السبت، 14 ديسمبر 2019

إلى كربون C


إلى كربون C

صرخ أحدهم في وجهي فجأة: طين ...أنتَ طين
عدلت نظاراتي الطبية و مضيت فأمامي اجتماع مهم لأحضره مع أصدقائي أساتذة الجامعة في أول يوم دراسي في الجامعة التي أعمل بها، نعم يجب علينا إعادة تقييم بعض الدروس قبل اعتمادها في المنهج.
عبرت الإشارة سريعاً قبل أن يختفي اللون الأخضر تماماً و هرولت لأصل للجانب الآخر و مضيت أفكر في هذا الأحمق.
أنا طين.... ربما هل يعتقد أنها شتيمة، ألا يعلم أنه هو الآخر من طين.. غريب أمره.
احب أنا أقول عن نفسي أنا الكربون،  فأنا مخلوق كربوني بامتياز و ربما بحكم مهنتي كعالم كيمياء فإن الكربون هو أكثر عنصر أكنُّ له الاحترام و الامتنان لوجودي،  يجب على البشر كلهم أن يحذوا حذوي في احترامهم لعنصر الكربون العزيز .
فلا يبقى في النهاية سوى ذرات الكربون هذا العنصر الرهيب كان معنا في البدء وظلّ فينا أثناء حياتنا وسيظل بعد موتنا لينتقل لشخص آخر.
يعيش معنا كل حياتنا، و حين نغادر لا يغادرنا بل سيساهم في محونا و يعمل مع كائنات متآمرات مثله على اغتيال بقية الجسد المرمي.
أيها الكربون منحتنا الحياة، وسمحت لنا بالموت أيضاً بل الأسوأ من ذلك ساهمت في تحللنا أيها الخائن.
نحن لا ننكر أنك مكون أساسي للسكريات و البروتينات و الدسم و الحمض النووي و العضلات و الأنسجة كل شيء في أجسامنا.
علاقة البشر بالكربون معقدة أكثر مما يمكنني محادثة عقلي الصغير به وهذه الفتنة أشعلها في رأسي ذاك الفتي.
أمام إشارة المرور الوحيدة المتبقية قبل وصولي للجامعة وقفت أنتظر اللون الأخضر أن يهدأ لأتحرك،  فالمشاة مثلي يحبون اللون الأحمر فجأة سمعت صوته مجدداً يهتف من بعيد بشكل متقطع: يا سيد.. يا سيد...
التفّت للخلف رأيت شاباً يرتدي ملابس بسيطة حاملاً كتب أو دفاتر لم أتبينها تماماً، اقترب مني بأنفاس لاهثة: يا سيدي لم أقصد الإساءة إنما كنت أود أن ألفت نظرك أنه بجانبك الأيسر حذائك و بنطالك قد اتسخا ببقعة طين ... انظر...
 و انحنى بكل لطف يزيل الطين الذي جف و ينهض قائلاً: تستطيع أن تمضي الآن.
 و ابتسم مولياً ظهره لي و انتظرنا الإشارة معاً قلت له: عفواً....هل لحقت بي كل هذه المسافة لتزيل الطين فقط..
ابتسم ناحيتي: نعم يا سيدي.
اقتربت أكثر منه: غريب أمرك يا فتى... لم تكلفت هذا؟
قال بارتياح: لا شيء مهم يعينك لكني وعدت أمي أنني في أول يوم جامعي لي سأساعد شخصاً لا أعرفه، و حين ناديت عليك علمت أنك لم تفهم ما قلته و كان علي مساعدتك و من حسن الحظ فجامعتي بعد هذه الإشارة فقط.
أضاء اللون الأخضر و بدأنا نعبر الطريق سوياً، تأملت حولي البشر الذين يعبرون الطريق وأولئك في السيارات وفكرت: الكربون قام بالشيء الكثير المدهش حقّا...
دمتم بخير..
 سمراء النيل(د. سلمى النور)
   

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق