السبت، 30 مايو 2020

الضمير النائم الجزء الأول


الضمير النائم

كان القمر بدراً في تلك الليلة التي تسلل  فيها أولئك الرجال البيض إلى المنزل الواقع في طرف المزرعة الكبيرة التي يملكهاآل ريتشارد و داخلوا للمنزل عن طريق نافذة كانت قد فُتحت لهم و تسللوا على أمشاط أرجلهم و يبدو أنهم كانوا يعرفون طريقهم جيدا، تجاوزوا الغرفة الأولى وتوقفوا أمام الغرفة الثانية نظروا إلى داخلها حيث تنام الفتيات السبع، أضاءوا مصابيحهم و تأملوا الصغيرات النائمات ، أشاروا لبعضهم نعم ، إنها هي ... كانت الفتاة تنام على الطرف تقدم أولهم بخفة حتى أصبح بجوارها، رآها و هي تغط في نوم عميق بعد تعبها هي و إخوتها في العمل طوال اليوم و بسرعة كمم فمها بمنديله المحتوى على المادة المخدرة قبل أن تبد الفتاة أي مقاومة ، و في لمح البصر كانوا قد اختطفوها و غادروا بسرعة قبل أن يدركهم أحد، كان القمر شاهداً على هذه الجريمة و لكنه آثر الصمت .
 في الصباح كان الجميع في هرج و مرج فقد اختطفت انجليا ابنة بامبو جون المزارع الذي يعمل هو و أسرته عبيداً لآل ريتشارد ، بامبو كان عبدًا مخلصاً لسيده و له تسع بنات و خمسة أولاد ، ولكن لا يكفيهم ذلك المنزل الصغير الواقع في طرف المزرعة  فينام بعض أبناءه في الإسطبل و يعملون جميعهم في خدمة آل ريتشارد ، لم يكن لهم الحق في العيش كباقي الناس فهم عبيد عليهم العمل من أجل راحة أسيادهم لقد عاشوا في تلك الحقبة الزمنية التي كان يسودها الاستعباد ، وتجارة الرقيق حيث تم اكتشاف أمريكا حديثاً ، ومازال الأوربيون بحاجة لهؤلاء العبيد للعمل هناك ، لقد نشؤوا  في مجتمع يسوده التمييز العنصري ، والحقد و التكبر كانوا يدرسون في مدرسة عبيد القرية ثم يتركوها ليعملوا و يوفروا لقمة العيش لهم ، كان بامبو يتعب كثيرا في سبيل أسرته الكبيرة و لكن كان قوت يومه لا يكفيه، فأخرج أبنائه الذكور من المدرسة ليعملوا معه عبيداً لآل ريتشارد . إن آل ريتشارد من الطبقة العليا في المجتمع يملكون المال و العبيد و يحبون الاضطهاد و الظلم فهم في حماية القانون ، القانون الذي يؤيد البيض و يساندهم ضد العبيد السود ، ذلك الظلم الذي لا يخفى على أي عاقل .
رفض آل ريتشارد أن يبيع بامبو أحد أفراد أسرته ليس خوفاً عليه أو شفقة منهم ، إنما خافوا نقصان عدد العمال لديهم فقد يتبعهم عبيد  آخرون، حيث كان نظام الرقيق بدأ في أواخر القرن 16 ، وصارت تجارة الرقيق عملاً مشروعاً وكان الحصول عليهم بإحدى الطريقتين :
 داخلية:  تعني داخل المجتمع الأفريقي نفسه ، حيث يستعبد الشخص الذي يرتكب جريمة ، أو قد يبيع نفسه و ذريته لوفاء دين عليه .
ثانيهما خارجية: حيث تتم خارج المجتمع،  وفيها يتم الحصول على الرقيق عن طريق الأسر في الحروب أو الاختطاف،  و هؤلاء يباعون إلى وكلاء الشركات الأوروبية ليواجهوا مصيرهم المجهول.
 أما أسرة بامبو جون فقد استعبدت منذ زمن حيث باع جون ابنه بامبو منذ أن كان طفلاً ، فنشأ عبدًا لآلريتشارد هو وأبناءه . استيقظت انجليا لتجد نفسها محبوسة في صندوق مغلق ، كانت ترتجف و تبكي ...
 انجليا فتاة أفريقية زنجية ، ذات سمرة جذابة و عينين واسعتين جميلتين ، لم تكن انجليا أكبر أخواتها و لكنها كانت الأجمل خصوصا مع شعرها المتدلي على أكتافها ،  و دائما كانوا يشبهونها بجدتها التي أعطتها هذه الملامح الجذابة إلا أنها لم تأخذ من قوتها و شجاعتها شيئاً ، فكانت انجليا تبكي بحرقة لا تدري أتبكي من الخوف ، أم الجوع ، أم البرد المتسرب لها من شقوق الصندوق ،أم الخوف من المصير المجهول الذي ينتظرها ، المهم أن الأسباب تعددت و لكن النتيجة واحدة .
تذكرت انجليا وجه أمها (أدهيامبو) ذلك الوجه الممتلى ذو علامات واضحة حفرت عليه منذ كانت طفلة حيث تقضي التقاليد الأفريقية بضرورة الوشم ورسم علامات مميزة بكل قبيلة على وجه الفتاة عند بلوغها ، و لكن انجليا ما زالت صغيرة و لم يحن موعدها بعد ، تذكرت أختها الكبرى (باهاتي لو)  التي رفضت الأمر و لكنها في النهاية خضعت للعادات و التقاليد و اكتفت والدتها بكي جبهتها بعلامات واضحة يبدو أن لها دلالات لم تفهم انجليا لها معنى و لكن (باهاتي لو) قالت لها أنها ستجلب لي الحظ.
 تذكرت منزلهم الصغير حيث يتكدسون فيهم جميعهم عند تناول الافطار صباحاً فتلك الغرفتين لا يمكنها أن تتسع لأخواتها البنات و أخوانها الذكور الذين ينامون في الإسطبل ، فكانوا يلتقون جميعا عند الصباح الباكر قبل أن يذهب كل واحد إلى عمله الذي يتقنه ، و لاتدري لم تخيلت لوهلة وجه سيدها ريتشارد أمامه ، هزت رأسها بعنف رافضة كأنها تطرد صورته من رأسها،  لكن ريتشارد كعادته بدا قويا ، نحيفا ، أشقر الشعر ، له نزعة سادية  مخيفة .
 كان ريتشارد قد حضر منذ كان في المهد ، و ترعرع في ظل والده و جده السيد جون الذين استطاعوا أن يملكوا الكثير من العبيد ، فنشأ ريتشارد نشأة الملوك ، و كان كثير الشراب في العادة و قاس القلب و بغيضا كوالده و جده و حين كان شابا استطاع أن يقمع ثورة أولئك العبيد ، و نكل بهم أيما تنكيل ، و لقد نجح بالفعل منذ أكثر من 20 سنة لم يقوم العبيد بأى ثورة ضد أسيادهم البيض ، فقد كان يكفيهم تذكر العقاب الذي ينتظرهم ليقشعر بدنهم و يطردو فورا فكرة الثورة مجددا .  و بينما انجيليا في بكائها المرير مع تناهي إلى مسامعها صوت أقدام تقترب  حاولت النظر عبر شقوق الصندوق و لكنها لم تر شيئاً ، يبدو أن القادم كان يقف بجوار الصندوق و تحدث بلغة لم تفهمها انجليا ، كان يبدو غاضباً من لهجة حديثه و طرقه على الصندوق بعنف ، فارتجفت انجليا بداخله  ولكنه غادر سريعاً ،  ظلت انجليا كاتمة أنفاسها لخمس دقائق أخرى بعدها هدأت قليلاً.
 ظلت انجليا يومين كاملين في الصندوق فألهبها الجوع والبرد وفي صباح اليوم الثالث  شخص ما فتح الصندوق ، أغمضت عينيها لتتجنب أشعة الشمس المباشرة ، خرجت ببطء يتملكها خوف شديد ، فإذا بشخص يلطمها على خدها فسقطت أرضاً ، فتحت عينيها ورأت رجالا يتحدثون بغضب بلغة لم تفهمها ، كان هناك عدد كبير من الأطفال ،رفعها أحد الرجال وألقى بها مع الأطفال ، بكت بصمت خوفا من ضربها ، ولكن رؤيتها لباقي الأطفال أعطاها بعض الأمان ، أخذوهم جميعاًإلى غرفة مظلمة وتركوهم هناك. في مساء ذلك اليوم أحضرا لهم خبزاً جافاً ووزعوه عليهم ، كانوا يلقون إليهم الخبز الجاف مساء  كل يوم.
 نشأت بين الأطفال علاقة قوية أساسها الخوف والحزن ووحدة المصير المجهول . صادقت انجليا فتاة تدعى ماندي كانت ماندي أكبر الفتيات وأكثرهن خبرة ، حكت لهن  كيف عاملوهاعندما حبست في تلك القلعة المخيفة تمهيداً لشحنها عبر السفن، كانت تلك القلعة  آنذاك تمتلك باب واحداً  ويمثل الجسر الوحيد لها أيضاً ، كانت محاولة الهروب مستحيلة ، فقد كانت القلعة محاطة بخندق مائي من جميع الجهات ، كما أن الحراس منتشرون بصفة دورية كانوا حوالي مئتين امرأه تم حبسهن في قاعة واحدة ، وحين يطلب القائد امرأة ، كانوا يقومون بعرضنا عليه في ساحة القلعة ليختار ما يشاء وقد يأخذ أكثر من واحدة ونعود نحن مجدداً للحبس  وبعد أن يفرغ  من أمرها يتركها لحاشيته ،ونحن  ننتظرها فإذا عادت الى الحبس معنا عادت بهيئة يرثى لها و عادة قد تموت بعد أيام من المرض والقهر، و إن لم تعد نعلم أنها قد قتلت .
 أما من ترفض بداية اختيار القائد لها فإنها تعاقب بإحدى العقوبتين: إما أن تربط بسلسلة بها كرة حديدية ثقيلة في ساقها و تظل معلقة هكذا إلى أن تموت .
 وإما أن يدخلوها إلى غرفة صغيرة تسمى غرفة الموت بلا طعام ولا شراب إلى أن تنتشر رائحة تعفن جسدها بعد الموت حتى يتم فتح تلك الغرفة اللعينة ، كانت  تلك القلعة أكبر تجمع لبيع العبيد ، فعندما بدأت تجارة الرقيق بين أفريقيا والبرتغال عام  1441م  كانت جزيرة أرجوين المركز الرئيسي لهذه التجارة على ساحل أفريقيا الغربي .
 وقد شارك الكثيرين في هذه التجارة حتى الأمير هنري الملاح ( 1394_1460) أدلى  بدلوه فيها عندما أحضر عدد من رقيق أفريقيا وأخذ يشجع هذه التجارة بجلب 700 _800 عبدا من أفريقيا ، وتوسعت هذه التجارة بعد اكتشاف الأمريكتين ، وشملت القارة بأسرها حتى كانت كلمة التجارة الأفريقية تعني التجارة بالبشر.
كانت ماندي تهول لهم المصير المجهول الذي ينتظرهم حيث ستعملون عبيداً في المزارع هناك ، حيث قسوة المعيشة وصعوبة العمل و الضرب بالسياط و الهلاك جوعا و تعبا أو جلدا.
 كانت الأيام تمر مخيفة على الأطفال في تلك الغرفة مع قصص ماندي وحكاياتها المخيفة التي تختمها بالموت.
 كانوا يرمون لنا الخبز عبر فتحة في الباب ،  كانت ماندي تدعي أن لا شئ يخيفها ، فقد رأت الكثير من بني جنسها يموتون أمامها ، لكن في  ذلك اليوم  حضر ثلاث رجال ونظروا إلينا بتفحص و أخذوا ماندي و صبي يدعى جون صرخت ماندي وحاولت المقاومة ، أما أنا فخفت كثيراً ولم أقوَ على الحراك ، فتجمدت في  مكاني و صرخات ماندي مازالت تتردد في أذني ، لا أدري ماذا  فعلوا بها ولكن صراخها  المدوي استمر طوال الليل بشكل مفزع ، ومع بداية شروق شمس الغد فتح أحدهم الباب و ألقى ماندي بيننا في حين لم يعد جون ، اندفعت تجاه ماندي ولكني صدمت في هيئتها حيث كانت لا تقوى على الكلام و هناك جراح في أجزاء مختلفة من جسدها ، وشعرها المتطاير وعينيها الزائغتين تتفحص المكان وكأنها لا تصدق أنها بيننا الآن  تكومت على نفسها ، جلست بجوارها أتأمل حالتها وقلت أحدث نفسي : يالسخرية القدر لقد أراها كل ما كان تخافه وتحذر منه ، مسكينة هي ماندي.
 لم يجرؤ أحد على سؤالها عن مصير جون ولم يمر وقت طويل حتى عاد الرجال الثلاثة بضحكتهم المستفزة ليأخذوا ماندي مجدداً، قاومتهم بشدة أكبر ، بدا لي وكأنهم يأخذونها للجحيم، تدخل أحد الأولاد ليساعد ماندي بعدما آلمه المنظر فحمله أحد الرجال وألقى به ، ولكنه عاد مجدداً وأخذوه معهم وخرجوا الرجال الثلاثة ومعهم ماندي والفتى المنقذ. مازالت أصواتهم ترن في عقلي ، ولكن ماندي لم تعد  إلينا ولا الفتى ، لا أعرف ماذا حل بهم ؟!
لكن صورتها المؤلمة لا تبارح تفكيري كنا نحن الأطفال نزيد عن 300 طفل وكانت الرحلة طويلة ، فتعرف الأطفال لبعضهم ونشأت بيننا رابطة جميلة كنا نخاف على بعضنا البعض وقد مرض منا ما يقارب 20 طفلاًكنا نهتم بهم،  قبل أن يعلم الرجال بأمرهم فأتوا وأخذوهم ولم نعلم عنهم شيئا،وحاول أطفال آخرون الهروب  فأرداهم الرصاص موتى ومنذ ذلك الحين والرعب يملأ كياني مع تذكري قتل الأطفال أو قصة ماندي المسكينة .
وحين وصلنا كان عددنا تناقص إلى النصف تقريبا  استغرقت الرحلة عدة أشهر حتى وصلت السفينة ، وتم ترحيل الأطفال سراً في شاحنات مغلقة بعد تقسيمهم،  وفي آخرالمطاف أودعوا جميع الأطفال بيوتاً هناك تشبه الملاجئ أو دور رعاية الأيتام ، و لكن الأيتام أرحم حالاً منهم .
 لم تستطع انجليا في البداية التأقلم على الوضع الصعب هناك ، و لكن بوجود فلورا المشرفة التي ساعدتها في بداية الأمر حيث أشفقت على جسد انجليا الضئيل من أن تلهبه السياط ، فلم تكن توكل إليها المهمات الصعبة .
 كان المبنى ليس بالقديم ، ذو غرف واسعة كانت غرف نوم الفتيات ليس بها إلا  الحصائر و عليهن نساء متسلطات يقمن بالاشراف عليهن و توزيع المهام و تأديبهن إن لزم الأمر .
 كان الخوف هو الزعيم السائد في ذاك المنزل ، الخوف من حرمان الطعام ، الخوف من الضرب بالسياط ، الخوف من التذمر أو الشكوى الخوف....الخوف في كل مكان و قد تربع سلطاناً في قلوب أولئك الأطفال ، كان هناك حديقة خلفية كبيرة ، تعمل فيها الفتيات بينما يعمل الأولاد في الحقل الكبير حيث يؤجرونهم للعمل هناك ، كانت حياة العبودية صعبة للغاية على الفتيات حيث كانت انجليا و جميع الفتيات يستيقظن في الصباح الباكر ليتهيأن للعمل فيخرجن مع الأولاد للحقل حيث يعملن حتى منتصف النهار ثم يعدن ليكمل الأولاد العمل إلى المساء ، و يعدن ليبدأن أعمالاً أخرى شاقة لا تقل شقاء عن العمل في الحقل، بالإضافة إلى جميع أنواع الإساءات  اللفظية و الجسدية ، ولكن الطعام كان جيدا نوعا ما .
 لم تستطع انجليا أن تفهم ما الذي يجري حولها ؟ كان لبعض البنات عناية خاصة لم تفهم انجليا لها سبباً ، كانت انجليا في غمرة أحزانها و بُعدها عن أهلها وذكريات ماندي المسكينة والرحلة المريرة حين عرفت شارلينوأول مرة ، و التقت عيناها بعينيه عندما كانوا مرة في الحقل و كانت انجليا متعبة للغاية فضربها ماركوس على تباطئها ، اندفعت إليها المشرفة فلورا و ساعدتها، كانت فلورا أطيب المشرفات وكانت ضد أفكار الاستعباد ولكنها مغلوبة على أمرها ، بكيت انجليا و رفعت رأسها لترى شارلينو قد اشتبك في عراك مع ماركوس ، تدخلت المشرفات ليوقفن الشجار و بالطبع تم عقاب شارلينو فيما بعد و لكن هذا الموقف لم تستطع انجليا نسيانه ،فقد بكت لنفسها الجريحة ، حين رأته غضب لأجلها، وهب للدفاع عنها في مكان لم تعرف فيه إلا الظلم و القوة و الذل، انجليا تكره ماركوس لأنها طالما رأته يتحرش بالبنات و حاولت دائما البقاء بعيداً عنه لكنه في ذلك اليوم قد تعمد إزعاجها و ضربها ، أما شارلينو فكان نموذجاً للشاب الثائر المناضل ، و تكررت مواقف نصرته لانجليا في أكثر من مرة ، أعجبت به انجليا إعجابا كبيراً أما هو فقد بادل إحساسها بالإعجاب بمشاعر حب صادقة ووفية ، كان شارلينو يكبر انجليا بثلاث سنوات فقط و حين اختطف كان عمره لا يزال عشر سنوات أقام مدة سنة بعدها أُحضرت انجليا ،أعجبه فيها إحساسها المرهف و ضعفها و خوفها البادي في عينيها ، و حنينها الجارف لأهلها ، فدائما ما كانت تتحدث عن أمها و أبيها و إخوانها و آل ريتشارد  و حينها كان عمرها لا يتجاوز الثامنة  ، ولكن بمرور أربع سنوات قد جمعتهما في الملجأ، استطاع شارلينو أن يتعرف على انجليا و يحتويها ، كانا يلتقيان في الحقل ، فتندفع إليه انجليا تحكي له و تبوح  بما يختلج في صدرها من هموم و أحزان و أسئلة.
أحبته انجليا ، نعم واندفع قلبها الصغير البرئ ليتعلق به ، أحبت فيه شجاعته ، و دفاعه المستميد  عنها و  لونه الذي ألهبته الشمس و أحرقته ، وعينيه ووجهه الذي يعبر كل تقاسيمه على أنه ابن أفريقيا الشجاع الذي ظلمته الظروف ، بلغت انجليا مبلغ النساء و بدأت أنوثتها بالظهور ، و هنا تحول حبها إلى شارلينو إلى عشق و هيام ، سميه ما شئت المهم أنها أصبحت لا ترى غير شارلينو و هي تحلم معه بيوم العودة لأفريقيا حيث أهلها ،  و بالفعل كانا يخططان للهرب ، و لكنهما ينتظران اللحظة المناسبة ، صارحت انجليا صديقتها لورا ذات يوم حين توجهتا للفراش المشترك بينهما  ، وكانت كل منهما  قد أنهت الغسيل الموكل لهما،  ثم ذهبتا للنوم و هناك ألقت انجليا رأسها على صديقتها لورا قائلة : أود أن أصارحك بقرار مهم .
 ابتسمت لورا و هي تقول : ألهذا القرار علاقة بشارلينو ؟
 ابتسمت انجليا و وأومات برأسها موافقة  ، قالت لورا : أعرف مدى هوسك به و مدى حبه لك ،  لكن ما الذي قررتماه ؟ أحس بأن كلاكما مجنون !!!
ضحكت انجليا و هي تقول:  نعم ، كلانا مجنون لذلك قررنا الهرب و العودة إلى بلدنا.
 ذعرت لورا وهبت واقفة : ماذا قلتِ ؟؟ لا بد أنك تمزحين . هزت انجليا رأسها بالنفي و جذبت إليها لورا : إهدأي لأشرح لك .
قالت لورا وهي تجلس : لا بد أنكما جننتما حقاً ، نعم لقد جننتما .
قالت انجليا : أليس من حقنا أن نعيش أحراراً و نعود لأهلنا  ؟!!         
ردت لورا: لا بد أنك حمقاء ، و هل تظنين إنهم اختطفونا وسلبوناحريتنا واستعبدونا وكبرنا في قيود الذل والقهر،  وحين نود العودة لأهلنا سيسمحون لنا بهذه السهولة .  
  - سأحاول الهرب مع شارلينو.
 - إنك تؤكدين لي حماقتك، أنت تعلمين إنهم يبيعون فينا و ستأتي غداً الحافلة الثانية لتأخذ منا الدفعة التالية ، فلو انتظرت لربما باعوك لأناس طيبين .     
- قالت انجليا بانفعال : لماذا تحبين الإختباء يا لورا ، هل تظنين أن لدى الناس الذين يشترون الأطفال قلبا مملوءا رحمة و شفقة،  لا أبدا أنهم أناس قساة ،ولن يحسنوا التعامل معنا بل سيزدادون سوءا ، أنا لا أكذب على نفسي و انتظر وقت بيعي لأناس لا أعرف لم سيشتروني ، هل لأعمال البيت أم غيرها . لقد علمني شارلينو كيف أواجه نفسي أولا قبل أي شئ،  فالأفضل لي أن أجازف فربما أنجح و أعود لأهلي .
- قالت لورا :اهدأي يا انجليا و لكن إن أخفقت ، أنت تعلمين مصير الواحدة منا إذا حاولت الفرار و أمسكوا بها .
- نعم أنا أعلم و لكنني لست خائفة من الموت، أنا واثقة من نجاح خطته.
- اشرحي لي ربما أتمكن من المساعدة ، اقتربت انجليا من لورا و هي تشرح لها تفاصيل خطتها.
أولا سنذهب إلى الحقل المعتاد لكن سأتهرب من العمل بعد مرور الدورية الأولى من المشرفات علينا ، و بعدها سأذهب  إلى البيت بالطريق الجانبي وسأدخل من الباب الخلفي ، حينئذ لن يلحظني أحداً و خصوصاً المشرفات سيكن منشغلات بالبنات اللواتي تقرر بيعهن ، سأدخل و أحمل حقيبتي و سأنطلق إلى منطقة الحوض السفلي ، سأعبرها لأنتظر شارلينو و هو سيوافيني هناك،  بعد أن  يأتي سنسرع نحو التل الكبير فإذا عبرناه سنصل للشارع الرئيسي ، بعدها نحاول أن نوقف أية شاحنة أو سيارة عابرة لتبعدنا من هذه المنطقة،  و هنالك لن يفتقدونا إلا وقت العشاء ، في هذا الوقت نكون أنا و شارلينو قد ابتعدنا و ابتعدنا .
- لورا : يبدو أنكما فكرتما جيدا .
- نعم ، بل إنا كنا نفكر فيها أكثر من ستة شهور حتى استطاع شارلينو إكمال الخطة و شجعته عليها .
- أتمنى لكما التوفيق.
- لماذا لا تذهبين معنا ؟
- لا , لا أنا لست شجاعة مثلك لأتخذ قراراً مصيرياً كهذا ، كما أنه قد تقرر بيعي في الدفعة الثالثة ، وأضافت بهمس:  أحيانا أحس أننا خلقنا للعمل في بيوت الناس البيض .
-لا تقولي هذا بل من حقك أن ... قاطعتها لورا قائلة :
- أنا راضية بنصيبي فلا تتعبي نفسك في إقناعي و لكني فعلا سأشتاق لك و إلى كلامك، و إلى الليالي التي كنا نعاقب فيها معاً ، و امتلأت عيني لورا بالدمع و هي تقول أنا أحبك يا انجليا ، عانقتها انجليا بقوة و هي تقول :
- سأشتاق لك أيضاً ، فأنت صديقتي العزيزة و سأفتقد صحبتك الرائعة يا رفيقة عمري .
لم تنم انجليا تلك الليلة و بقيت تتحدث مع لورا و قد أمسكت إحداهما الأخرى و لم تكن أي منهما تدري أنهما لن يلتقيا بعد ذلك أبدا ، 
فقد كانت تلك هي الليلة الأخيرة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق