الثلاثاء، 21 يناير 2020

كعك السماء


كعك السماء

هل فكرت مرة بعد تناول غداء دسم ولذيذ برفقة أعزاء تحبهم وملأت معدتك وروحك سعادة ثم حين حضرت التحلية لم تجد لها مكاناً أو نفساً...                أمر طبيعي قد يحدث لأي منّـا لكن ما حدث لصديقي أمر عجيب...
بعد فضّ اجتماع طعام شهي ومغادرتهم جميعاً...
ظل هو في بيته يغسل أوانيه وحيداً ونظر للسماء المشرقة وبدأ يدندن  بلحن أغنية لم يتذكر كلماتها لكن لحنها ظل أسير شفتيه جافاً من أية كلمات مدة ساعتين هي الفترة التي استغرقها لغسل كل الأواني.
ختم الغسيل بآخر شوكة ولم يضعها في مكانها بعد، نظر مجددا للنافذة التي فضحت له منظر السماء الرائع في ذاك الوقت عصراً والسحب مجزأة راكدة تعجز عن الحركة، شعر بها ممتلئة مثله ومتخمة ، غادر صديقي المطبخ ناسيا شوكة الطعام بين أصابعه تحاول التخلص منه للعودة لصديقاتها في الدرج المفتوح..
لكنه كان كالمسحور يتبع لحنه التائه بلا غضب أو أي محاولة جادة لتذكر الكلمات المطلوبة وإكمال الأغنية المبتورة..
خرج لحديقة منزله الصغيرة وارتمى على الأرض محدقا في السماء، تلك العالية العاتية التي لم يستطع أحد من البشر النيل منها...
وحين لوحه بأصبعه انتبه فجأة لشوكة الطعام أسيرة يده، نقل بصره بين الشوكة الفضية اللامعة وبين السحب المتقطعة...
نقل بصره مجدداً ثم أغمض عينيه وفتحهما وقال: أريد أن أكل منك أيتها السماء فأنت بهذه السحب المنتشرة على صفحتك تشبهين غيمة سكر، أو حلوى غزل البنات أو ربما قطع من حلوى المارشملو أو....
يااااه أنها كثيرة وكبيرة على معدتي الصغيرة لكن لا بأس سأكل منك وأترك للآخرين شيئاً.
لِم لمْ ألاحظك من قبل..؟!!
أيتها السماء الشهية...
كان يشير لقطع السحاب اللائي قلقن من كلامه، حاولن التحرك للهرب من شوكته التي يوجهها إليهم وكله عزم وإصرار على التهامهن.
ضحكت السماء وقالت: هدئن من روعكن.. فلن يجرؤا ابن آدم على فعل شيء لطالما كان كائناً ثرثاراً فحسب.. لا تقلقن ...
اختار صديقي إحدى السحب كانت أقرب للون الوردي أشار إليها بشوكته وأغمض عينيه وحرك شوكته ببطء لداخل فمه، ولشدة ما كانت دهشته وهو يتذوق طعما شهياً لا يوصف يذوب في فمه بسرعة.
 ففتح عينيه واصطدم بحقيقة أنه أكل سحابة صغيرة حين رأى مكانها فارغا في السماء، أعاد الكرة وهو يشير لسحابة أخرى وهذه المرة لم يرف جفنه، بل ورأى بأم عينيه كيف تنقاد السحابة وتأتي من عليائها مرتجفة تهتز أملا في الهروب، تصغر وتصغر كلما اقتربت من الأرض إلى أن تذوب داخل فمه.
فرح كثيراً واستحلى المذاق الخفي وأكل الثالثة والرابعة والخامسة والسادسة والسابعة ثم وجد نفسه يرتفع من الأرض صاعداً للسماء، التفت خلفه وحدق في بيته الذي بات يصغر..
شعر بالخوف مع سماعه همهمات السماء:
يا أحمق من أنت لتأكل منا...؟؟
أيها المتعجرف التافه الضعيف...
انتابته شجاعة غامضة وقال لها:
أتعرفين من أنا ..؟؟؟
أنا رجل يحمل شوكة ورفع شوكته في وجه السماء التي تركته يهوى ويسقط سريعا سليما في أرض حديقته. نهض وابتسم واثقا وقال لها: من الجيد أنك أدركت أنك أيتها سماء مسخرة لي منذ الأزل، وأضاف بابتسامة جانبية ورفع يده للأعلى: شكراً لك... كانت سحباً شهية.
ضحك بشدة في مطبخه حين أغلق النافذة أمامه ورمى بالشوكة مع صديقاتها وقال:
 يا لهذا الطعم.... ويااااا روعة الانسان....
دمتم بخير...
 سمراء النيل (د. سلمى النور )

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق