السبت، 9 نوفمبر 2019

هجرة وسؤال

هجرة وسؤال: 


أعرف صديقة عزيزة عليّ نشأت في بيت متدين حيث كان والدها إمام مسجد وأمها "مطوعة" ، كبرت في ذاك المجتمع الصغير الذي يقوم بكل مظاهر الدين من صلاة وصوم وزكاة، ظّل سؤال يدور برأسها ويكبر: إذا كنّا نؤمن بالله ربـّا لِمَ نحن كما نحن ؟
لم لا يستجيب الله لنا في كثير من دعواتنا .. ما الذي ينقصنا ويفوتنا … لم حين تهتز المساجد بالدعاء والتأمين يظل هذا الدعاء حبيس المساجد لا يصل إلى سمع السماء …
هي التي نشأت في بيت لا يتوقف فيه صوت القرآن من الإذاعة قديما في صغرها وحتى تطبيقات القرآن في الهواتف الذكية في أيامنا هذه... كانت دائما تتساءل عن الحلقة المفقودة بين دعائنا والاستجابة المتوقعة.. 
تزوجت صديقتي وهاجرت مع زوجها إلى بلاد أجنبية كما نسميها، بقيت هناك سنينا وحين عادت لزيارة أمها التقيناها وجلسنا نتحدث لكنها لم تكن هي التي عرفناها .. عادت متغيرة بشكل جذري في أعماقها، تستطيع أن ترَ السعادة في محياها وتلمس صدقا في حديثها وصمت أكبر في عدد كثير من تعليقاتنا وأسئلتنا...؟ 
ما الذي حدث لها ؟ كانت واحدة منّا.. ثرثارة، تجيد تصيد أخبار الآخرين، وتحضر الكثير الكثير من الأغاني والمسلسلات، ما الذي تغير في أعماق إدراكها، تشكو أمها قائلة: بلاد الكفار غيرتابنتي؟!!
ما الذي يُغير البشر هناك؟ لم لا نستطيع أن نكون مثلهم مع أننا نتشارك نفس البسيطة 
ما نوع القيم المزروعة في أبنائهم ولم يبدو أطفالنا في طفولتهم أقرب للشياطين في تصرفاتهم من الملائكية؟
فأطفالهم لا يتلفظون ببذيء الكلام ولا تحملهم عنصرية غريبة كأطفالنا في المدارس.
لم ينتشر فيهم مرض الابتسامة كالوباء، الجميع يبتسم في وجهك حتى تصاب أنت بالعدوى فتبتسم رغما عنك.
عندنا ينتشر مرض التكبر فيحتقرك أحدهم بنظرة بلا سبب مقنع، فتتجنب النظر في عيونهم وتتركهم لسواد بصيرتهم، أو ربما تنظر لعامل أقل منك بذات النظرة المريضة.
صديقتي هذه على ما أعتقد قد أُعيد برمجتها لتنخرط في مجتمع شبه نظيف فلا شيء كامل طبعا.. أتت إليهم بها عوالق نفسية وعقلية كثيرة خطيرة… استطاعوا بالصدق والصراحة والوضوح تطهيرها...
هناك مع الوقت أدركت معنى وجود الله … هناك حيث العمل بإخلاص ، حب مساعدة الغير واحترام انسانيتهم هي أساس التعامل...
إن لله قوانين في الكون وهي سنته التي ارتضاها لخلقه فإذا طبقتها عشت في جنته في الدنيا قبل الآخرة.. 
تحدثت معها كثيرا وسألتها : ألا تخشين هناك في بلاد الكفار…؟
ابتسمت بثقة وقالت لي: لالا… هناك عرفت الله فهل عرفتموه أنتم؟!!
صعقت ولم أجب وهمست في أذني عند خروجي: لن أعود إليكم في القريب الآجل لأني حين أتي إلى هنا فإني أعود محملة بالأوزار  والكثير من سوء الظن وعاداتنا البالية التي تحجب عني رؤية الله.
فارقتها وفي قلبي لوعة وظل يتردد في رأسي ألف ألف سؤال… كيف أجد الله هنا في بيتي وفي مجتمعي وقبل كل شيء …. كيف أجد الله في قلبي….

دمتم بخير دوما 
سمراء النيل(د. سلمى النور )  

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق