الخميس، 19 مارس 2020

قد تخطئ الحسابات أحياناً


...قد تخطئ الحسابات أحياناً


رن الهاتف بعد الظهيرة ليصلني صوت صديقتي سائلة فجأة بلا أي مقدمات:  لِمَ سنموت كلنا؟ 
ضحكت لها وقلت: من قال أننا سنموت الآن... صدقيني ما يزال في العمر
 ..بقية
علّت نبرة صوتها عبر الهاتف: الكل يقول لي ذلك.. لقد انهيت علاجي من المرض الخبيث قبل شهرين... ألا يكفيني ما أصابني، لم أتهنى بشفائي حتى يظهر هذا الفيروس السخيف... إنني ممنوعة من الخروج وحتى الزيارات؟
قلت لها: لا يا عزيزتي  لست وحدك كلنا في حجر منزلي لسلامتنا.... فلا تقلقي
أردفت بنبرة عصيبة واضحة: لقد قمت بمئات الحسابات  وقرأت آلاف الاحصاءات التي تدل على انتشار هذا المرض حول العالم، قد أموت بسببه
ابتسمت و قلت مطمئنة: صديقتي لقد هزمت السرطان والذي يحمل نسبة وفيات عالية فهل تعتقدين بأن جسدك سيتنازل لذاك الفيروس وسيرضى بالهزيمة، إن كل الاجراءات تصب في صالحنا، وما الذي سيضيرنا لو بقينا في منازلنا قليلا، أنا متأكدة أنك ستكتشفين أشياء كثيرة بمنزلك يمكنك عملها، أو اختراع  
ألعاب يدوية لأطفالك، أو محاولة انعاش ذاكرتك المطبخية وطهو طبق مميز بعد طول غياب
صمتت ولم تعلق على كلامي فتساءلت مجدداً: ومن الضيف الغبي الذي يستحسن الزيارة الآن 
لم أسمع رداً أيضاً: هل ما زلت تستمعين إليّ ؟
أتاني ردها هادئاً بطيئاً كأنها تحادث نفسها: للأسف الكثير من الحسابات لم تصح، حتى مسار حياتي الذي كنت مؤمنة به أراه ينحرف بي كثير وبشكل مخيف
 قلت لها: حسن... إن الله خلقنا لكي نقوم بالحسابات بلا أية إجابة صحيحة موجودة مسبقاً، كلنا ننتظر العلامة الكاملة لأسئلتنا وأجوبتنا والطريقة الصحيحة لعيشنا، نتوه في الأسئلة الكثيرة والحسابات والنظريات التي تدحض بعضها بعضاً بمرور الوقت، وتظل أنفسنا عطشى للإجابة الصحيحة 
أضافت صديقتي: لِمَ نعد مئات النظريات للمضي قدما؟ في حين أننا قد لا نقدر على تجاوز كبواتنا الشخصية فما بالنا بأزمة عالمية... من نحن لتصيبنا..؟ إننا ضعاف حقا نبكي على ضياع المال والوقت والأرواح ونعاني الكثير من الهزائم النفسية و..
قاطعتها عمداً: كلنا مثلك، بل أني أراك أفضل مني، فأنت من انتصر في صراعك مع المرض ، لكل منا انتصاراته الشخصية البسيطة والقيمة ثم نعود من جديد ونبدأ الكرة مرة أخرى لهدف جديد وحلم بعيد، ونستعين بالله و هدايته لنا، وحبه اللامحدود للانسان، لذا سنظل نحاول ونخطئ 
تنهدت قائلة: كل ما أردت قوله هو إنني أبحث عن طريق سهل ممهد وواضح  للمضي فيه بسلام وأمضي بحسابات واضحة لا تقبل الفشل أو التشكك
قلت لها: كلنا لها، وما سمّي الأنسان إلا لأنسه، لا نقدر على الوحدة والانعزال، لذا نتكاتف معا لنكمل مشوار الحياة، قد نخسر الرهان وتفشل كل الحسابات والأصدقاء
فقط من يقرأ، من يقاوم، من يصمد ويفكر، هو من يحق له الحياة والاستمرار فيها
 فقد نال شرف التجربة والخطأ.. الإصابة والشفاء
 لقد جرب كل المتضادات.... نعم.. ذاق طعم الفرح والحزن... أدرك الفرق بين دمعة البكاء والسعادة
عرف كيفية النهوض من جديد بعد أن سقط حتى الحضيض، ولامسَ القاع ثم وهو في الأسفل في ذلك الدرك رأى بصيص ضوء بعيد بعيد وباهت، في أحلك أيامه نبت الأمل في قلبه من جديد
فاستحث قوته وجمعها ليقف على قدميه مجدداً و رأسه للأعلى نحو ذلك البصيص
من هنا فقط حصل على شرف انسان
بنبرة فرح قالت صديقتي: هذا ما حدث لي في رحلة علاجي من السرطان، نعم رفضت الهزيمة وأنا أرى أهلي وأطفالي حولي، وكذا الأصدقاء... الكثير من الأضواء دلتني على طريق الشفاء
قلت بسعادة: هكذا نحن البشر في كل المحن سنمضى بتعاوننا وثقتنا بالله وببعضنا
أغلقتُ الهاتف ونظرت إلى السماء وقلت 
 نظل نحن الأقوى رغم كل الموجودات والصراعات وخطأ كل الحسابات
(دمتم بخير: سمراء النيل(د. سلمى النور 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق