الجمعة، 7 فبراير 2020

ذكرى طيبة


ذكرى طيبة

اقتربت مني صغيرتي ذات الخمس أعوام و فاجأتني بنبرة الواثق قائلة: ماما... سوف أتزوج.
هذه  العينة بالذات في بناتي ذات شطحات لا أستطيع تخيلها لذا كعادتي عند الحوار معها صمتُ ولم أبد أي أمارات الدهشة فقالت مجدداً: ماما... أريد أن أتزوج.
- أها.... هي جادة إذن... و لم تخذلني أذني فسألتها: حسناً بمن ترغبين الزاوج؟!!
- ابتسمت بسعادة و ضمت قبضتيها و قالت: أريد الزواج بالشيخ زايد؟!!!
- تعجبت و اعتصر قلبي غصة حزن و ألم و سألتها: هل التقيته...؟
- هزت رأسها نافية: لا يا ماما.
- حسناً... لِمَ تريدين الزواج به؟
- لأنه طيب جداً
- كيف عرفت؟ أنت لم تلتقيه...
- أنا رأيته في صور كثيرة يا ماما
- حسناً و إن يكن.... فحتى السيئون ينشرون صورهم.
- هزت رأسها بثقة و قالت: لا لا ماما كلما أرى صورته أراه يبتسم إذن فهو طيب.
- لا أدري سر يقين ابنتي بطيبة الشيخ زايد، و هي التي ولدت بعد أعوام من وفاته... أتراها وثقت بابتسامة مصورة؟ أم إنها كانت بالفعل ابتسامة من قلبه فوصلت لقلبها مباشرة؟ أو كما نقول و نعتقد نحن الكبار أن الأطفال يعرفون روح الإنسان و جوهره.... ومن يحبه الأطفال يحبه الله...
يااااه أيها الشيخ المتوفي  لديك سر عجز عنه الكثيرون الآن في زرع محبة تجاوزت الأحياء بسنين...
أي سر لك عند الله... لتحبك صغيرتي لدرجة تمنى الزواج بك وهي التي لا تعرف معني الزواج أساساً سوى أنه يعني أن يبقى شخصين مع بعضهما للأبد، سرحت عنها وأنا أفكر بذكراك، شدتني صغيرتي مجدداً: ماما.... ماذا قلت...؟! هل أنت موافقة؟
- ابتسمتُ وقلت لها: حسناً هناك مشكلة بسيطة... أنت مازالت صغيرة في رياض الأطفال وهو رجل كبير..
- ابتسمت بثقة أكبر: لا يهم .. ليست مشكلة أنا أحبه وهو طيب طيب جداً يا ماما.
- قلت : حسناً ليست مشكلة كبيرة إذن.
- بحماس أكبر قالت: ماما .. هل وافقت لأخبر أبي الآن؟
- سألتها: حبيبتي هل تعلمين ماذا يعمل الشيخ زايد؟
- فكرت قليلاً ثم أجابت: أعتقد أنه معلم أو مدير... لالا  شيء أكبر ... نعم نعم وأضافت بحماسة : نعم نعم... إنه كسوبر مان صح؟!!
- حضنتها وقبلتها : نعم .. نعم تقريباً... كان كالسوبرمان فقد ساعد الكثيرين وفعل المستحيل.
- قالت بفرح: إذن أنت موافقة..؟
- قلت لها بصوت جاد: هناك مشكلة أيضاً..
- سألتني بنفاذ صبر: ماما ما هي .... بسرعة قولي.
قلت بهدوء: لقد مات الشيخ زايد منذ زمن.
ثم صمتُ قليلاً لأكمل: نعم يا صغيرتي قبل مولدك بوقت طويل.
بانت الحيرة والدهشة والكثير من الحزن والإحباط وقالت بعد مرور دقيقة على الأقل: هو لم يمت فأنا أحبه بل سافر للسماء...
- نعم نعم .. كما قلت سافر للسماء.
- متى سيعود..؟
- من يرحل للسماء لا يعود للأرض فهناك المكان جميل يطل منه علينا ويراقبنا بل ويتحدث إلينا أحياناً.
- حقاً يا ماما.
- نعم
بان الحزن جليا على تقاسيم وجهها الجميل و قلت لها: لا تقلقي أعلم أن الشيخ زايد يبتسم الآن لك....
- هل يحبني..؟
- طبعاً يا حلوتي لكن كابنته فقد وسع قلبه الآلاف قبلك و أنت أحبيه كأباك... ما رأيك...؟
- أنا أحبه كثيراً يا أمي.
- نعم.... كلنا كذلك.
- و أضفت: ما رأيكِ أن نذهب جميعاً لزيارة قبر الشيخ زايد و نقرأ قرآن هناك
- ابتسمت من جديد و قالت: حقاً...
- نعم.
- حسناً سأخبر أخواتي بذلك.
- هكذا وُلِدَ لدى مشوار لأبوظبي تلبيه لرغبة صغيرتي في رؤية قبر الشيخ زايد....
 رحمك الله و أسعدك بمقامك عنده
دمت بجنات  الخلد أيها الزعيم الرحيم
سمراء النيل (د. سلمى النور )  


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق