجدداً، و لم تفهم لوسي جارتها الجديدة السبب.
 أما كاثرين فقد فرحت كثيراً بقدوم من تعتبره أخا لها، و أخذت تتحدث هي و لوسي عن موعد قدوم الطفل و ما يلزمه، كانت أنجليا في عالم منفصل لا تكاد تسمع ما يقال من حولها لقد عقدت الصدمة و الدهشة و الألم معا لسانها ، انطلقت أنشودة السيدة أكوكو تنشد في رأسها و استعادت شريط الذكريات تجر أحداثها جرا، شهقت و تململت بألم وأنين متوجعة كعصفور سقط على الحضيض بعد إصابته إصابة قاتلة و ارتجف محتضنا آلامه .
 تعجبت لوسي من بكاء أنجليا و نحيبها و لكنها أحست بمرارة كيفية حصول هذا الحمل ليكون مزعجاً لهذه الدرجة، كانت كاثرين تظن أنها سعيدة مثلها بهذا الخبر و حين أخبرت جوليان بدا و كأنه فهم شيئا و لكنه لم يشأ أن يتحدث مع أنجليا ، كانت أنجليا طريحة الفراش رافضة الطعام  والشراب تحدث جوليان مع لوسي الوديعة و أخبرها أن تخرج مع أنجليا للبحر علَّ ذلك يخفف من ألمها، و بعد طول نقاش خرجت أنجليا مع لوسي و توجهتا إلى منطقة كانت لوسي تعرف تعرجات طريقها جيداً، وكذلك كانت تبادلها الممشى نظرة عرفان و مودة ، كانت لوسي امرأة سمراء نتاج  زواج زنجي من امرأة بيضاء و كان زواجا محكوما عليه بالفشل، فنشأت مع أمها التي هجرت الجميع و عاشت هنا،  و كانت تعمل مع أمها فكسبت احترام الجميع و كانت لها مخابئ لم يعرف بها أحد، لذا أخذت أنجليا إلى طريق مفروش بلون الحصى و الحشائش المتناثرة و ينتهي بمصافحة أمواج البحر له.
طوال الممشى كانت لوسي تتحدث عن معاناة أمها و أبيها، و كيف تمكنا من العيش هنا، أما أنجليا التي ظلت صامتة إلى أن وصلت فتقدمت بعض الأمواج بهدوء ملامسه قدميها ترحيباً بوجودها.
 كانت أنجليا لا تدري ما يقوله طائر النورس بصياحه و لا تدرك حديث الأمواج حين تأتي ببطء أو تندفع مسرعة، لم تكن تفقه ما يحكيه المطر حين يطرق بأنامله اللطيفة زجاج النوافذ أو حين يسقط منهمراً على أوراق الشجر، لم تستطيع يوما أن تفهم ما يهمس به النسيم في آذان الزهور، لكن كل حوادث الطبيعة هذه كانت تهز أوتار قلبها و تعبث به تاركة لسانها معقود حائر، و مفسحا المجال لدمعها ليترجم جهل الإنسان الأبدي بحديث الطبيعة الأم .
 بكت أنجليا بصوت عال و خرت ساجدة مثلما تنحني رقاب الخراف أمام جزارها، و صرخت بألم و لوعة : حتى أنت أيها البحر تريد النيل مني يا إلهي أرشدني ماذا أفعل ؟؟!!
إني أكره ذاك البيت و سيده، فلم أرتبط به بهذا الرابط الأبدي .. ؟
لِمَ علي أن أحمل في جوفي و أعماق رحمي كائناً شيطانياً .. لِمَ علي أن أنبت ما غرسه فيّ نيكولاس من أشواك .. بينما رفض رحم زوجته ريتا على إنباتها ، لِم علي أن أعيش المرارة مرتين .. ضربت بطنها بغضب قبل أن تغشيها موجة لتواسيها.
 قالت أنجيليا موجهة كلامها للوسي:
- كنت أود نسيان هذه التجربة المريرة، و لكن لم يكن في حسباني أبداً أن أنجب من أحشائي ابناً لشيطان.
اقتربت منها لوسي قائلة :
- عله يشبهك .. و يكون ملاكاً طيباً مثلك.
رفعت أنجليا بصرها إلى لوسي بعينين دامعتين ، و قالت:
- أنا أكره نيكولاس ، فلم أتحمل عبء إنجاب من سيحمل نواة الشر الأكبر.
ربتت عليها لوسي و احتضنتها قائلة :
- سيكون مثلك أنا متأكدة.
ارتفع مستوى البحرو ضربات أمواجه فتراجعتا للخلف، و جلستا بعيداً، و حكت لها أنجليا تفاصيل مأساتها فقالت لوسي:
- هذا الأمر ليس بهذا السوء، فربما يكون طفلك كقطرة الندى التي تسكبها عيون الصباح بين أوراق وردة ذابلة، لقد بعث الرب بهذا الطفل إليك ليعيدك للحياة و يمنحك سبباً و عزما للصبر و الصمود و المقاومة .. أرجوكِ أحبِّ طفلك لأنه منك، فهو يحس بكل ألمك .. فلا تجعليه يتألم من الآن.
و حيت اقترب المساء و أخذت الشمس تلملم وشاحها الذهبي كانت لوسي و أنجليا في طريق عودتهما، و على العشاء تناول الجميع طعامهم، كانت أنجليا قد أزاحت الكثير عن كاهلها بمصارحتها لوسي، سعد جوليان و كاثرين كثيراً بعودة أنجليا كما كانت و زادت كاثرين من مساعدتها لأنجليا في أعمال المنزل و خياطة المشغولات اليدوية و بدءتا في تجهيز ملابس المولود الجديد ، فلا اعتراض على القدر، و بدأ جوليان يغيب عن المنزل لارتباطه بالمزيد من العمل، أصبح هذا الحمل بعد فترة محفزاً للجميع، بعد أن قررت أنجليا نسيان والده، و اعتباره ابنها وحدها فقط لكي تتعامل معه، لقد كان نيكولاس شبيهاً بإنسان عاش تحت الأرض لذا فلا يمكن أن يخرج من صلبه شخصاً يصلح للعيش على سطحها، فمن عاش في الظلام كثيراً لا يرى الحقيقة في النور...
 سيكون ابني أنا فقط ...
 و من هذا المنطلق انتعش المنزل استعدادً للضيف القادم ....
                                           
****************

الجمعة، 26 يونيو 2020

الضمير النائم ( الجزء التاسع)


الضمير النائم ( الجزء التاسع)

حين وصلت كاثرين الصغيرة و أنجليا لم تجدا جوليان في المنزل، فنامتا حتى الصباح، استيقظت أنجليا مبكراً و تجولت في أنحاء المنزل الذي كان جميلاً و واسعاً به عدد من الغرف المهملة التي بدت شبه خاليه من أثاثها.
 تحسست أنجليا ملمس الجدران الذي بدا رائعا في غرفة الاستقبال خصوصا مع اقتحام أشعة الشمس الغرفة عنوة، لكن ما أثار استياء أنجليا هو الاهمال الذي يعم المنزل و الفوضى التي تحتل بعض الغرف.
 تحيرت أنجليا من أين تبدأ بالنظافة و أين أدواتها، فأيقظت كاثرين لتسألها فإذا بكاثرين تبدى حماساً و نشاطاً للعمل مع أنجليا، فتعاونتا بسعادة و بدأتا العمل مع بعضهما، و حين انتصفت الشمس في كبد السماء، فقررتا معا أخذ قسط من الراحة.
عادتا إلى غرفة كاثرين التي تغيرت كثيرا بعد النظافة، بدت أكثر لمعانا و جاذبية و إحساسا بالراحة.
 كانت أنجليا سعيدة بكاثرين التى أحبتها، و قررت أنجليا أن تبقى معها إلى أن يتسنى لها الوقت و توافيها فرصة ملائمة للعودة، استلقت أنجليا على الأريكة في حين تمددت كاثرين في مهدها و قبل أن تغمض أي منهما جفنها ، سمعا صوت دخول أحدهم، و بدا من صوت حركته العصبية و التوتر .
 نهضت كاثرين قائلة:
- لابد أنه جوليان .
 ذهبت للخارج تاركة أنجليا في الغرفة سمعت أنجليا شجار كاثرين مع شقيقها على ما يبدو، فتحركت أنجليا بخفة لتسمع ما يقولانه و لكن ما وصل لسمعها كان ختام الحديث،  حيث قال الفتى:
-  هكذا إذن ارتكبت خطأ كبيرا بمغادرتك مكانك، ثم عدت للمنزل و معك فتاة أخرى، هذا ما كان ينقصني.
قالت كاثرين برجاء :
- أرجوك لا تقل هذا أنت لم تر أنجليا بعد.... إنها تشبه أتينو في كثير من الأشياء أرجوك لا تحرمني منها .
 سمعت أنجليا جوليان يجيبها :
-  أنت تعلمين أن وضعنا المالي لا يسمح لي بالإنفاق على شخص آخر ألا يكفي  تربص والتر بنا و بما تبقى لنا من أموال أبي .
قالت كاثرين :
- أنت تعلم أنه شخص جشع و يريد إخراجنا من منزلنا.
 تقدمت أنجليا لتظهر نفسها لهما، و لكنها سمعت كاثرين تقول :
-  كل ما أطلبه أن تدع أنجليا تعيش معنا، لقد أحببتها و حين تراها ستفهم ما أقول .
 و لم تنتهي عبارتها حتى كانت أنجليا واقفة أمام غرفة الاستقبال تنظر إلى كاثرين التى كانت جالسة فوق أخيها جوليان الذي كان مسترخيا في أحد المقاعد الوثيرة وما أن رآها جوليان حتى أنزل أخته و نهض مواجهاً أنجليا.
 ارتفع حاجبا أنجليا من الدهشة حين رأت جوليان الذي بدا شابا نحيلا و طويلا ، ذلك الطول الذي يعطيك إحساسا بأنه شابا ناضج لكن ما أن تتأمل وجهه  حتى تدرك أنه فتى لم يبلغ العشرين من عمره بعد ظهور ذلك الزغب الصغير الذي يظهر فوق شفتيه  آملا في أن ينمو و يتحول ذلك الزغب إلى شنب يكمل شخصيته ، و لكنه برغم صغر عمره بدا جذابا ، ذا أنف طويل و عينين قويتين ثبتهما على أنجليا و تأملها و كأنه يختبر شعوره الطبيعي الفطري تجاهها ، و لكن احساسا بالاطمئنان هو ما راوده ، و هو مايزال مثبتاً نظره عليها تقدمت أنجليا ووقفت أمامه ، فأمسكت بيدها كاثرين و قالت بفرح :
-  لقد عملنا اليوم معا و لكن لم ننتهي بعد.
 صمت جوليان و لم يرد.
 قالت أنجليا :
- لقد أتيت لأوصل كاثرين للمنزل و حين رأيت المنزل بحاجه للنظافة بدأت العمل .
 قال جوليان :
-  إعذريني و لكن لا يمكنك البقاء ، و شكرا لكل ما فعلته من أجل أختي .
 صاحت كاثرين و الدموع في عينيها :
-  أرجوك لا تحرمني منها .
نظر إليها جوليان و قال :
 أنت تعلمين ظرفنا جيدا يا كاثرين ، فكفي عن هذا .
 قالت كاثرين متوسلة :
-  لا.... أرجوك ، هي لن تطلب منك شيئا أبدا مقابل أن تبقى معى... أرجوك ، لا تفعل مثل أبي ، إنها تشبه أتينو ألا ترى ذلك ؟!!!
 نقلت أنجليا بصرها بينهما ورأت يدها عالقة في يد كاثرين الصغيرة فتدخلت قائلة :
- إن لم يكن لديك اعتراض فأنا لا أمانع من البقاء مع كاثرين و لن أطالبك بشئ .
 نظر جوليان إليها بتردد و قال :
- هل أنت هاربة من شئ ما أو من سيد محدد؟
 قالت أنجليا بثقة :
-  لا... أبدا .
 سألها جوليان مجددا :
- ألا تملكين أي علامة في جسدك تحدد هوية سيدك،  فأنا لست مستعداً للمشاكل.
 أومأت أنجليا برأسها قائلة :
-  لو كنت هاربه لما أضعت وقتي في إيصال أختك كاثرين و على كل حال شكرا لك .
 سحبت يدها من كاثرين و قالت :
-  آسفة يا صغيرتي يبدو أن أخاك لا يريدني أن أبقَ.
 ارتفع صوت كاثرين بالبكاء،  فقال جوليان مستدركا بعدما أدرك أنه أثار حفيظة أنجليا :
-  اسمعي يا فتاة ... كل ما أخشاه أنني في ورطة مالية و لن أستطيع أن أدفع لك شئيا و لكنك طيبة و لا أريدك أن ترحلي، لأن كاثرين بحاجة لمن يرعاها، إنها تفتقد أتينو و لا أريدها أن تفتقدك أنت أيضاً .
تظاهرت أنجليا بأنها ما تزال غاضبة و قالت :
-  أنا لم أطلب منك مالاً قط .
بدا الأسى على ملامح الفتى و قال:
- ما بيدي حيلة أنا أحب أختي و أخشى عليها كثيرا فأرجوك ابقِ معنا و قدري ظرفي ، لدي مشاغل كثيره في سبيل انقاذ ما يمكن من أموال أبي التي ضاعت و حتى لا أخسر منزلنا لذا فلن أتواجد كثيرا في المنزل أرجوك أبق معاها.
تعلقت كاثرين بها  وهتفت :
-  هيا .... أرجوك قولي نعم... ستبقين من أجلي.
 ابتسمت أنجليا وهي تحدق في وجه كاثرين البريء ، و قالت بعد صمت:
-  حسنا و لكن لوقت محدد فقط.
أرادت أنجليا أن تستغل الفرصة إلى أن تهدأ الأوضاع و تحدد خطوتها القادمة.
كان جوليان شابا طيبا أثقلته هموم والده الذي قُتِل تاركا له منزلا و أرضا خسرها في رهان و بعض الأموال التي يقول والتر أن والده أخذها منه قرضا و هي له الآن، و لم يجد حلا إلا أن يذهب إلى صديق والده القديم المحامي اندريه الذي أبدى استعداده لمساعدته و لكن الأمر يستغرق بعض الوقت.
 أقامت أنجليا فترة جميلة بصحبة كاثرين و جوليان ، فتعلمت كاثرين منها الكثير ولكن والتر ذلك الشره كان يضيق الخناق على جوليان المسكين الذي عاد إليهما ذات مساء و على وجهه علامات ضرب و كدمات، لم يتحدث أمام أخته إلى أن ذهبت إلى غرفتها وخلدت إلى النوم ، حينها إنفرد بأنجليا و أخبرها أنه لم يعد له خيار سوى بيع المنزل و الرحيل من هنا وإلا سيطرد بالقوة، هدأت أنجليا من روعه و أخبرته أنها ستقف معه و ستساعده في الانتقال،  فهذا أفضل من أن يدخل كل يوم في شجار مع والتر أو غيره، ما دام سيشرف على هذه العملية المحامي اندريه.
 وفي غضون شهرين استطاع ثلاثتهم الانتقال لبيتهم الذي بدا ضيقاً مقارنة بالمنزل الأصلي و لكنه يقع بعيداً بالقرب من الساحل حيث المياه الزرقاء، و بمعاونة اندريه ذاك المحامي القصير ذو البطن المترهلة الممتدة للأمام استطاع أن يحسم أمور جوليان مع خصوم والده و استطاع أيضا أن يوفر له عملا على الشاطئ حيث القوارب و السفن.
*********

الثلاثاء، 23 يونيو 2020

الضمير النائم( الجزء الثامن)


الضمير النائم ( الجزء الثامن)

وهنا عادت انجليا مرة أخرى لصديقها الحميم الشارع الذي يصاحبها وقت يشاء ويغدر بها وقتما يشاء ، خرجت انجليا راضية ومقتنعة بكلام الراهبة العجوز جين، إنها أول شخص أبيض يمكن أن تحبه انجليا و ترتاح له، عادت بنفس طريقها  لتجد الشجرة المجوفة بانتظارها مرحبة بها مع باقي الحشرات الصغيرة المرحة أيضاً، باتت تلك الليلة ولكن فجأة سمعت صوت صراخ طفلة تركض وشخص ما يطاردها، انتبهت من نومها فزعة وأخذت تنصت بصمت واختبأت للداخل أكثر، كانت الأصوات ما تزال بعيدة فخرجت ببطء من التجويف فرأت طفلة تركض وخلفها رجل يحمل عصا بدا بطيئا في ملاحقة الطفلة .
 تمنت انجليا قائلة :
  -  أرجو ان لا تقع في يده .
بدا الرجل لاهث الأنفاس، وهو يصرخ محاولا أن يلحق الطفلة.
انتبهت انجليا أن تلك الطفلة ستمر بجوار شجرتها بعد قليل لذا استعدت انحليا... ومع اقتراب الطفلة خرجت انجليا من مخبئها وأشارت لها لم يكن للطفلة من ملاذ آخر ، فاندفعت نحو انجليا التي أدخلتها إلى تجويف الشجرة وسدت انجليا المدخل وظلت تراقب الرجل الذي بدأ يبتعد هو يصرخ باحثا عنها .
شدت الطفلة ثوب أنجليا منبهة لها وهمست:
-  دعك منه الآن انه لا يرى جيدا في الظلام ...إنه عجوز .
جلست انجليا بجوارها واندهشت حين تأملتها... إنها طفلة من البيض .
 سألتها انجليا :
-  لمَ يركض خلفك ذلك الرجل.
 ابتسمت ببراءة الاطفال و أجابت:
لأنه رجل بخيل و أنا أخذت منه هذه، أخرجت من كيسها الذي تحمله قطع خبز و جبنة و أكملت:
- لقد سرق ذلك الرجل أموال أبي قبل أن يقتل.
رثت أنجيليا لحال الطفلة كثيراً و سألتها:
- هل أنت جائعة ؟
هزت الطفلة رأسها بالإيجاب، و أعطت أنجيليا قطعة خبز و أكلت هي واحدة، و أعادت الباقي لكيسها، أمسكت أنجيليا قطعة خبزها و لم تأكلها، و حين انتهت الطفلة، أعادتها و قالت بحنان:
-  يبدو أنك لم تشبع .
هزت رأسها نافية و قالت:
- لا .. لا هي لك... و ما تبقى في الكيس لأخي .
تعجبت أنجليا و همست لها:
- حسناً إذن .. أنا لست جائعة و قد تناولت عشائي قبل القدوم لهذه الشجرة ، أرجوكِ كلي قطعتي .
ابتسمت الصغيرة بتردد و سألتها:
- هل أكلت حقاًّ؟
أومأت أنجليا برأسها و دفعت قطعة خبزها ليد الطفلة التي نقلت بصرها بين الخبزة و أنجليا و ترددت ثم قالت:
- و لكنك أنقذت حياتي  وليس لدي سوى هذه الخبزة .
 ابتسمت انجليا وربتت على شعرها و قالت:
-  لا يا صغيرتي لم أفعل لك شيئا...هيا تناولي هذه .
نظرت إليها انجليا نظرة مؤكدة كلامها فابتسمت الصغيرة وتناولت الخبزة بعد أن أضافت إليها قليلا من الجبنة.
تأملت انجليا الطفلة وهي تأكل في صمت و شعور بالسعادة لا يوصف لأنها ساعدتها، حين أنهت الطفلة الخبزة الثانية زحفت لتجاور انجليا وطبعت قبلة على خدها وقالت بفرح :
-  شكرا لك ...لقد كنت طيبة معي جدا يجب علي أن أعود.
وقفت خارج الشجرة ونهضت انجليا وسألتها بقلق:
- أين ستذهبين الآن ؟!!
قالت الطفلة :
- لا بد وأن أخي قلق علي يجب أن أعود.
كانت انجليا فرحة بلقائها و لا يمكن أن تتركها تذهب وحدها في ليل كهذه فقالت:
-  اذن سأذهب معك.
 قفزت الطفلة فرحة حقا... ستذهبين معي .
ابتسمت انجليا مؤكدة قول الطفلة.. 
سألتها انجليا :
- أتعرفين أين أخوك الآن .
 ردت الطفلة :
- ربما سيكون في المنزل .
 أمسكت انجليا يد الطفلة :
- أتعرفين أين يقع منزلك أيتها الصغيرة.
اشارت برأسها علامة الإيجاب وقالت:
 - لكنه بعيد من هنا.
 قالت انجليا:
-  لا بأس إذن .
حملت انجليا لباس الراهبة الذي أهدته لها الأم جين حين ودعتها و غادرت الكنيسة ، وكذلك الطفلة حملت كيسها المحتوي على بقايا خبزها وقطعة الجبن و أمسكتا بيد بعضهما، وبدأت رحلة عودة الطفلة للمنزل.
 كان الطريق طويلا، لقد أخبرتها الطفلة إنهما يسكنان على الجانب الأخر من البلدة، بعد وفاة والدهم.
 كانت الطفلة تدعى كاثرين تيمنا باسم والدتها التي توفيت أثر ولادتها، فأدمن والدها الشراب و ساءت حالته، و كثيراً  ما كان يضرب جوليان الذي كان يكبرها بخمس سنوات.
كان والدها يحب المقامرة و لقد رهن منزله ذات مرة،  لكنه ربح الرهان.
كان يحب المجازفة إلى أن قُتِل ذات يوم في شجار على طاولة الرهان.
 كانت كاثرين صغيرة لا تعي كثيراً مما حولها ، فقَدْ فَقَدَ والدها صوابه عند موت زوجته كاثرين و خسر كثيراً مما يملك في مغامراته المتعددة، كما اضطر لبيع  خدمه تباعاً لتسديد ديونه المتراكمة، كان ابنه جوليان يشفق على والده و حاول التحدث معه عدة مرات ليثنيه على الرهان  و المقامرة و الشراب، و لكن والده ضربه و طرده من المنزل، فكان يأتي جوليان لرعاية أخته الوحيدة، خصوصاً بعد ما فرط والده بالخادمة أتينو.
 تلك الخادمة الزنجية الوفية التي كانت ترعى أخته و تهتم بشؤونها منذ صغرها، اضطر جوليان للبقاء في البيت و كانا يتحاشا أن يلتقي بوالده في المنزل، فوالده يكون غارقاً تحت تأثير الشراب في المنزل .
 كانت كاثرين تبقى بمفردها أغلب الأوقات  لولا زيارات جوليان لها، كانت كاثرين تشعر بالوحدة خصوصا مع عدم وجود أطفال في مثل سنها  ليشاركوها اللعب، كانت تسمع قصصاً عن أمها المتوفاة من الخادمة أتينو التي كان لها تأثير كبير في تكوّن شخصية كاثرين الصغيرة، أحبتها كاثرين بصدق و كم ثارت بغضب حين باع والدها أتينو بعدما خسر رهاناً ما ، حاولت كاثرين الصغيرة إقناع والدها بشتى السبل للعدول عن موقفه ، و لكن باءت محاولاتها بالفشل ، و منذ أن فرق والدها بينها و بين أتينو، فقد خسر مساحة كبيرة من حب كاثرين له، فأصبحت تتحاشى أن تراه، لقد أبعد عنها أكثر شخص كان يهتم بها و بأمرها، لذا فقد سحبت كاثرين نفسها من حياة أبيها العابث، و بقيت بعيدة عنه إلى أن مات، فرحت بعودة أخيها جوليان إلى المنزل.
كان جوليان فتى عاقل في كثير من الأحيان و لكنه لا يلبث أن يفقد أعصابه أحياناً في لحظة تهور.
مشت كاثرين و أنجليا مسافات طويلة  فتعجبت أنجليا منها فكيف يمكن لطفلة في العاشرة من عمرها أن تقطع كل هذه المسافة وحدها؟
 و لكن كاثرين أخبرتها أنها أتت لهذه  المدينة بصحبة جوليان، حيث كان عليه أن يصفي حسابه مع رجل من أصدقاء والده يدعى أندريه، و هناك حيث تركها جوليان أمام منزله، رأت بعينيها جارهم السابق الشرير السيد والتر، ثارت دماءها غضباً فهو من تسبب بمقتل والدها، و هو من أفسد حياته بعد وفاة زوجته و جعله يهمل الولدين، لن تنساه كاثرين طالما هي على قيد الحياة، هو سبب طفولتها البائسة، و حرمانها من أتينو المخلصة، هو سبب كل المشاكل الآن.
لذا حينما كانت تنتظر خروج جوليان بعد مناقشته الحسابات مع السيد أندريه المحامي، رأت والتر يمشي مشيته المتغطرسة و يتبعه خادمه، فقررت أن تلاحقه و ذهبت خلفه إلى أن توقف والتر أمام بقالة اشترى منها، و حمل خادمه الأغراض و عاد للبيت و لم يلحظا كاثرين الصغيرة التي ما زالت تتبعهما ، و هناك استطاعت على حين غرة أن تسرق الكيس الذي احتوى على بعض الخبز و الجبن والتقت بانجليا.
ولا تدري انجليا أي قدر ساقها إلى كاثرين الصغيرة
********
                    

ماما


مـــامـــا

هو من تركته بالأمس يتناقلنه النسوة ويبكون فراقكِ، كان هو طفلك الوحيد والأخير الذي تركته لنا في عمر عامين بعد صراعك مع المرض الذي لم يمهلك أكثر من ستة أشهر.
يبكين النسوة بشدة فراقك وتجوال هذا الصغير يبحث عنك بينهن يزيد من عمق الحزن و جرحه.
قالها زوجك و هو يصطنع التصبر أمام الجميع: إنها إرادة الله... رحمه من الله تغشاك حيث كنت.
حين احتضن طفله الصغير الوحيد الذي يجري كالمجنون يسأل عنك بعينيه تارة و ينادي اسمك ماما...ماما تارة أخرى.
لم  يجد من يجيبه غير دموع غزيرة و نواح النساء قل مع توالي الأيام، و لم يعد يرى سوى خالاته و عمته الوحيدة كل يوم.
نفس الوجوه كل يوم تقريباً إلا وجهها الذي اختفى بلا سبب يفهمه، إن وجهها -وجه أمه- الذي تاه من ذاكرته و لصغر سنه لم يعد يستطيع تخيله الآن.
 كلمة ماما كادت تختفي من قاموسه البسيط لولا والده الذي أحضر له وجهاً جديدًا و أسماه له ماما.
كانت أحياناً طيبة معه و أخرى لا، مع الوقت أدرك إنها ماما البديلة وستظل مؤقتاً إلى أن تعود أمه هكذا هيأ نفسه.
بهذا الحُلم مضى العمر فلا ماما الحقيقية ظهرت ولا البديلة تغيرت، و شاركه في البيت أخوات و أخوان.
 و مضى به العمر وحيداً إلى أن تخرج وعمل و وجد نفسه مسؤول عن أطفال وأخوة يشاركونه الأب فقط، أسرع بالزواج لا حباً فيه إنما ليحمل بين يديه ابنته التي حضرت بعد عام من الترقب و الانتظار و أطلق عليها اسم أمه بلهفة.
 أصبح يعود للبيت سريعا ليحتضن أمه الصغيرة و ينادي أخيراً كلمة ماما بحب حقيقي.
دمتم بخير دوماً
سمراء النيل(د. سلمى النور)

السبت، 20 يونيو 2020

الضمير النائم ( الجزء السابع)


الضمير النائم(الجزء السابع)


مع بزوغ فجر اليوم كانت أنجليا قد غفت في بطن شجرة كبيرة، في ذلك التجويف الذي حُفر في ساق الشجرة الضخمة كان مليئا بأوراق الشجر اليابسة و بعض الحشرات الصغيرة و الديدان التي لم ترها أنجليا في عتمة الليل ، نهضت و بحثت بسرعة في ملابسها على أي حشرة أو دودة قد تكون علقت بها و قررت مرافقتها، هدأت أنجليا حين لم تجد شيئا وابتعدت قليلا عن الشجرة الكبيرة و نظرت إلى الأمام فرأت الطريق خالياً، مشت قليلاً على حذر لتقع عينها فجأة على مكان ما، فانفرجت أساريرها فرحة حين اقتربت من تلك الكنيسة و قد ارتفعت علامة الصليب واضحة.
اقتربت انجليا من الباب و طرقته و لكنها لم تسمع رداً ربما كان الوقت مبكراً ، طرقت مرة أخرى و سمعت صوت اقتراب أقدام،  و ما هي إلا برهة حتى فتح الباب و ظهرت خلفه فتاة شابة ترتدي زي الراهبات ، بدت الفتاة الشابة البيضاء منزعجة ، نظرت لأنجليا التي بدت رثة الثياب و الهيئة و قالت الراهبة بصوت قصدت فيه الاستهزاء :
- عفواً ..
أتاها صوت من داخل الكنيسة متسائلاً:
-  من هناك بالباب يا جولي.
ردت جولي :
- لا أحد ، إنها امرأة  فقيرة تطلب حسنة يا أماه .
 غضبت انجليا و قالت بصوت عال لتسمع الأم :
-  لست هنا لأطلب إحسانا من أحد .. إنما من الرب .
 قطبت جولي حاجبيها بامتعاض و أتاها صوت الأم :
- دعيها تدخل ، دعي ضيوف الرب يدخلون .
 وقفت جولي ترمق انجليا نظرة ازدراء و تحركت ببطء فاتحة الباب ، دخلت انجليا و تقدمت بخطوات واثقة داخل الكنيسة عبرت الممر و نظرت إلى التمثال المصلوب و ألقت نظرة على اللوحة المرسومة على الجدار ، كانت تعبر عن فن جميل متقن  تلفتت في المكان لترى جسد سيدة عجوز ترتدي لباس راهبة قد انحنى ظهرها ، ووجهها أصبح خريطة توضح عدد الأزمنة التي عاصرتها هذه العجوز .
تقدمت العجوز بخطوات بطيئة و نظرت لانجليا مطولاً تتأملها ثم مدت يدها و أمسكت انجليا.
سرت قشعريرة باردة في جسد انجليا عند ملامستها ليد الراهبة العجوز ذات التجاعيد الواضحة قالت العجوز برفق:
-  هيا اجلسي.
 و أشارت لمقاعد الصف الأول . لم تتحرك أنجليا قيد أنملة بل نظرت بدهشة للراهبة العجوز التي تحركت و جلست و أشارت لها بالجلوس بجوارها .
 لم يعجب هذا التصرف الراهبة جولي التي تقدمت على عجل و قالت بتودد :
- آهـ يا أماه .. ماذا تـفعلين ؟
 أشارت الراهبة العجوز لجولي أن تصمت و نظرت لانجليا و سألتها برفق :
- هيا اجلسي و قولي لي ما اسمك؟
قالت انجليا بتردد واضح:
 اسمي .. اسمي انجليا بامبوحون .
ابتسمت العجوز و قالت :
-  أنا اسمي الراهبة زارينا و يدعونني الأم جين ، إذا لم تمانعي فنحن لم نتناول شيئا بعد ، هلاّ شاركتنا الطعام
قاطعت جولي غاضبة بقولها:
- أماه لا يمكنك أن تسمحي لها .. أرجوك .
 أكملت الأم كلامها كأنها لم تسمع جولي الغاضبة :
- هيا يا ابنتي كلي معنا.
 ظلت انجليا متسمرة مكانها لم تكن حقاَ تشعر بالجوع فقد صاحبها الجوع لفترة طويلة فلم يعد ضيفاً غريباً عنها ، كانت تشعر بالتعب و الإنهاك ، تقدمت منها الأم جين و أمسكت بيدها مجدداً و قادتها لباب جانبي كاشفة عن غرفة للتعبد ثم قادتها لغرفة بدت خاوية بعض الشيء ، كانت معظم أجزاء الغرفة فارغة عدا ذلك الحصير الذي بدا متهالكا و قديماً و يتوسط الغرفة كشيء عجوز له قيمته و أهميته و عليه يقبع كرسي من خشب الخيزران ذو تصميم أنيق رغم قدمه و هرمه، دارت أنجليا بعينيها بسرعة في أرجاء الغرفة و هي تخطو مغادرة الغرفة تابعة الأم حين قادتها لغرفة أخرى بدت أصغر قليلاً من الأولى أو هكذا خيّل لانجليا لأن الغرفة بدت مزدحمة بقطع الأثاث الخشبي كان بها طاولة دائرية الشكل حولها زوجين من كراسي كبيرة و زوجين من كراسي أصغر حجما،  بدا الجميع كأنهم أسرة من الخشب ملتمون و مجتمعون مع بعضهم في حين ترمقهم تلك الخزانة بنظرة غيرة هي و تلك النافذة المحاطة بإطار خشبي ، و سرير خشبي  بدا أكثر الجميع هرما و سقما كان خشبه من النوع الثقيل و قد ألقي عليه غطاء كبير،  و توسط السرير كتاب بدا من هيئته أنه قديم ، تحركت الراهبة و جلست في كرسي كبير كان مسحوباً من الطاولة ، و أخذت نفساً عميقاً و قالت:
- هذه غرفتي الخاصة ، نحن لا نأكل هنا عادة فلدينا مطبخ في الفناء الخلفي مع غرفة مستخدمة لتخزين أشياءنا و لكن بعد الحريق الذي التهم مطبخنا و جزءاً كبيراً من المخزن، أصبحنا نأكل هنا ،جولي تعده دوماً، فأنا و هي نقيم هنا منذ منذ زمن لنخدم الرب وضيوفه. 
تقدمت انجليا و هي تتلفت حولها إلى أن جلست بجوار الأم و قد بدت ترتاح لها قليلا.
سألتها الأم جين : من أين قدمت يا انجليا ؟
 على الفور اندفعت صورة أبيودون إلى عقلها و تذكرت كلماته الأخيرة فانسابت دموع انجليا بصمت و لم ترد .
 قالت الأم جين :لا تبكِ ... ربما أكون على علم بما حدث لك ،  فحين تكالبت عليكم تلك الوحوش البيضاء على بلادكم لتقتل منكم الكثير و تسرق فلذات أكبادكم، دخلوا باسم الرب و التبشير ..
إني أعلم أن كل سفينة كان يصاحبها قسيس ليقوم بتنصير العبيد مقابل مبلغ مالي يتقاضاه عن كل رأس! هكذا سلبوكم الحرية و الدنيا.
 توقفت انجليا عن البكاء و هي تتأمل الراهبة العجوز و هي تحكي بصراحة و جرأة و صدق ما حدث فعلا في الماضي و ما زال يحدث إلى الآن .
أكملت الراهبة قولها : لقد حققت الكنائس الأوربية ثروات هائلة من تلك الرسوم التي تتقاضاها من النخاسين و هكذا كانت بعثات التبشير متورطة في أخس تجارة عرفتها البشرية ، لقد أساؤوا كثيرا باسم الرب حتى أن البابا يوجينياس الرابع قد أعلن رعايته لحملات الاستعباد التي يقوم بها الملك هنري، صمتت  فترة و كأنها تتذكر و عقدت حاجبيها بقوة رغبة في استحضار معلومة ما أهملتها مع الزمن ثم قالت فجأة :أعتقد أنه في الفترة التي كانت بين عامين 1450-1460 إذا لم أكن مخطئة ، أعتقد أن البابا نكولا الخامس و كالكاتاس الثالث عقد صفقة لإستعبادكم و اعتناقكم لدين الرب .
لقد عذبتهم كثيراً على أيدينا، ومازال القانون الأحمق جائرا عليكم كثيرا.
أنصتت انجليا للأم جين التي أشفقت عليها و أبدت لها الكثير من الرأفة والشفقة، كان اعتراف الراهبة العجوز هو أشد ما أعجب انجليا فيها ،هل يوجد من البيض من يعتقد أنهم مخطئون وأن لنا الحق في العيش كباقي الناس .
سألتها انجليا بتردد : هل تعتقدين أيتها الأم جين أنكم أخطأتم بحقنا ؟!!
 تأوهت الأم بألم واضح وقالت : كثيرا يا ابنتي لقد أخطأنا في حقكم كثيرا وقطعت عباراتها مع دخول الراهبة جولي حاملة الطعام وضعته أمام الأم جين وهمت بالمغادرة.
سألتها العجوز: ألن تأكلي معنا ؟
أجابت جولي: لا يا أماه... لقد أكلت.
صمت قليلا ثم سألت: أيمكنني المغادرة ؟
 أومأت الأم غادرت جولي مسرعة كأنها تنفر من شئ ما علقت الأم جين قائلة و عيناها تنظر نحو الطعام: جولي لم تأكل شيئا ...أعلم ذلك ، إنما هي تخاف منكم و تحتقركم مثلها مثل الجميع ، لم يكفينا أنا ظلمناكم ولكنا أيضا نستعر من وجودكم و نراكم كالحشر على المائدة لذا لا نأكل معكم.
رفعت العجوز عيناها على الطعام و نظرة إلى انجليا وقالت: و لكني لست كذلك أبدا يا ابنتي ...فهيا شاركيني الطعام .
ترددت انجليا قليلا ثم مدت يدها للطعام وشاركت الأم مغتنمة الفرصة فهي لا تدري إذا خرجت الآن أين ستذهب ؟ وأين ستبيت اليوم ؟ تساءلت في نفسها إذا كان بالإمكان أن تسمح لها الأم بالمبيت اليوم هنا معهما ولكنها لم تجرؤا على السؤال.
 تناولت طعامها في صمت ، وبعد الطعام أخذتها الأم لغرفة ليس بها سوى بساط أرضى و غطاء لتنام هناك، نامت انجليا بعمق ولم تستيقظ إلا في المساء، كانت بحاجة ماسة للراحة والنوم، نهضت وخرجت لترى الكنيسة مازالت فارغة ورأت الراهبتين هناك  في القاعة.
تساءلت انجليا: ألم يأتي أحد اليوم ؟
ابتسمت الام ورفعت رأسها تنظر لإنجليا وقالت: بل أنت التي سرقك النوم حتى المساء فلم تسمعي شيئا كما أن غرفتك بعيدا بعض الشئ .
علقت جولي مستفزة انجليا:  بل كلهم كذلك يا أماه لا يشعرون، وحين ينامون يرقدون كالحيوانات.
 أوقفت الراهبة جين جولي بإشارة من يدها و قالت: الآن اكملي عملك، سأعود لغرفتي مع انجليا .
غادرت انجليا والأم جين قاعة الكنيسة تاركين جولي تتمتم بحنق عادت الأم لغرفتها وجلست على السرير العتيق وتناولت الكتاب المقدس الموضوع هناك بدأت تحكي لأنجيلا عن الأخطاء العظيمة التي حدثت حين حرفت التوراة  في عدة مواقف من أهمها ما جاء في الإصحاح  العشرين من كتاب الثنية المزعوم :
 (حين تقترب من مدينة لكي تحاربها استدعها إلى الصلح ، فإن إجابتك إلى الصلح وفتحت لك ، فكل الشعب الموجود فيها يكون لك للتسخير وتستعبد لك ، وإن لم تسالمك بل عملت معك حربا فحاصرها ، وإذا دفعها الرب إلهك إلى يدك فاضرب جميع ذكورها بحد السيف ، وأما النساء والأطفال والبهائم و كل ما في المدينة  و كل  غنيمتها  فتغتنمها لنفسك ، وتأكل غنيمة أعدائك التي أعطاك الرب الهك).
وكذلك في الإصحاح الحادي والعشرين سفر الخروج فإنه ينص صراحة على جواز شراء العبيد : (إذا اشتريت عبدا عبرانيا فست سنين يخدم )، ثم إن أعطاه سيده امرأة وولدت له بنين وبنات، فالمرأة وأولادها يكونون للسيد وهو يخرج وحده ، ولكن إذا قال العبد : أحب سيدي وامرأتي وأولادي لا أخرج حيا ، يقدمه سيده الى الله ويقربه الى الباب أو إلى القائمة ، ويثقب سيده أذنه بالمثقب يخدمه إلى الأبد.
هذا إن كان عبرانيا أما استرقاق غير عبراني فهو عن طريق التسلط والأسر كانوا يصطنعون لهذا الإسترقاق سندا من توراتهم فيزعمون : إن حام بن نوح ( هو أبو كنعان ) كان قد أغضب أباه يوماً ، لأن نوح سكر يوما ثم تعرى و هو نائم في خبائه !! فأبصره حام كذلك فلم علم نوح بهذا بعد استيقاظه غضب ولعن نسله الذين هم كنعان . قيل إن في التوراة في سفر التكوين اصحاح 9/25_26 : ملعون كنعان عبد العبيد يكون لأخوته.
وقال : مبارك الرب إله سام وليكن كنعان عبداً لهم . وفي الإصحاح نفسه 27 أيضا :( ليفتح الله ليافث فيسكن في مساكن سام ، وليكن كنعان عبداً لهم .
أرأيت يا إنجليا كيف كذبوا باسم الرب و انتهكوا حرمته ، وقد اتخذت الملكة إلزابيث الاولى – ملكة بريطانيا قديما – من هذا النص الملفق سندا قويا لها لتبرير تجارتها في الرقيق التي كانت تسهم فيها بنصيب الأسد .
أصبحت الكنيسة من أكبر ملاك الأراضي وأكبر السادة الإقطاعيين في أوروبا ، فقد كانت ( دير فلد ) يمتلك 15000 من العبيد  وكان دير (سانت جول ) يمتلك 2000 من الرقيق ، وكان الملك هو الذي يعين رؤساء الأساقفة و الأديرة وكانوا يقسمون يمين الولاء كغيرهم من الملاك الإقطاعيين .
هزت رأسها بأسى وقالت : وهكذا أصبحت الكنسة جزء من النظام الاقتصادي، وكان العبد سلعة من السلع كما يعده القانون الزمني سواء بسواء ، وُحرم على عبيد الكنائس أن يوصوا لأحد بأملاكهم ، وحرم البابا جريجوي الأول على العبيد ان يكونوا قساوسة او أن يتزوجوا من المسيحات الحرائر .
هكذا بدأوا وما زالوا يفعلون كل جرائمهم البشعة باسم اليسوع والرب وتحت غطاء الدين ، لقد ارتكبوا أخطاء  جليلة .
كانت دهشة انجليا تزداد كلما سمعت الأم الصادقة جين التي حكت لها بصدق ما خفي عن انجليا وأهلها منذ زمن، أدركت انجليا أن الأم جين نادمة وحزينة لما آلت إليه الأمور من شيوع الاستعباد وانتشار قيود الذل والظلم .
عرفت انجليا من الام جين الكثير  حيث استبقتها العجوز مدة ثلاثة أيام أو أربع بعدها صارحتها إنها لن تستطيع ايقاف مضايقات جولي لها، وهي تعرف جولي حق المعرفة ولا بد إنها ستدبر لها مكيدة أو مؤامرة لتبيعها مرة اخرى ، لذا نصحتها الأم جين بالخروج من الكنيسة لأنها لن تحتمل أن يحدث شيئا لأنجيلا أمام عينها .
وهنا عادت إنجليا للشارع مرة أخرى
***********