الثلاثاء، 1 أكتوبر 2019

الوداع

الوداع

رفع رأسه للسماء وأعاده للأرض حزيناً تنهد بعمق لدرجة أن السماعة ارتجفت في حضن الهاتف.... بعد تأمل عميق قال للنخلة صديقته: لم أعد كما كنت..
 كانت تدرك هذه الحقيقة لكن منظر صديقها البائس يؤلمها أكثر  فقالت له:  لا تقول مثل هذا الكلام مازال البعض بحاجة إليك.
 تأمل نفسه قشور الطلاء هنا وهناك، أرقامه التي لا تكاد تبين، وسلك سماعته الهزيل، وجدرانه المهترئة، نفرت من مفتاح التشغيل دمعة رغما عنه وقال:  لقد انتهت حقا لم يعد هناك ما يمكنني تقديمه.
مالت النخلة بجواره هامسة: صديقي العزيز … أنت هنا من أكثر من أربعين عاماً.
ابتسم بضعف: لا يا صديقتي لقد كبرت وصرت غريبا عن المكان.... لا شيء يشبهني هنا.
 رفعت رأسها للسماء ونظرت حولها قائلة: الآن تغيرت ملامح الطريق بالأمس كان قاحلاً وكنت وحيدة هنا، بعد أن زرعوا أخواتي بعيد عني، كنت أشعر بالخوف.. واقفة هنا.. أحرس المكانة ليل نهار... بلا أنيس... إلى أن أهداك القدر لي...  ما زلت أذكر حين أتيت بصحبة مهندسين وبعض العمال... كاد الفضول يقتلني بعد أن ركبوك وثبتوك... كنت أرقبهم بصمت... يا ترى ما هذا الشيء المستطيل الوقف أمامي... هل ستبقى هنا طويلاً؟!!
 ضحك الهاتف و قال: آآآه ... ذكرتني تلك الأيام ....أيام ولادتي.... ولم أصدر صوتا حتى...
- نعم... نعم... أذكر أولئك العمال والمهندسين ظلوا يزورونك لمدة أسبوع كامل إلى أن أطلقت أول نغمة اتصال...
- هههه... أضحكتني ... نعم.. كان فرحتهم عظيمة بتشغيلي أنا .. أول كابينة اتصال هاتفي في المنطقة.
- كنت سعيداً وأنا خائفة منك ... فما كنت أتوقع يوماً أن يجاورني هاتف ، لطالما حلمت بأشجار وكائنات حية تزورني.
- عندك حق... لكني أحببتك من النظرة الأولى ... طويلة وحانية ، كثيراً ما ألقيت عليّ من ظلّك وحميتني...
- أنت جلبت الكثير من الأشخاص والإزعاج ..... أتذكر!!!
- بالطبع ... ماذا ظننت ... أنا كابينة هاتف لابد لي من العمل ليل نهار ... وأنت تحبين الهدوء يا عزيزتي.
- كنت أراقبك دائما حيت تطول طوابير البشر في انتظار دورهم للاتصال داخلك...
- ياااااااه ... أيتها الصديقة لو تدركين كم سمعت من أسرار وكم شاركت في قصص الغرام وحتى في أحزانهم ذرفت أدمعي قبلهم ... لي عند كل واحد منهم قصص ومشاركات جمة.
- لقد احتملت الكثير يا صديقي العزيز... أنت مهم للغاية..
- كنت يا نخلتي .... كنت مهما ذات يوم...
- لا تقل هذا..لا تيأس أرجوك... سيعودون ذات يوم للاتصال بك ... سيعود مجدك القديم..
- هيهات يا حلوتي... انتهت أيامي وسأموت عما قريب... سيأتون إليّ ذات يوم لتفكيكي ورمي حيث النفايات... أما أنت فجميلة الكل هنا... لا تقلقِ فلا أحد يفوقك شموخاً....
- لا.. لا... أريدك أنت أيها الهاتف العجوز ... أصبح المكان مخضراً وهناك الكثير من الصديقات الآن ... بربك قل لي من مثلك أنت؟!!!
قال بصوت مملوء بالحسرة: ليتهم يفهمون ... هولاء البشر الحثالة .. أستبدلوني بآلات سخيفة تُحمل باليد وتتواصل فيما بينها ... أنا .... أنا .... كنت أداريهم وأخبئهم في حضني إلى ينهي أحدهم مكالمته، أواسي الحزين منهم و المهموم.. وأفرح للسعيد وأكاد أزغرد للعريس حين يدخل هنا ويغلق بابي ليناجي عروسه والآن .... الآن تحت مسمى التطور هجروني... تخيلي حتى أطفالهم لا يقتربون مني الآن... صرت خردة بالفعل في نظرهم...
- صديقي .... صديقي .... هوّن عليك ...
بكى الهاتف بألم واهتزت حنجرته المتشققة...
منذ سنوات لم يدخل خوفي رنين قطعة معدنية ...
منذ سنوات لم يلمسني بشر ولم يحرك سماعتي شيء سوى الهواء الساخر...
لم أسمع صوتي... صوت رنيني منذ سنوات طوال.. لقد فقدت حنجرتي حاسة الصوت الجميل المرتل ... هجروني يا نخلتي .... ما أصعب الهجرااان
بكت لبكائه النخلة، أطلق نظره للسماء مطولاً ونظر لصديقته مجدداً وقال لها : وداعاً... وداعاً لا لقاء بعده....
وهوى برأسه للأسفل فمالت الكابية كلها وسقطت سماعته تهتز بسلكها الزمبركي .. لا إلى الأرض وصلت ولا إلى مكانها رجعت...
شهقت النخلة وعلا صوت نحيبها على فقدانها أنيسها الوفي منذ الزمن الجميل وأهتزت أغصانها بكاءً فتساقط بعض الرطب على سقف الكابينة: أرجوك استيقط أيها العزيز ... أرجوك استيقظ .... أرجوك.
انتبه لسقوط الرطب عامل بسيط كان ماراً بجوارهما اقترب يلتقط بعض الرطب ودخل كابينة الهاتف... أمسك بالسماعة المتأرجحة ووضعها على أذنه يتحسس نبضها لكنها فارقت الحياة... مرر بيده على أرقام الهاتف التي تكاد لا تبين ورفع بيده الأخرى هاتفه المحمول الذكي وأجرى اتصالاً...
سمعته النخلة يقول: نعم.. نعم ... هنا كابينة هاتف معطلة... حسناً سأرسل لكم الموقع لإزالتها... لا شكرا على واجب..
رفعت النخلة قامتها للسماء حزينة تناشدها وقالت: ما أعجلك على موتك أيها الهاتف العجوز.. تحققت أمنيتك أخيراً بزيارة شخص لك ليس للاتصال كما حلمت بل لإزالتك من الوجود كأنك لم تكن قط... دمعت أوراقها قائلة: حقّاً صدقت... وداعاً لا لقاء بعده.
دمتم بخير
تحياتي : سمراء النيل(د. سلمى النور)  

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق