الخميس، 7 نوفمبر 2019

شجرة يقين

شجرة يقين

جاء الصغير يركض نحو أمه بسعادة غامرة وهو يهتف: أمي... أمي لقد نبتت أخيراً. 
كانت والدته تتحدث في الهاتف حين شد ثوبها نظرت إليه بتأنيب وحاولت إبقاء نبرة صوتها كما هي، لم يأبه بها وظل يكرر شد طرف ثوبها وصوته يزداد علواً وانفعالا: ماما... ماما  لقد ظهرت ونبتت أخيرا … أقسم لك ... ماما....ماما 
وضعت الأم سماعة الهاتف على عجل بعد وصول صوت صغيرها للجانب الآخر من المكالمة والتفتت إليه في غضب: نعم… ماذا هناك؟!! 
بلهفة أجابها الصغير: ماما … لقد زرعت لك الموسيقى التي تحيبينها..
نزلت لطوله القصير وسألته متعجبة: لم أفهم ماذا تقصد ؟
أجابها ذو الأربعة أعوام: ماما بدل أن أمسك لك جهاز الموسيقى كل يوم حين تعملين في حديقة بيتنا، فكرت أن أزرع لك شجرة الموسيقى 
اتسعت عيناها دهشة: حقا … كيف ذلك؟؟
أمسك بأصبع يدها الأيمن وقال: هيا معي للخارج .
تبعته باستسلام ووقف أمام حافة السياج الصغير حيث زرعت الطماطم والتي باتت الآن محملة بالطماطم بين اللونين الأخضر والأحمر لم تستوي بعد … لا شئ يُذكر هنا إن الحديقة كما هي نقلت بصرها بعد قسم الطماطم حيث زرعت الخس بجوار شجرة التوت الكبيرة.. يا ترى ما الذي يقصده صغيري؟؟
كان الصغير يحدق في الأرض، جثت الأم على ركبتيها وسألته ماذا هناك؟ 
أشار لورقتين على ساق هزيل تكاد لا تبين على صغرها،
أشار بكلتا يديه بفرح وقال: ها هي يا ماما شجرة الموسيقى... 
انظري هي صغيرة الآن لكنها ستكبر وستسمعك أحلى الألحان والأغاني كما تحبيها بالضبط.
- يا ترى أي بذرة سقطت هنا، أو لعلها نبات متطفل مزعج فقط… لا أستطيع تميز نوعها .. هي صغيرة جدا من الصعب ملاحظتها- 
التفت الصغير لأمه وكله حماس ليسمع ردها: أمي .. أمي أهي نبتة الموسيقى حقاًّ..؟؟
 لم ترد احراجه فقالت: لست متأكدة بعد يا صغيري … ربما 
هز رأسه رافضا بعنف: لا يا أمي أنا متأكدة منها فقد زرعتها بنفسي. 
حسنا أخبرني يا صغيري من أين حصلت على بذرة الموسيقى
أخفى فمه بيديه الصغيرتين وقال مبتسماً: هذا سر يا أمي 
نهضت قائلة: حسنا … سنرى مع الوقت.. 
تأفف الصغير: أمي... أنا متأكد منها 
حسنا لا بأس … هيا للداخل 
لا أنكر أنني عندما أهم بعمل شيء في مزرعتي الصغيرة اقترب لأرى تطور هذه النبتة الهزيلة ربما الفضول دافعي الأكبر وربما مراقبة ابني السعيد لهذا النبتة الغريبة… بصراحة لم أجتهد لأسأل أحداً عن ماهية هذه الأوراق أو الساق القصيرة لأني لم آخذ كلام صغيري على محمل الجد. 
ذات يوم سمعت صغيري يركض وهو يهلل فرحاً: أمي أمي الموسيقى في الطريق.
كنت متعبة مرمية على الكنبة وعقلي يوزع ما تبقى من مهام البيت وضجة صغيري تزداد.. أتى إليّ متحمساً وعيناه تبرقان: أمي.. أمي لقد أثمرت شجرة الموسيقى. 
ها نحن ذا قلتها بتأفف وملل. 
أمسك يدي يحاول شدي للحديقة نهضت متكاسلة وتبعته …. 
نظرت للنبتة التى صارت بطول ابني تقريباً أمسك عضن وقال لي: ماما انظري هنا... 
خيّل إليّ أنني أرى التفات الأوراق بشكل يشبه مفتاح صول الموسيقى … يا للغرابة 
اقتربت أكثر وانحنيت باهتمام ورحت أركز على أطرافها الخضراء والتى بدت في نهايتها تأخذ اللوم الأزرق قبل التحول لعلامة مفتاح صول 
يا للعجب 
سألني صغيري : ماما أنا متأكدة من شجرة الموسيقى.. لقد زرعتها لأجلك. 
احتضنته وقبلته : أنا شاكرة لك لأنك فكرت في شيء يسعدني. 
نفضت عني التعب وعدت للداخل أسأل الحاسوب عن مواصفات شجرة كشجرتنا … بعد أربع ساعات من البحث المتواصل لم أجد شيئا يسعفني … حملت اسطوانة بتهوفن لسماعها واكتشفت أن غلافها قطع جزء منه كان يحمل رسمة مفتاح صول وناديت على المتهم الأساسي …
اقترب صغيري مبتسما حاملا لعبة بطله المفضل الرجل العنكبوت سألته: ألم أحذرك من لمس اسطواناتي الموسيقية أو العبث بها ؟؟
هــزّ رأسه بالإيجاب.
حسنا .. ماذا حدث هنا … هل قطعت جزء من غلاف اسطوانتي 
رفع رأسه وقال بابتسامة بريئة: أمي … إذن اكتشفت بذور الموسيقى أنت أيضا … نعم هذا صحيح إنها من غلاف اسطوانتك.
ما.. ماذا … تقول 
نعم ..نعم يا أمي …
نهضت وغادرت مسرعة ورحت لمكان النبتة أبحث بجوارها ووجدت الجزء المقطوع مدفونا بعناية.. أخذته بهدوء وضحكت في قرارة نفسي كيف للأطفال التفكير … أيزرع ورقة لتنبت موسيقى …
وصل صغيري وقال : أمي لا تنزعي الورقة ستموت النبتة 
أخفيتها بحذر دون أن يلاحظها وقلت له: أنت محق 

أدركت أن القدر لا يعاند عزم انسان... 
وأن الكون لا يرفض طلبات طفل برئ...
وإننا نحن من أخطأنا الظن بالكون.. بالقدر... بالرب.... 
دار في رأسي الكثير والكثير من الأفكار وأنا أرى مفتاح صول بدأ يتشكل ويكبر أمامنا يوما بعد يوم  
أصبح لدي اهتمام مشترك مع صغيري نستمع معا للموسيقى بجوار شجرته العجبية التى لم تنبت من ورقة بل نبتت بيقين كامل برب يحقق المعجزات..  
بقوة تصميمنا وثقتنا نستطيع إحياء شجرة الموسيقى حقيقية في كل مكان 
دمت بخير 
سمراء النيل ( د. سلمى النور )

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق