الجمعة، 27 ديسمبر 2019

غمزة سيارة


غمزة سيارة

أخيراً تمكن أحمد من شراء سيارته الجديدة وأوقفها أمام بيته بجوار شاحنة عجوز متوقفة منذ زمن ، باهتة اللون ذات محرك بطئ لم يقم جاره السيد حسن بتجديده شاحنته أو صيانتها منذ عقد على الأقل.
دخل أحمد منزله سعيداً حاملا بيده كيكة لذيذة للاحتفال مع زوجته وطفليه بسيارته الجديدة، أطفأ المحرك وأشار بمفتاح سيارته إليها ليغلقها فرحا، أضاءت له عينيها قائلة: حسناً سيدي.. أنا مغلقة الآن.. اطمئن..
ابتسم ومضى بخطوات خفيفة لكنه أخطأ الظن، فما أن غاب أحمد حتى فتحت سيارته عينيها تتطلع المكان الجديدة فهو يختلف عن بيت الوكالة الذي قدمت منه، رأت السيارة الجديدة الشارع والأشجار التي تحيط بالمنازل، اشتمت نسيم الليل بفرح وقالت: أتمنى أن يكون سائقي جيداً معي.
قالت الشاحنة المتوقفة: لا تقلقي... إذا اشتراك أحمد لنفسه فهنيئا لك، أما إن كنت ستصيرين ملكا لزوجته فأنت في وضع خطير.
أضاءت السيارة عينيها وقالت: ماذا تعنين.. ألست ملك أحمد... هو من رآني وأعجب بي ، هو من جرب قيادتي ... لقد أحببته.
ابتسمت الشاحنة: عندك حق فكلنا هنا نحب أحمد، إنه رجل مسؤول يجيد احترام السيارات، لكن البشر يا صغيرتي ليسوا مثلنا لديهم مواثيق يحترمونها.
اعترضت السيارة الجديدة: إن رخصة امتلاكي باسم أحمد، لن يقودني أحد غيره.
قهقت الشاحنة وقالت: يا صغيرة أنت لا تعرفين البشر مثلي، قد تكونين محقة بأن أحمد هو مالكك، وقد يقودك آخرون غيره، هؤلاء البشر مجاملون ومحبون لبعضهم أكثر منا ... لقد عرفتهم وفهمتهم.
هزت السيارة الصغيرة ممسحتها في الزجاج الأمامي معترضة: لا لن أقبل أن يقودني شخص لا يعرف قيمتي، أنا لأحمد وأحمد لي.
قال الشاحنة بهدوء: لا تتعجلي يا صغيرة... سنرى
سألت السيارة الصغيرة: منذ متى وأنت في هذا الحي؟
تنحنحت الشاحنة واهتزت قليلاً وقالت: يااااه أيتها الصغيرة... بسؤالك هذا فتحت باب الجرح الذي لم يغلق بعد، حين أتيت لهذا المكان كنت السيارة الوحيدة الآمرة والناهية هنا ولم تكن البيوت كما هي الآن، تباعاً استطاع الناس شراء سيارات أصغر وأجمل لكني كنت الحاكمة هنا، إلي أن جاءت تلك السيارة السوداء البغيضة مع صاحبها، أعلنت التمرد بسبب حبها لسيارة حمراء والتي بدورها كانت تحب التاكسي الأصفر المشاكس ، كان مميزا بلونه الأصفر وعمله الدؤوب كصاحبه ليل نهار، لم تأبه لمحاولات السيارة السوداء لجذب انتباهها، وكثيرا ما قامت السيارة السوداء بمغازلتها حتى لو كانت إشارة سيدها عكس ذلك...
تنهدت الشاحنة وقالت: لم تتدخر السيارة السوداء جهداً للفت انتباه السيارة الحمراء حتى وإن كلفها ذاك الذهاب للميكانيكي لمحاولة فهم لم تقوم بغمزات جانبية فجأة، لم ينتبه أحد من البشر الأغبياء لعالم السيارات، كانوا يظنون أننا مجرد آلالات تسير بالوقود، لم يدركوا أن لنا مشاعر وأحاسيس بل أحيانا أعطالنا تكون بسبب نفسي أكثر منها إصابة مباشرة..
قالت السيارة الصغيرة: ماذا حدث؟
أغمضت الشاحنة أعينها وأضاءتهما فجأة قائلة: شهد الشارع الرئيسي المجاور لنا مأساة كبرى، تمثلت بمقتل السيارة السوداء شهيدة الحب، نعم كان أول انتحار لسيارة عاشت بيننا، لطالما سمعنا عن هذا في أماكن أخرى بعيدة عنا، أما أن نشهد موت أحدنا هنا كان لأمر جلل ، هزنا كلنا وبكيناه كثيراً شهيد الحب، آآه أيتها السيارة السوداء لقد ظلمناك جميعاً بحكمنا القاسي.
    سألت سيارة أحمد: ماذا فعلت السيارة الحمراء... هي السبب وذاك التاكسي.. أليس كذلك؟!
أطفأت الشاحنة أنوارها وسال زيتها من ماكينتها حزناً وبكت بصوت مسموع وقالت: لم تعلم السيارة الحمراء أية شيء حينها، فقد رحلت مع سيدتها لمدينة أخرى بعدما تخلى عنها ذاك التاكسي المتعجرف فقد غيرته الأموال وكثرة الأعمال، وأهملها حين صارحته هي باهتمامها، ولى مستكبراً، جارحاً وانطلق كالريح تاركة علامات إطاراته واضحة على الشارع وهذا في عُرفنا معناه نهاية كل شيء ، لملمت جراحها سيارتنا الحمراء وظلت مع صديقتها في المدينة الأخرى وتوقفت عن الحضور خلسة إلى هنا..
 وحين علمت بنبأ انتحار السيارة السوداء، لم تستطع التعايش مع ضميرها الذي حملها ذنب موته... وللأسف أخذت صاحبتها معها إلى الهاوية حيث دفنت هناك ولم تعد تصلح لأي قطع غيار حتى...
تنهدت وأكملت: ماتت أشهر قصة عشناها ، ومازال الانسان غير مدرك أو منتهبه لما يحصل معنا.
وأنت يا صغيري الجديد لا تثق بالبشر فربما باعوك في أقرب ضائقة مادية رغم جمال عشرتك منذ سنين...
لا تثق بمن حولك وراقب عالم السيارات جيداً وانتبه فقد تعلمت السيارات من أصحابها ولم يعد هناك آمان، بعضنا أفسده البشر.
قالت سيارة أحمد بأسي: يبدو العالم مخيفا حقاً خارج وكالتي... يا ترى هل سأظل لأحمد أم سأنتقل لغيره..
قالت الشاحنة: لا تستعجل الأمور.. غداً سترى والآن قاربت الشمس على الشروق فلتعد إلى حالة الجماد.
ابتسمت السيارة الجديدة: حسناً يا صديقتي وبالمساء لنا لقاء ..
ابتسمت الشاحنة: بالطبع سأحكي لك الكثير بعد أن ينام الأغبياء...إلى اللقاء
دمتم بخير
سمراء النيل(د. سلمى النور)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق