الأحد، 31 مايو 2020

وحشها الخفي


وحشها الخفي

لطالما عاشت في خوف لا تخبر به أحد لأنه يبدو غير مقبول في نظرها، نعم أبقت هذا الخوف طي الكتمان قدر الامكان؟
لكنه يأبى النسيان...
 يطل عليها وهي في أسعد لحظاتها، نعم.. تراها حين تضحك من أعماقها بسعادة يدب ذاك الهاجس فجأة، تتحول تلك الدموع التي تجمعت في عينيها من الفرح إلى الحزن.
نعم كانت معروفة بأنها تضحك حتى تبكي، يظنها الناس من فرحتها أما هي الوحيدة التي كانت تدرك أن فرحتها العظيمة حينها تغذي ذاك الوحش الكامن بداخلها لذا تحاول الهروب؟
لطالما عاشت  حياتها هاربة منه، وذاك الخوف كان ملاحقا ذكيا يجيد الاختباء في الذاكرة ويتفنن في موهبته الوحيدة وهي إفساد لحظات فرحها.
تذكره جيدا... حين حكى لها جدها نكتة كثيرا ما كان يقولها والدها الذي توفي العام الماضي، النكتة تلك كانت مميزة ودائما ما تضحكها كغيرها من الحاضرون في مجلس جدها لكنها سرعان في آخر ضحكها من نكتة والدها حتى ترى والدها أمامها مبتسما وتدرك إنه مات حقا إنه لن يعود مجدداً.
نعم بقيت النكتة  عالقة  في الأذهان أما هو غاب  بجسده إلى الأبد وسرعان ما أكملت ضحكاتها تلك بدمعة حزن لا تقوى على كبحها.
هكذا كان وحشها المخيف يخبئ لها الأحزان في الأفراح بدقة  متناهية، لذا بعد دموع الفرحة المسكرة تأتي بعدها دموع حزن مالحة في نفس العينين.
أما الآن بعد أن كبرت قليلا استطاعت إخماد وحشها ولو لبعض الوقت أمام الحاضرين وما أن تخلو بنفسها حتى تبكي، أصبحت تخاف الفرح لأنه حزين و ترى السعادة  دائماً متشحة بثوب التعاسة...
فجأة رأت النور يشع في عقلها بجوار الوحش الرابض فيه وهنا أدركت كل شيء بجلاء..
نعم أخاف من اختفاء اللحظات الحلوة وأخشى ألا تتكرر في حياتي لذا أحاول تخزينها.. تزيينها في عقلي لتظل حاضرة لكن إلى متى؟
إلى متى؟
فأنا أيضا مغادرة و سأشع ذكرى في عقل وقلب غيري... كلنا مغادرون
وتذكرت جملة قرأتها في مكان ما لم تستحضره على وجه الدقة، كانت تقول( كلنا فترات في حياة بعض).
 هنا أشع وجهها بالرضا واختفى وحشها دفعة واحدة وقررت منذ هذه اللحظة وما بعدها أن تعيش الآن فقط أن تستمتع بقدر ما تستطيع، أن تضحك، أن ترقص كما تشاء....
فلن أبقى الوحيدة على وجه الأرض بل سأفنى مع الجميع، وقد يبقى قليل من خير عملته ذات يوم...
دمتم بخير دوماً...
سمراء النيل(د سلمى النور )

السبت، 30 مايو 2020

الضمير النائم الجزء الأول


الضمير النائم

كان القمر بدراً في تلك الليلة التي تسلل  فيها أولئك الرجال البيض إلى المنزل الواقع في طرف المزرعة الكبيرة التي يملكهاآل ريتشارد و داخلوا للمنزل عن طريق نافذة كانت قد فُتحت لهم و تسللوا على أمشاط أرجلهم و يبدو أنهم كانوا يعرفون طريقهم جيدا، تجاوزوا الغرفة الأولى وتوقفوا أمام الغرفة الثانية نظروا إلى داخلها حيث تنام الفتيات السبع، أضاءوا مصابيحهم و تأملوا الصغيرات النائمات ، أشاروا لبعضهم نعم ، إنها هي ... كانت الفتاة تنام على الطرف تقدم أولهم بخفة حتى أصبح بجوارها، رآها و هي تغط في نوم عميق بعد تعبها هي و إخوتها في العمل طوال اليوم و بسرعة كمم فمها بمنديله المحتوى على المادة المخدرة قبل أن تبد الفتاة أي مقاومة ، و في لمح البصر كانوا قد اختطفوها و غادروا بسرعة قبل أن يدركهم أحد، كان القمر شاهداً على هذه الجريمة و لكنه آثر الصمت .
 في الصباح كان الجميع في هرج و مرج فقد اختطفت انجليا ابنة بامبو جون المزارع الذي يعمل هو و أسرته عبيداً لآل ريتشارد ، بامبو كان عبدًا مخلصاً لسيده و له تسع بنات و خمسة أولاد ، ولكن لا يكفيهم ذلك المنزل الصغير الواقع في طرف المزرعة  فينام بعض أبناءه في الإسطبل و يعملون جميعهم في خدمة آل ريتشارد ، لم يكن لهم الحق في العيش كباقي الناس فهم عبيد عليهم العمل من أجل راحة أسيادهم لقد عاشوا في تلك الحقبة الزمنية التي كان يسودها الاستعباد ، وتجارة الرقيق حيث تم اكتشاف أمريكا حديثاً ، ومازال الأوربيون بحاجة لهؤلاء العبيد للعمل هناك ، لقد نشؤوا  في مجتمع يسوده التمييز العنصري ، والحقد و التكبر كانوا يدرسون في مدرسة عبيد القرية ثم يتركوها ليعملوا و يوفروا لقمة العيش لهم ، كان بامبو يتعب كثيرا في سبيل أسرته الكبيرة و لكن كان قوت يومه لا يكفيه، فأخرج أبنائه الذكور من المدرسة ليعملوا معه عبيداً لآل ريتشارد . إن آل ريتشارد من الطبقة العليا في المجتمع يملكون المال و العبيد و يحبون الاضطهاد و الظلم فهم في حماية القانون ، القانون الذي يؤيد البيض و يساندهم ضد العبيد السود ، ذلك الظلم الذي لا يخفى على أي عاقل .
رفض آل ريتشارد أن يبيع بامبو أحد أفراد أسرته ليس خوفاً عليه أو شفقة منهم ، إنما خافوا نقصان عدد العمال لديهم فقد يتبعهم عبيد  آخرون، حيث كان نظام الرقيق بدأ في أواخر القرن 16 ، وصارت تجارة الرقيق عملاً مشروعاً وكان الحصول عليهم بإحدى الطريقتين :
 داخلية:  تعني داخل المجتمع الأفريقي نفسه ، حيث يستعبد الشخص الذي يرتكب جريمة ، أو قد يبيع نفسه و ذريته لوفاء دين عليه .
ثانيهما خارجية: حيث تتم خارج المجتمع،  وفيها يتم الحصول على الرقيق عن طريق الأسر في الحروب أو الاختطاف،  و هؤلاء يباعون إلى وكلاء الشركات الأوروبية ليواجهوا مصيرهم المجهول.
 أما أسرة بامبو جون فقد استعبدت منذ زمن حيث باع جون ابنه بامبو منذ أن كان طفلاً ، فنشأ عبدًا لآلريتشارد هو وأبناءه . استيقظت انجليا لتجد نفسها محبوسة في صندوق مغلق ، كانت ترتجف و تبكي ...
 انجليا فتاة أفريقية زنجية ، ذات سمرة جذابة و عينين واسعتين جميلتين ، لم تكن انجليا أكبر أخواتها و لكنها كانت الأجمل خصوصا مع شعرها المتدلي على أكتافها ،  و دائما كانوا يشبهونها بجدتها التي أعطتها هذه الملامح الجذابة إلا أنها لم تأخذ من قوتها و شجاعتها شيئاً ، فكانت انجليا تبكي بحرقة لا تدري أتبكي من الخوف ، أم الجوع ، أم البرد المتسرب لها من شقوق الصندوق ،أم الخوف من المصير المجهول الذي ينتظرها ، المهم أن الأسباب تعددت و لكن النتيجة واحدة .
تذكرت انجليا وجه أمها (أدهيامبو) ذلك الوجه الممتلى ذو علامات واضحة حفرت عليه منذ كانت طفلة حيث تقضي التقاليد الأفريقية بضرورة الوشم ورسم علامات مميزة بكل قبيلة على وجه الفتاة عند بلوغها ، و لكن انجليا ما زالت صغيرة و لم يحن موعدها بعد ، تذكرت أختها الكبرى (باهاتي لو)  التي رفضت الأمر و لكنها في النهاية خضعت للعادات و التقاليد و اكتفت والدتها بكي جبهتها بعلامات واضحة يبدو أن لها دلالات لم تفهم انجليا لها معنى و لكن (باهاتي لو) قالت لها أنها ستجلب لي الحظ.
 تذكرت منزلهم الصغير حيث يتكدسون فيهم جميعهم عند تناول الافطار صباحاً فتلك الغرفتين لا يمكنها أن تتسع لأخواتها البنات و أخوانها الذكور الذين ينامون في الإسطبل ، فكانوا يلتقون جميعا عند الصباح الباكر قبل أن يذهب كل واحد إلى عمله الذي يتقنه ، و لاتدري لم تخيلت لوهلة وجه سيدها ريتشارد أمامه ، هزت رأسها بعنف رافضة كأنها تطرد صورته من رأسها،  لكن ريتشارد كعادته بدا قويا ، نحيفا ، أشقر الشعر ، له نزعة سادية  مخيفة .
 كان ريتشارد قد حضر منذ كان في المهد ، و ترعرع في ظل والده و جده السيد جون الذين استطاعوا أن يملكوا الكثير من العبيد ، فنشأ ريتشارد نشأة الملوك ، و كان كثير الشراب في العادة و قاس القلب و بغيضا كوالده و جده و حين كان شابا استطاع أن يقمع ثورة أولئك العبيد ، و نكل بهم أيما تنكيل ، و لقد نجح بالفعل منذ أكثر من 20 سنة لم يقوم العبيد بأى ثورة ضد أسيادهم البيض ، فقد كان يكفيهم تذكر العقاب الذي ينتظرهم ليقشعر بدنهم و يطردو فورا فكرة الثورة مجددا .  و بينما انجيليا في بكائها المرير مع تناهي إلى مسامعها صوت أقدام تقترب  حاولت النظر عبر شقوق الصندوق و لكنها لم تر شيئاً ، يبدو أن القادم كان يقف بجوار الصندوق و تحدث بلغة لم تفهمها انجليا ، كان يبدو غاضباً من لهجة حديثه و طرقه على الصندوق بعنف ، فارتجفت انجليا بداخله  ولكنه غادر سريعاً ،  ظلت انجليا كاتمة أنفاسها لخمس دقائق أخرى بعدها هدأت قليلاً.
 ظلت انجليا يومين كاملين في الصندوق فألهبها الجوع والبرد وفي صباح اليوم الثالث  شخص ما فتح الصندوق ، أغمضت عينيها لتتجنب أشعة الشمس المباشرة ، خرجت ببطء يتملكها خوف شديد ، فإذا بشخص يلطمها على خدها فسقطت أرضاً ، فتحت عينيها ورأت رجالا يتحدثون بغضب بلغة لم تفهمها ، كان هناك عدد كبير من الأطفال ،رفعها أحد الرجال وألقى بها مع الأطفال ، بكت بصمت خوفا من ضربها ، ولكن رؤيتها لباقي الأطفال أعطاها بعض الأمان ، أخذوهم جميعاًإلى غرفة مظلمة وتركوهم هناك. في مساء ذلك اليوم أحضرا لهم خبزاً جافاً ووزعوه عليهم ، كانوا يلقون إليهم الخبز الجاف مساء  كل يوم.
 نشأت بين الأطفال علاقة قوية أساسها الخوف والحزن ووحدة المصير المجهول . صادقت انجليا فتاة تدعى ماندي كانت ماندي أكبر الفتيات وأكثرهن خبرة ، حكت لهن  كيف عاملوهاعندما حبست في تلك القلعة المخيفة تمهيداً لشحنها عبر السفن، كانت تلك القلعة  آنذاك تمتلك باب واحداً  ويمثل الجسر الوحيد لها أيضاً ، كانت محاولة الهروب مستحيلة ، فقد كانت القلعة محاطة بخندق مائي من جميع الجهات ، كما أن الحراس منتشرون بصفة دورية كانوا حوالي مئتين امرأه تم حبسهن في قاعة واحدة ، وحين يطلب القائد امرأة ، كانوا يقومون بعرضنا عليه في ساحة القلعة ليختار ما يشاء وقد يأخذ أكثر من واحدة ونعود نحن مجدداً للحبس  وبعد أن يفرغ  من أمرها يتركها لحاشيته ،ونحن  ننتظرها فإذا عادت الى الحبس معنا عادت بهيئة يرثى لها و عادة قد تموت بعد أيام من المرض والقهر، و إن لم تعد نعلم أنها قد قتلت .
 أما من ترفض بداية اختيار القائد لها فإنها تعاقب بإحدى العقوبتين: إما أن تربط بسلسلة بها كرة حديدية ثقيلة في ساقها و تظل معلقة هكذا إلى أن تموت .
 وإما أن يدخلوها إلى غرفة صغيرة تسمى غرفة الموت بلا طعام ولا شراب إلى أن تنتشر رائحة تعفن جسدها بعد الموت حتى يتم فتح تلك الغرفة اللعينة ، كانت  تلك القلعة أكبر تجمع لبيع العبيد ، فعندما بدأت تجارة الرقيق بين أفريقيا والبرتغال عام  1441م  كانت جزيرة أرجوين المركز الرئيسي لهذه التجارة على ساحل أفريقيا الغربي .
 وقد شارك الكثيرين في هذه التجارة حتى الأمير هنري الملاح ( 1394_1460) أدلى  بدلوه فيها عندما أحضر عدد من رقيق أفريقيا وأخذ يشجع هذه التجارة بجلب 700 _800 عبدا من أفريقيا ، وتوسعت هذه التجارة بعد اكتشاف الأمريكتين ، وشملت القارة بأسرها حتى كانت كلمة التجارة الأفريقية تعني التجارة بالبشر.
كانت ماندي تهول لهم المصير المجهول الذي ينتظرهم حيث ستعملون عبيداً في المزارع هناك ، حيث قسوة المعيشة وصعوبة العمل و الضرب بالسياط و الهلاك جوعا و تعبا أو جلدا.
 كانت الأيام تمر مخيفة على الأطفال في تلك الغرفة مع قصص ماندي وحكاياتها المخيفة التي تختمها بالموت.
 كانوا يرمون لنا الخبز عبر فتحة في الباب ،  كانت ماندي تدعي أن لا شئ يخيفها ، فقد رأت الكثير من بني جنسها يموتون أمامها ، لكن في  ذلك اليوم  حضر ثلاث رجال ونظروا إلينا بتفحص و أخذوا ماندي و صبي يدعى جون صرخت ماندي وحاولت المقاومة ، أما أنا فخفت كثيراً ولم أقوَ على الحراك ، فتجمدت في  مكاني و صرخات ماندي مازالت تتردد في أذني ، لا أدري ماذا  فعلوا بها ولكن صراخها  المدوي استمر طوال الليل بشكل مفزع ، ومع بداية شروق شمس الغد فتح أحدهم الباب و ألقى ماندي بيننا في حين لم يعد جون ، اندفعت تجاه ماندي ولكني صدمت في هيئتها حيث كانت لا تقوى على الكلام و هناك جراح في أجزاء مختلفة من جسدها ، وشعرها المتطاير وعينيها الزائغتين تتفحص المكان وكأنها لا تصدق أنها بيننا الآن  تكومت على نفسها ، جلست بجوارها أتأمل حالتها وقلت أحدث نفسي : يالسخرية القدر لقد أراها كل ما كان تخافه وتحذر منه ، مسكينة هي ماندي.
 لم يجرؤ أحد على سؤالها عن مصير جون ولم يمر وقت طويل حتى عاد الرجال الثلاثة بضحكتهم المستفزة ليأخذوا ماندي مجدداً، قاومتهم بشدة أكبر ، بدا لي وكأنهم يأخذونها للجحيم، تدخل أحد الأولاد ليساعد ماندي بعدما آلمه المنظر فحمله أحد الرجال وألقى به ، ولكنه عاد مجدداً وأخذوه معهم وخرجوا الرجال الثلاثة ومعهم ماندي والفتى المنقذ. مازالت أصواتهم ترن في عقلي ، ولكن ماندي لم تعد  إلينا ولا الفتى ، لا أعرف ماذا حل بهم ؟!
لكن صورتها المؤلمة لا تبارح تفكيري كنا نحن الأطفال نزيد عن 300 طفل وكانت الرحلة طويلة ، فتعرف الأطفال لبعضهم ونشأت بيننا رابطة جميلة كنا نخاف على بعضنا البعض وقد مرض منا ما يقارب 20 طفلاًكنا نهتم بهم،  قبل أن يعلم الرجال بأمرهم فأتوا وأخذوهم ولم نعلم عنهم شيئا،وحاول أطفال آخرون الهروب  فأرداهم الرصاص موتى ومنذ ذلك الحين والرعب يملأ كياني مع تذكري قتل الأطفال أو قصة ماندي المسكينة .
وحين وصلنا كان عددنا تناقص إلى النصف تقريبا  استغرقت الرحلة عدة أشهر حتى وصلت السفينة ، وتم ترحيل الأطفال سراً في شاحنات مغلقة بعد تقسيمهم،  وفي آخرالمطاف أودعوا جميع الأطفال بيوتاً هناك تشبه الملاجئ أو دور رعاية الأيتام ، و لكن الأيتام أرحم حالاً منهم .
 لم تستطع انجليا في البداية التأقلم على الوضع الصعب هناك ، و لكن بوجود فلورا المشرفة التي ساعدتها في بداية الأمر حيث أشفقت على جسد انجليا الضئيل من أن تلهبه السياط ، فلم تكن توكل إليها المهمات الصعبة .
 كان المبنى ليس بالقديم ، ذو غرف واسعة كانت غرف نوم الفتيات ليس بها إلا  الحصائر و عليهن نساء متسلطات يقمن بالاشراف عليهن و توزيع المهام و تأديبهن إن لزم الأمر .
 كان الخوف هو الزعيم السائد في ذاك المنزل ، الخوف من حرمان الطعام ، الخوف من الضرب بالسياط ، الخوف من التذمر أو الشكوى الخوف....الخوف في كل مكان و قد تربع سلطاناً في قلوب أولئك الأطفال ، كان هناك حديقة خلفية كبيرة ، تعمل فيها الفتيات بينما يعمل الأولاد في الحقل الكبير حيث يؤجرونهم للعمل هناك ، كانت حياة العبودية صعبة للغاية على الفتيات حيث كانت انجليا و جميع الفتيات يستيقظن في الصباح الباكر ليتهيأن للعمل فيخرجن مع الأولاد للحقل حيث يعملن حتى منتصف النهار ثم يعدن ليكمل الأولاد العمل إلى المساء ، و يعدن ليبدأن أعمالاً أخرى شاقة لا تقل شقاء عن العمل في الحقل، بالإضافة إلى جميع أنواع الإساءات  اللفظية و الجسدية ، ولكن الطعام كان جيدا نوعا ما .
 لم تستطع انجليا أن تفهم ما الذي يجري حولها ؟ كان لبعض البنات عناية خاصة لم تفهم انجليا لها سبباً ، كانت انجليا في غمرة أحزانها و بُعدها عن أهلها وذكريات ماندي المسكينة والرحلة المريرة حين عرفت شارلينوأول مرة ، و التقت عيناها بعينيه عندما كانوا مرة في الحقل و كانت انجليا متعبة للغاية فضربها ماركوس على تباطئها ، اندفعت إليها المشرفة فلورا و ساعدتها، كانت فلورا أطيب المشرفات وكانت ضد أفكار الاستعباد ولكنها مغلوبة على أمرها ، بكيت انجليا و رفعت رأسها لترى شارلينو قد اشتبك في عراك مع ماركوس ، تدخلت المشرفات ليوقفن الشجار و بالطبع تم عقاب شارلينو فيما بعد و لكن هذا الموقف لم تستطع انجليا نسيانه ،فقد بكت لنفسها الجريحة ، حين رأته غضب لأجلها، وهب للدفاع عنها في مكان لم تعرف فيه إلا الظلم و القوة و الذل، انجليا تكره ماركوس لأنها طالما رأته يتحرش بالبنات و حاولت دائما البقاء بعيداً عنه لكنه في ذلك اليوم قد تعمد إزعاجها و ضربها ، أما شارلينو فكان نموذجاً للشاب الثائر المناضل ، و تكررت مواقف نصرته لانجليا في أكثر من مرة ، أعجبت به انجليا إعجابا كبيراً أما هو فقد بادل إحساسها بالإعجاب بمشاعر حب صادقة ووفية ، كان شارلينو يكبر انجليا بثلاث سنوات فقط و حين اختطف كان عمره لا يزال عشر سنوات أقام مدة سنة بعدها أُحضرت انجليا ،أعجبه فيها إحساسها المرهف و ضعفها و خوفها البادي في عينيها ، و حنينها الجارف لأهلها ، فدائما ما كانت تتحدث عن أمها و أبيها و إخوانها و آل ريتشارد  و حينها كان عمرها لا يتجاوز الثامنة  ، ولكن بمرور أربع سنوات قد جمعتهما في الملجأ، استطاع شارلينو أن يتعرف على انجليا و يحتويها ، كانا يلتقيان في الحقل ، فتندفع إليه انجليا تحكي له و تبوح  بما يختلج في صدرها من هموم و أحزان و أسئلة.
أحبته انجليا ، نعم واندفع قلبها الصغير البرئ ليتعلق به ، أحبت فيه شجاعته ، و دفاعه المستميد  عنها و  لونه الذي ألهبته الشمس و أحرقته ، وعينيه ووجهه الذي يعبر كل تقاسيمه على أنه ابن أفريقيا الشجاع الذي ظلمته الظروف ، بلغت انجليا مبلغ النساء و بدأت أنوثتها بالظهور ، و هنا تحول حبها إلى شارلينو إلى عشق و هيام ، سميه ما شئت المهم أنها أصبحت لا ترى غير شارلينو و هي تحلم معه بيوم العودة لأفريقيا حيث أهلها ،  و بالفعل كانا يخططان للهرب ، و لكنهما ينتظران اللحظة المناسبة ، صارحت انجليا صديقتها لورا ذات يوم حين توجهتا للفراش المشترك بينهما  ، وكانت كل منهما  قد أنهت الغسيل الموكل لهما،  ثم ذهبتا للنوم و هناك ألقت انجليا رأسها على صديقتها لورا قائلة : أود أن أصارحك بقرار مهم .
 ابتسمت لورا و هي تقول : ألهذا القرار علاقة بشارلينو ؟
 ابتسمت انجليا و وأومات برأسها موافقة  ، قالت لورا : أعرف مدى هوسك به و مدى حبه لك ،  لكن ما الذي قررتماه ؟ أحس بأن كلاكما مجنون !!!
ضحكت انجليا و هي تقول:  نعم ، كلانا مجنون لذلك قررنا الهرب و العودة إلى بلدنا.
 ذعرت لورا وهبت واقفة : ماذا قلتِ ؟؟ لا بد أنك تمزحين . هزت انجليا رأسها بالنفي و جذبت إليها لورا : إهدأي لأشرح لك .
قالت لورا وهي تجلس : لا بد أنكما جننتما حقاً ، نعم لقد جننتما .
قالت انجليا : أليس من حقنا أن نعيش أحراراً و نعود لأهلنا  ؟!!         
ردت لورا: لا بد أنك حمقاء ، و هل تظنين إنهم اختطفونا وسلبوناحريتنا واستعبدونا وكبرنا في قيود الذل والقهر،  وحين نود العودة لأهلنا سيسمحون لنا بهذه السهولة .  
  - سأحاول الهرب مع شارلينو.
 - إنك تؤكدين لي حماقتك، أنت تعلمين إنهم يبيعون فينا و ستأتي غداً الحافلة الثانية لتأخذ منا الدفعة التالية ، فلو انتظرت لربما باعوك لأناس طيبين .     
- قالت انجليا بانفعال : لماذا تحبين الإختباء يا لورا ، هل تظنين أن لدى الناس الذين يشترون الأطفال قلبا مملوءا رحمة و شفقة،  لا أبدا أنهم أناس قساة ،ولن يحسنوا التعامل معنا بل سيزدادون سوءا ، أنا لا أكذب على نفسي و انتظر وقت بيعي لأناس لا أعرف لم سيشتروني ، هل لأعمال البيت أم غيرها . لقد علمني شارلينو كيف أواجه نفسي أولا قبل أي شئ،  فالأفضل لي أن أجازف فربما أنجح و أعود لأهلي .
- قالت لورا :اهدأي يا انجليا و لكن إن أخفقت ، أنت تعلمين مصير الواحدة منا إذا حاولت الفرار و أمسكوا بها .
- نعم أنا أعلم و لكنني لست خائفة من الموت، أنا واثقة من نجاح خطته.
- اشرحي لي ربما أتمكن من المساعدة ، اقتربت انجليا من لورا و هي تشرح لها تفاصيل خطتها.
أولا سنذهب إلى الحقل المعتاد لكن سأتهرب من العمل بعد مرور الدورية الأولى من المشرفات علينا ، و بعدها سأذهب  إلى البيت بالطريق الجانبي وسأدخل من الباب الخلفي ، حينئذ لن يلحظني أحداً و خصوصاً المشرفات سيكن منشغلات بالبنات اللواتي تقرر بيعهن ، سأدخل و أحمل حقيبتي و سأنطلق إلى منطقة الحوض السفلي ، سأعبرها لأنتظر شارلينو و هو سيوافيني هناك،  بعد أن  يأتي سنسرع نحو التل الكبير فإذا عبرناه سنصل للشارع الرئيسي ، بعدها نحاول أن نوقف أية شاحنة أو سيارة عابرة لتبعدنا من هذه المنطقة،  و هنالك لن يفتقدونا إلا وقت العشاء ، في هذا الوقت نكون أنا و شارلينو قد ابتعدنا و ابتعدنا .
- لورا : يبدو أنكما فكرتما جيدا .
- نعم ، بل إنا كنا نفكر فيها أكثر من ستة شهور حتى استطاع شارلينو إكمال الخطة و شجعته عليها .
- أتمنى لكما التوفيق.
- لماذا لا تذهبين معنا ؟
- لا , لا أنا لست شجاعة مثلك لأتخذ قراراً مصيرياً كهذا ، كما أنه قد تقرر بيعي في الدفعة الثالثة ، وأضافت بهمس:  أحيانا أحس أننا خلقنا للعمل في بيوت الناس البيض .
-لا تقولي هذا بل من حقك أن ... قاطعتها لورا قائلة :
- أنا راضية بنصيبي فلا تتعبي نفسك في إقناعي و لكني فعلا سأشتاق لك و إلى كلامك، و إلى الليالي التي كنا نعاقب فيها معاً ، و امتلأت عيني لورا بالدمع و هي تقول أنا أحبك يا انجليا ، عانقتها انجليا بقوة و هي تقول :
- سأشتاق لك أيضاً ، فأنت صديقتي العزيزة و سأفتقد صحبتك الرائعة يا رفيقة عمري .
لم تنم انجليا تلك الليلة و بقيت تتحدث مع لورا و قد أمسكت إحداهما الأخرى و لم تكن أي منهما تدري أنهما لن يلتقيا بعد ذلك أبدا ، 
فقد كانت تلك هي الليلة الأخيرة.

مقدمة الضمير النائم


مقدمة الضمير للمدونة


 في زمن مضى لم يكن لهم الحق في العيش عند البعض، لا لذنب اقترفوه إلا سود سحنتهم فهم عبيد لراحة أسيادهم....
أبطال الرواية عاشوا في تلك الحقبة الزمنية التي كان يسودها الاستعمار - تجارة الرقيق-  لقد نشؤوا في مجتمع يسوده التمييز العنصري...
أم الحياة ورغد العيش فهو حق مستأثر عند الطبقة العليا في المجتمع
فهم يملكون المال والعبيد، ويمارسون الاضطهاد والظلم فهم في حماية القانون، ذلك القانون الذي يؤيد البيض ويساندهم....
ذلك الظلم الذي لا يخفى على أي عاقل.
 بدأت تجارة الرقيق بين أفريقيا والبرتغال عام واحد وأربعين وأربعمئة وألف(1441م)، وقد شارك الكثيرين في هذه التجارة حتى الأمير هنري الملاح ( 1394- 1460)، كما كانت بعثات التبشير متورطة في أخس تجارة عرفتها البشرية.
لقد أساؤوا كثيرا باسم الرب حتى أن البابا يوجيناس الرابع قد أعلن رعايته لحملات الاستعباد التي يقوم بها الملك هنري كانت بين عامي (1450- 1460).
 وشارك البابا نيكولا الخامس وكالكاتاس الثالث في عقد صفقة لاستعباد وجلب الرقيق.
 لنتقل معا لنوضح بعض دلالات الأسماء الأفريقية التي ورد ذكرها في الرواية:
                           بامبو جون: والد انجيليا.
                           أدهيامبو:  والدة انجيليا.
                           أبيدون: عبد آبق.
                           دوميزا:  شقيق انجيليا
                           السيدة إيكوكو: خادمة السيد نيكولاس.
                           شارلينو: بطل القصة.
                           انجيليا: بطلة القصة.

 أتمنى أن تستمتعوا بالقراءة...
 دمتم بخير....
 سمراء النيل (د.سلمى النور)

تنويه

تنويه

أصدقاء مدونة سمراء النيل،،،

بعد قرار نشر رواية الضمير النائم فتحتها وقد طال سباتها، وتفاجأت بمستوى كتاباتي أنذاك، حيث أنني لا أرتضيه الآن أبداً ، وأستحي من نشره لولا كلمتي ووعدي لكم.
استشرت أحد الأشخاص الرائعين الذي طمأنني بأن هذا جزء من التطور والنمو الكتابي ولا بأس من نشرها وإن أختلف مستوى الكتابة الحالي عما مضى.
 أرجو اعتبارها محاولة أطفال لا أكثر، وإني خجلةٌ من مستواها.. ولكم العتبى...
دمتم بخير..
سمراء النيل(د. سلمى النور )


الجمعة، 29 مايو 2020

الضمير النائم

الضمير النائم

يسعدني ويشرفني بعد تردد كثير وسؤال أكثر من أصدقائي بأن أنشر رواية الضمير النائم على النت، وهي روايتي الأولى التي بدأتها منذ أيام الجامعة واكتملت فيما بعد... وما بين بدايتها ونهايتها حدث الكثير الكثير...
سيتم النشر حلقتين كل أسبوع السبت والثلاثاء، ليتسنى لي نشر خاطرة ما.
عند إنشائي لهذه المدونة كانت الفكرة خواطر و قصص قصيرة لا تزيد على 500 كلمة، لكن هنا في النشر المتسلسل لرواية الضمير النائم سنستثني هذا القاعدة، وسأنشرها فصلا فصلا...
أتمنى أن تنال أعجابكم وأنتظر ردودكم ..
قراءة ممتعة أتمناها لكم ... دمتم بخير..
سمراء النيل(د. سلمى النور)

إهداء الضمير النائم


بسم الله الرحمن الرحيم
الإهداء

إلى كل حر يسمو فوق الصعاب
إلى كل طير يحلق عند السحاب
إلى كل نفس تدب في الأرض روعة الفضاء 
إلى كل وطن تمخض بعزة الإباء
إلى جوهر حياتي ...إلى كل العطاء
 أمي وأبي...
إلى بعضي وفلذة كبدي: آية وأسرتي الصغيرة...
إلى إنسانية العالم أجمع أهديكم باكورة هذا العمل المتواضع
                                                   د. سلمى النور أحمد

الخميس، 28 مايو 2020

حكايات شهرزاد الكورية


حكايات شهرزاد الكورية

استمتعت بقراءة كتاب حكايات شهرزاد الكورية للكاتبة التونسية إيناس العباسي، كتابها خفيف ظريف لا تمل قراءته لأنه يأخذك حيث سافرت الكاتبة إلى كوريا الجنوبية تلبية لدعوة من مكتب CPI لمبادرة منظمة لبرنامج التعاون بين وزارة السياحة ووزارة الثقافة الكورية.
 تحكي كاتبتنا الجميلة إيناس عن كوريا التي عصفتها ريح عاتية فقسمتها إلي قسمين، إلى تنين برأسين جوهرتها سيول.
سيول تلك المدينة المزدحمة التي لا تنام، و لا تهدأ شوارعها أبداً إن لم يكن بسبب تظاهرة طلابية أو ترويجية فبسبب الموسيقى العالية التي تنساب من محلاتها ومقاهيها،  شوارعها فاخرة الألوان والاعلانات.
 هي سيدة الأمطار والشموع والعشاق الصغار والتنانير القصيرة المحلقة في الهواء الآسيوي الحار المضمخ بالمطر.
 ثم تنتقل الكاتبة لتحكي عن نهر الهان وثقافة السوجو الذي يعد أقرب طريق للتقرب من صديقك الكوري.
تحدثت أيضاً عن جايجو جزيرة الأحلام الكورية،  وإلتقت بنساء الهولماني اللواتي واظبن على الحضور كل أربعاء منذ أكثر من ستة عشر عاما، كنا ضحايا الاستعمار الياباني حين خطفن صغارا ليصبحن  نساء الراحة أو النساء المتعة للجنود اليابانين.
لقد استأصلت أرحامهن لأن هذا أوفر تكلفة من الاجهاض والذي كان يتم بأسلوب همجي مما أدى لوفاة الكثيرات منهن و نقص  عددهن مقابل عدد الجنود الكبير المتزايد.
 لكوريا الكثير من الآلام سابقا وحتى الآن بخصامها مع أختها الوحيدة.
 تحدثت الكاتبة أيضا عن الثقافة الكورية والكاتب هوك يونغ هوانك الحائز على جائزة نوبل للآداب عام 2008، وقصة حياته المثيرة.
 ثم تختم كتابها في ملاحظات أخيرة:
إدمان كوري اسمه القراءة.
 تشاؤم كوري من الرقم 4 فله لفظ صوتي هو نفس لفظ كلمة الموت بالكوري فلا يوجد طابق يحمل الرقم 4 ولا غرفة في مستشفى تحمل رقم أربعة وتم استبداله بـ F حيث تكتب  F01, F02  وهكذا..
لا يجب أن يكتب اسمك بالأحمر لأنه يعني الموت أيضا..
يعلق العشاق في برج السيول أقفالا يقفلونها على بعض راسمين عليها قلوبا صغيرة والحروف الأولى من لأسمائهم..
 ثم تختم  كتابها بمسائها الأخير في سيول معترفة أنها اكتشفت متأخرة مثل كل العاشقين إنها تعشق مدينة سيول.
 كتاب حكايات شهرزاد الكورية يقع في 134 صفحة، طبع من الدار العربية للعلوم.. كتاب ممتع وشيق.
 دمتم بخير دوماً
 سمراء النيل (د.سلمى النور)

الثلاثاء، 26 مايو 2020

ورحل عمي...


ورحل عمي

 استقبلنا ثاني يوم العيد برنامج البالونات كان سيكون يوم جميلا لولا أنه اكتسى السواد فجأة بخبر رحيلك يا عمي.
 ورحل عمي عثمان عنا فجأة بلا سابق انذار.
فقط  أخبر ربه إنه ينوي الرحيل وأنه اكتفي من الحياة ومــنّا، ومن كل شيء.
 لأنه منذ سنين اكتفي بالصمت بيننا ومناجاه ربه ما بين دعاء وذكر وترديد أسماء الله الحسنى.
 رحل عمي رجل الأضداد حيث كان حاضر البديهة يجيد الحكايات وغزل الكلمات ترتيبها مما جعل حكاويه تدور في قريتنا، وفي ذات الوقت عرف بهدوءه ووقاره وجمال جلسته.
ورحل عمي بعد أن أوصل أبنائه إلى بر الأمان فخرج من بيته من صار إخصائيا وطبيبا وصيدلانيا ومهندسا ومعلما والكثير من جمال الروح، كما أورثهم جمال تقاسيمه..
أصبح هذا العيد ذكرى لا تنسى، ذكرى نتشارك فيها مع كل من عرفك وجلس بقربك ذات يوم.
عمي العزيز:
منذ دخول إلى بيتك إلى وقت خروجي منه يشهد ربي لم أسمع منك كلمة تسيء إلى أحد، لطالما أشغلت نفسك بنفسك وتركت حديث الناس ولغطهم لهم.
عزلت نفسك بإرادة منك فأرحت واسترحت، ليس الموت بالغريب عــنّا
 إنما فراغ سريرك الدافئ الوحيد الآن هو ما يخفينا...
 ترانا نقوى على دخول بيتك ورؤية زاويتك فارغة تنادينا و تناجيك،
 ولا أحد يستطيع إسكات أنينها.
 نخاف أن تتسرب رائحتك رويدا رويدا، وتتلاشى صورتك و تبهت ألوانها لوناً لوناً... هذا هو فخ موت الذي ينتظرنا...
إلى جنة الفردوس أيها النبيل..
ثق بأنك ستظل في قلوبنا هادئا مراقب ما حوله بسكون وابتسامة، وما كان نزول مطر المساء سوى لمواساتنا،  وهطول دموع السماء لوداع شخص ستفتقد دعائه و تبكيه ليلا طويلا فقد صمت المناجي الهادئ..
رحمك الله  عمي عثمان وأسكنك فسيح جناته وألهم أهلك وذويك الصبر والسلوان.. اللهم آمين.
 العزاء موصول لآل مساعد جميعا...
 دمتم بخير..
سمراء النيل(د. سلمى النور )

يوم العيد

يوم العيد

في هذا اليوم أمنّي نفسي بالكثير من الأشياء الجميلة، وأمتن لأمور كنت أحسبها عادية.
انتبهت فجأة وأنا أمسك بشعر بناتي الواحدة تلو والأخرى على أنغام صفاء أبو السعود" مرحب بالعيد.. أهلا بالعيد"
كنت أرتب أمور البنات على أنغام العيد وأرتدى الكل ثياب الفرحة، وأشعر بالامتنان لكل ما حولي، حتى التلفاز الذي يرتبط بالإنترنت لنسمع ما نشاء وقتما نشاء.
استمعنا لأغاني العيد مرارا و تكرار..
أشكر شركة زين لكل أغاني العيد التي أعدتها وقدمتها لنا على مدار أعوام خلت.. رقص الأطفال مع أطفال التلفاز وانتشر الضحك وعلت البسمة الوجوه.
أمتن لوجود التكنولوجيا التي سهلت عقد لقاءات قربتنا برغم بعد المسافات.
هالني الكم الهائل المخزون من المشاعر في دواخل كل منا للعيد، ذو الاسم الواحد له ألف معنى ومعنى عند الآخر، وكلمة العيد تحتوى الكثير من الذكريات المختلفة لكل شخص، هناك من يربطها بالعائلة، أو زيارة أقارب، أو هدية مميزة ، أو عيدية كبيرة تأخذها لتثير غيظ أخوتك، الكثير من الذكريات التي استطاع العيد اختزالها في حروفه الخمسة  لكنه يجتمع غالباً بالشكر والابتسامة والضحكة العالية وتبادل التهاني والأمنيات.
فالعيد سيظل يورث ذكرياته وجماله عبر حلوى مميزة لكل بلد، أو لقيمات القاضي أو صوت انسكاب الشاي وصوت الملعقة ترقص سعيدة بأنغام السكر، وصوت جدي أو أبي وبيده حبة تمر يستفتح بها يوم الافطار رافعا بيده التمرة قائلاً بصوت عالي : بسم الله... اليوم عيد الفطر.
 وتصدح التكبيرات وبعدها تشرق صفاء وكأنها لم تغب يوما ويعلو صوت أغنية: مرحب مرحب بالعيد.. أهلا بالعيد.
شكرا لكل من جعل عيدنا مميزاً وجميلاً..
نعم اليوم أحمد الله الذي أتم لنا جمعتنا ونحن بخير وسلامة، فبرغم الاشتياق للقيا ، تظل الصحة والعافية أغلى أمانينا ..
اللهم أحفظها من الزوال...
دمتم وأحبابكم بكل بخير...
سمراء النيل(د. سلمى النور)