السبت، 28 ديسمبر 2019

عين من جحيم


عين من جحيم

قالت لصديقتها صباحاً: لن أخرج اليوم.
- ردت الأخرى: لم... بالأمس في العرس عزمتنا جارتك أمنية على الفطور
- نعم لذا لن أذهب معك.
- غريب أمرك هي جارتك أنت و أنا ضيفتك فقط.
- اذهبي لوحدك.
- طبعاً لا... عزمتني فقط لأنها تعرفك.. إنها حتى لم تسألني عن اسمي في حفلة أمس.
- بتأفف: اسمعي يا صديقتي من الأفضل لك أن تمضي يومك الثاني و الأخير معي ثم تغادري في الصباح عائدة إلى مدينتك و أضافت: شكراً لك على زيارتي.. إني ممتنة حقاً لتلبيتك دعوتي.
- أرجوك جارتك تبدو متحدثة رائعة إنها تحب الكلام.
- نعم بالضبط.. لذا أتجنب زيارتها قدر الإمكان.
-أها.. أهذه مشكلتك إذن؟!
- نعم
- قبل أن ترد جاءها اتصال من جارتها لتؤكد دعوتها لهما و وإنها تنتظرهما لتناول الإفطار، أغلقت السماعة: جارتي هذه  لن تتركنا في حالنا.
- لا تكوني نكدية فمن له جارة تصر عليه هكذا في هذه الأيام، إني في المدينة لا أعرف من يسكن معي في نفس الطابق، هي سبع شقق أقسم لك لا أعرف من بها.. هل هناك عائلة أو شباب أو فتيات مثلي وحيدات... لا أعرف أتصدقين.. احمدي ربك على مثل هذه الجارة..
- مرغمة قالت: حسناً.. أمري لله... هيا بنا
- خرجت الصديقتان و أغلقتا الباب...
 فُتح الباب مجدداً حوالي الساعة الثالثة ظهراً و دخلت الصديقتان
- صاحبة المنزل: أرأيت كيف يضيع الوقت معها، لذا كنت أتجنبها؟
- يا إلهي... لم أصدق ذلك.. كيف تعيش جارتك هذه.
- لا أعرف كيفية التكفير عن كل هذه الذنوب من الغيبة و النميمة.
- لا أظن أن هناك شيء يمكننا عمله لقد حملنا أوزاراً و آثاماً ستنزلنا إلى قعر جهنم و ربما أسفلها إن وجد شيء آخر لا نعلمه.
- يا إلهي إني أقسم أنها من أهم أسبابي للرحيل من هنا... 
نعم.. معك حق، كيف لها أن تلاحظ كل هذا الكم الهائل من الملاحظات داخل عرس الأمس.
- أنت لا تعلمين كأن لها عين من جحيم.
- حتى تلك الطفلة التي دخلت مع أمها ماسكة طرف ثوبها ، تمضي تعد خطوات أمها التي حيّت الجميع و خرجت تتبعها في إثرها، لم تجلس أبداً في كرسي إنما أتمت دورة سلامها على الجميع و خرجت لم تسلم من تعليق جارتك.
- آه...  نعم نعم إنها أم سعيد... لقد توقفت عن حضور الأعراس منذ عامين وتوقفت عن سماع الأغاني و تنقبت حتى أنها قللت زيارتها بشكل ملحوظ.
- إنها تدقق في تفاصيل ثوبها الصغير و ضفرتها العادية يا لهذه المرأة.
- نعم جارتي أمينة... أكثر من ذلك... ألم تجيب أنت على تساؤلاتها الكثيرة؟!
- نعم و كأني في استجواب مخابراتي... لكني أتساءل لم تهمها معلومات عني... عن بنت غريبة عن قريتكم... أنه أمر محير.
- الفضول القاتل من أهم صفاتها... لذا انفصل منها زوجها و انطلقت هي بحرية منذ ذلك الوقت.
- الآن تصول و تجول بلا أي رقيب... إنها تراقب الجميع و تستنتج أخبار الجيران إن لم تستطع سؤالهم مباشرة.
- لابد أن أن زوجها استسلم أخيراً و استراح من شرها.
- لكنه ابتلانا نحن جميعاً.
- نعم للأسف...
- يا إلهي... صدقت إن لها عين من جحيم.
- يا رب ساعدها و ساعدنا أيضاً.
- أنا الغريبة عنكم بت أعرف أسرار قريتكم الصغيرة بل و أعرف الآن أسرار جيرانك بأسمائهم بقي أن التقيتهم وجهاً لوجه حينها ستوزع الأسرار على الوجوه.
- نعم بالتأكيد تستطيعين الآن أن تعرفي لما تنقبت أم سعيد و اعتزلت الناس....
- نعم و أكثر... لكن لم يصادقها الجميع.... أعتقد لو استطعتم عزلها عنكم ربما لماتت قهراً...
- نعم و هذا الشيء الوحيد الذي لا تقدر القرية على فعله.
- غريب أمركم لم..؟!  إنها امرأة من الجحيم...
- هناك سر لا تعرفينه عنها: أنها مريضة في مراحلها الأخيرة من السرطان، لذا تحولت لإنسان شره لأخبار الآخرين في محاولة لتحصيل كل شيء قبل نفاذ وقتها، و دائماً ما تقول: يجب علي اللحاق بكل الأخبار قبل فوات الأوان.
- نعم نعم.. قالت ذلك أمامي أيضاً.
- إنها تقول ذلك في ختام ثرثرتها و كأنها تعطيها المبرر لفعل ما تفعل و الاستمرار فيه و كأن الكلام و الأخبار ستموت بموتها..
- مسكينة هي...
أنت لم تريها بعد بعد جلسات علاج الكيماوي حين تحضر كل القرية لدعمها والحديث معها.. آآآه أنها تقطع القلب حينها، هذه المرأة الوحيدة التي أخلصت للسانها والأخبار.
- للأسف لن تنفعها بشئ.
- من يدري.. قد تنفعها هذه العادة السيئة في قبرها للتلصص على الأوراح المجاورة وعمل جلسات للحديث وتناقل أخبار البرزخ...
- ربما ... أتظنين ؟ّ
- نعم... كلنا نشفق عليها أحياناً
- أتظنينه عذراً
- ستغادرنا يوماً ما... و سيحل الهدوء قليلاً قبل أن تظهر في الحي مجدداً عين من جحيم تراقب الناس تهتك أسرارهم.
- كان الله في عونكم يا صديقتي
- آمين... شكراً لك.
دمتم بخير
سمراء النيل(د. سلمى النور)        

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق