الأحد، 9 فبراير 2020

رسالة


رسالة

ها هو يراقب غروب الشمس بنفاذ صبر منتظر لحظة بعينها،  يخاف ألا تعود...
أو أن تمر بين عينيه بدون أن يقرأ الرسالة المرسلة كما حدث للمرة الاولى حين كان في غمرة اكتئابه، و الكثير من الأفكار السوداء تهاجم عقله الضعيف بشراسة، خطر في باله الانتحار أكثر من مرة.
 لكنه في ذلك اليوم قبل أسبوع من الآن، كان هو في نفس هذا المكان ينظر للسماء و يلعنها لأنها أوجدته و هو الذي ضاق صدره بكل هذا الوجود.
فجأة مع غروب الشمس ظهرت له رسالة من السماء..
 نعم كانت انعكاس بقايا الضوء الناعس،  مرر له رسالة بين السحب على شكل ألوان و خطوط،  فجأة انتبه لها مع تغير الألوان و انسحاب الشمس السريع.
فتح عينه على آخرهما محاولاً إدراك الرسالة الخفية بين السحب، لكن الشمس هربت بسرعة ساحبة معها كل الأضواء الخائنة التي حاولت مساعدته.
هنا في هذه اللحظة حدث المستحيل، أحس أن له مهمة في هذا الكون....
مهمة جعلت لحياته التافهة قيمة، قد تكون رسالة السماء هي مهمة له شخصياً ليقلب معاير الكون، أو ليكتشف ما وراء الطبيعة، أياً كانت الرسالة المرسلة فهي له تحديداً و حان أوان كشفها.
ابتسم لجو المغيب وعبأ رئتيه من رائحة الهواء المنعش الذي لم  يلاحظه قبلاً وقال: حسناً أيتها الشمس سأظل أراقبك إلى أن أكتشف سرك.
 ومنذ أسبوع و هو يأتي إلى هنا ليراقب مغيب الشمس، و يتفحص السحب العابرة، و خيوط الشمس المتسللة قبل المغيب لكنه لم يعثر على شيء واضح، أتراه فهم  خطأ....؟
 أترى لم تكن أية رسالة...؟
 لا لا هو متأكد فذلك الاحساس الذي وصله أقرب لحدس النبوءة التي سمع عنها ولم يختبرها بشر، يكفي أن ذلك الاحساس كان سيخبره لولا غياب الشمس وجيئة الظلام الجبان سريعاً ليساعدها.
 لكني قسماً سأفعلها....
 ربما تنتقل رسالتها عند الشروق... ربما....
 ومنذ بداية الأسبوع الثاني بات يراقب الشروق و الغروب معاً، وما بينهما يعاود لعمله بكل همة لأن لديه هدف يسعى وراءه،  بعد أسبوعين كان يراقب الغروب وكل شيء كعادته لا جديد،  الغريب أن اليأس لم يتسرب إليه مجدداً، بل قال بكل بساطة لنفسه: ربما تمرر الشمس رسائلها كل  شهر أو ثلاثة أشهر.. ربما... 
هكذا ظل لحين انقضاء عاماً كاملاً في محله يضيف سبباً آخر ليستمر..
 كقوله مثلاً:  ربما تريدني الشمس أن ابتسم لها و للآخرين.
 و هكذا صار المبتسم دائماً وراء سعيه الدؤوب  لفهم  رسالة الشمس، أصبح يساعد الآخرين أكثر و أكثر، ثم صار سبباً في ابتسامتهم.
 و وقع على حب حياته بعد عامين من التأمل للغروب والشروق و أصبح هو و زوجته و طفليه ينتظرون موعد الرسالة القادمة.
وبعد مرور سنوات كثيرة حين بدأ الشيب يغزو شعره نسي سر الرسالة مع الوقت، صار يستمتع بشروق الشمس و غروبها، و قد أنجب ابناً آخر يكاد يزحف نحو عامين حين مرض ولزم المستشفى مدة أسبوع.
 كان مع زوجته حينئذ ثم خرج من الغرفة بعد شعوره بضيق شديد، رأي الشمس في عز الهجير وقد مال ظل أشجار المستشفى عن المنتصف بقليل، حدق بها بالرغم من ظهور دوائر و جزيئات عديدة في نظره إلا أنه ظل يحدق فيها لمدة تزيد عن دقيقة ثم جاء ردها الذي نسي مع انشغاله في الحياة...
 هرع لداخل الغرفة وأمسك بيد زوجته على عجل و قال لها: لقد ردت علي الشمس أخيراً.
- الزوجة بحزن: أي رد... وأي شمس ؟
- هل نسيتِ؟
- آه... رسالتك المنتظرة ألم تنسى ذلك الموضوع؟
- أخيراً...ردت علي.
- لا يهمني.... يهمني صغيري أن يفتح عينه مجدداً
- أسمعيني...
- لست أهتم حقاً..
- أمسك بها و وضع عينه بعينها و قال: "كن أملاً لغيرك... تشكرك السماء"
- ابتسمت زوجته و قد انتقلت مشاعره المتأججة إليها و قالت: نعم.... هذا بحق ما نفعله معاً...
- احتضنها بسعادة غامرة ووصل إليهما صوت صغرهما الذي طال انتظاره وهو  ينادي: ماما.
فرحا و اقتربا نحوه و لسانهما يلهج بالحمد و الشكر...
نظر لبقايا الضوء المقتحم غرفة المستشفى ورفع بصره للنافذة وخيل إليه أن الشمس تخبره   
" كيف لم تقرأ رسالتي و قمت بها حرفياً كل يوم.... أن تحيا بالأمل و قد قمت بأكثر من ذلك... شكراً لك"
دمتم بخير دوماً
سمراء النيل (د. سلمى النور )


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق