الخميس، 26 ديسمبر 2019

بعد أربع سنوات

بعد أربع سنوات

وعدها منذ زواجهما الذي استمر خمسة وأربعين عاماً أنه سيظل معها، استطاعا معاً تجاوز العديد من المطبات والمنعطفات، كان وحيداً بحق قبلها ورفض أن يشاركه أي أحد حتى الأبناء.
لذا ضــنَّ القدر عليهما بالأطفال بناءً على رغبته وظّل هو حبيبها وطفلها الوحيد.
حاولت أن تقاوم وسعت خلف الأطباء وآخر ما توصل إليه الطب الحديث وقامت بالعديد من تجارب الحمل التي لم يكتب لها النجاح.
مازال يذكر جيداً ذاك اليوم بعد نجاح محاولتهما العاشرة والأخيرة في الحمل حين عاش أملهما ما يقرب من شهرين، ثم ودعهما صامتا بلا سبب مقنع، كان بجوارها في ذاك اليوم المشؤوم يهدأ أحلامها الثكلى ويطبع على جبينها عدد لا نهائي من القبلات، ثم قال لها بأسى: عزيزتي... ما هي أسوأ مخاوفك التي قد تحقق بعدم الانجاب؟
قالت بصوت تخنقه العبرات: إنني أخشى أن أموت وحيدة، نعم سأكون في فراش الموت وحيدة فلا طفل يبكيني، ولا أحد يحمل روحي في جوارحه حيثما حلّ وتذكرني، أما أنت ستعود متأخراً من العمل كعادتك لتكتشف موتي.
ابتسم وضمها بعمق حتى تنهدت وقال: حسناً .. إني أعدك وأعاهد الله إنني سأحضر موتك متى حدث وفي أي وقت.
ابتسمت من بين دموعها وقالت: أنت ستموت قبلي أيها الخائن أنا متأكدة... ستتركني بعدك وحيدة تفترسني الأحزان.
سألها متعجباً: كيف هذا..؟
رفعت رأسها من حضنه وقالت: ألست تكبرني بأربع سنوات وابتسمت.
رفع حاجبيه قائلاً: هكذا إذن .. ربما كان من الممكن أن أموت قبلك لكنك لم تسمحي لي... لذا سأعيش بعدك أربع سنوات وسأموت في يوم وفاتك.. ما رأيك بهذا ؟ سأعيش لأبكيك أنا وليس العكس..
مسحت دمعها وقالت: كفاك هراء.. لا أحد يعلم الأقدار.
أعادها لحضنه وقال مؤكداً: أنا أعرف أنك كل قدري وسأظل معك، سأمسك يدك لحين تغمضين عينيك لآخر مرة وسيكون وجهي الملتحي  هذا آخر ما تشاهده هنا ....
رفعت رأسها وتأملت عينيه بذهول كان يتحدث وكأن القدر بين يده، في لحظة الصمت هذه قاطعها وقال: لم تخبريني أتحبين وجهي بلحية أم بدونها... انفجرت ضاحكة وأعادها لحضنه واثقاً مبتسماً..
ما يزال  يتذكر انتهاء الحوار بجملته هذه وابتسامته وصوت ضحكتها...
 لا يعرف كيف استطاع أن يقطع وعداً مع القدر لكنه بات يعرف الآن بعد مرور كل هذه السنوات أنه استطاع أخيراً الوفاء بوعده لها...
لم تشعر بالوحدة وخلو البيت من الأطفال فقد دعمها في عملها وافتتحت شركة خاصة بها ولا تعود إلى البيت أبداً إلا معه، كانت تخاف خدعة البيت من أن يتراءى لها طفل خيالي يجري هنا وهناك ويبتسم في حين تنهار هي مجدداً.
هو أيضاً لم يتح لها الفرصة للانفراد بزوايا البيت أعتاد طوال الخمس وأربعين عاماً أن ينهيا أعمالهما ثم يذهبان للشركة ويعودان معاً للبيت، كان هو طفلها المدلل الوحيد وصديقها الحميم وعشيقها المجنون.
الآن وبعد مرور كل هذا العمر معاً ... ماتت في البيت كما كانت تحلم فدائما ما تقول: الموت في المستشفى موصولاً بالأسلاك لهو موت لا كرامة فيه.
لذا ماتت بعد أزمة انفلونزا بسيطة، غابت من عملها يومين وكانت تنوي الاستعانة بطبيب إذا لم تتحسن حالتها، لكن جاءها الموت ليقطع لحظات رومانسية مع زوجها الوفي الذي أعد لها منقوع الليمون والعسل بالزنجبيل شربت منه وسعلت قليلاً فأجلسها...
نظرت إليه ملياً وقالت مازحة: ربما أموت..
ابتسم وقال: هذا السعال ليس سعال أموات إنما للدلع فقط.
اتكأت على صدره وأغمضت عينيها وأمسكت بيده كعادتها وفجأة بينما يشتم هو رائحة شعرها المحببة أحس بثقل رأسها يزداد إلى أن تراخى كل جسدها.
ظل هكذا جامداً مصدوماً، احتاج لساعة أو أكثر حتى استطاع أن ينطق اسمها مجدداً.. مراراً.. وتكراراً...
 ولأول مرة لا ترد عليه، لأول مرة لا تلبي نداءه.
 وبعد مرور بعض الوقت لم يستطع حسابه تحرك ببطء واضعا جسدها الهامد على الكرسي، واستطاع بصعوبة رفع سماعة الهاتف والاتصال بأحدهم.
ها هو الآن يجلس على نفس الكنبة لا ليحزن... إنما لينتظر أن يوفي بوعده السخيف... لم أختار أربعة أعوام بعدها... أي عقاب هذا... الآن هو يتجرع الأيام لتمر... وها هو الآن في السنة الأخيرة، فقط ينتظر أن يوافق يومه ويصدق القدر معه ليغادر إليها... فقد كان الانتظار أكبر وأشد ألما من الاحتمال..
أنها أربعة أعوام جحيمية قضاها بدونها.. لكنه عقاب عادل فهو من اختاره بنفسه... هو سعيد الآن لأنه بانتظار يوم اللقيا الذي بات وشيكاً..
دمتم بخير دوماً
سمراء النيل(د. سلمى النور)   

هناك تعليق واحد: