الثلاثاء، 29 أكتوبر 2019

السوداء الخبيثة

السوداء الخبيثة

كغجرية هي .... متمردة .... فخورة بلونها الأسود أغلب الأحيان....
كلما زاد سوادها.. زاد مرارها... زاد حبها وعشقها... وازدادت هي طغيانا وتحكما وأنوثة وازددت أنا ضعفا وهياما وتعلقا بها...
هي معادلة صعبة.... تقلب المزاج بين مكوناتها...
فهناك من خطبها أول مرة ورضي بها مع السكر...
وهناك من رضي بها معاشرة الحليب والمبيض...
وهناك من استفرد بها مع حبة شوكولا أو حلوى كراميل...
غريبة هي في درجة تحملها للمآسي والأحزان...
قوية هي في تقبل جميع خياراتنا بقوة عزم لا تلين...
لا أعرف كيف أصفها لكم..!!
سوى أنها تسقطك في فخها وشركها المحكم.... تكون حمقاء نكراء يجانبها الصواب و حب الانتقام إذا قررت الابتعاد عنها...
هنا تنقلب ويتحول كل حبها لغيرة قاتلة وصراع رهيب قد تركع عند قدميها طالبا المزيد.... ترجو مصالحتها وعفوها انقاذا لدماغك الصغير الذي استعبدته منذ الرشفة الأولى...
أتذكر...؟؟؟
لكم أحببتها منذ صغري وأنا أراها تسعد أمي وصديقاتها وكذلك في حضرة أبي أحيانا...
أراهما سعيدين معها ومن هنا بدأ حبي السري لها...
كنت أتلصص وأراقب وجوه الحاضرين وهم يحملون فناجينهم وأكوابهم ليتذوقوا الرشفة الأولى...
هنا سكرتهم الأولى... أراقب تحرك الشفاه وأتخيل دوران لسانهم داخل أفواههم المغلقة....
بِمَ يحسون يا تري؟؟؟
ولم تسكرهم رائحتها.. وتعلو أصواتهم بمدحها أو ذمها ويعلو لغطهم في محاولة تصنيفها أو تقييمها...
هي معشوقة الكل... حين كبرت قليلا كنت العاشق الذي طال انتظاره وفي وقت القبلة الأولى والجميع حضور ... ابتلعت الرشفة المحرمة علي منذ كنت طفلا
وكل شيء انهار حولي فجأة ....
(أنها مُّرة) هكذا نطقت في وجوههم ضحك الجميع وتساءلت عيناي تستنطقهم الجواب...
كنت أود القيء وإخراجها من فمي لولا صراخ أحدهم... ابلع قهوتك يا ولد... ستعتاد على الأمر .... ابتلعتها وأدركت أنها خطيئتي الأولى في مشوار استسلامي لغواية القهوة لنا نحن البشر...
من وقتها وأنا أحاول محاربتها لإنقاذ البشرية من حكمها وتحكمها لكني ما ألبث أن أعود جاثيا ارتشفها بعصبية لعينة...
ذات ليلة جمعت حبات منها ( بنات القهوة) ممن كنّ يتهيأن ليمارسن الحب والبغاء ... اعتقلتهن في المطبخ قبل حدوث الجريمة المتوقعة وبعد حديثي المستفيض لهن... علهَّن يتُبّن عن أخطائهن فباب التوبة مفتوح .... أرجوكن
حررن الإنسانية من عبوديتكن ... ارحموا ما بقي من عقول فتية لم تعرفك بعد... 
 دعوا الأجنة في بطون أمهاتها... لا تتسربن إليها.... أتوسل لكنّ...
ظهرت عينان كحيلتان ساحرتان على وجه القهوة التي تغلي أمامي فوق موقد الغاز وبنظرة صارمة قالت لي: أيها الأحمق المسكين منذ خلقت وأنت تحت رحمتي... أنا إلهك المختار... أنت من صنعتني فهنيئا لك بي ...
أنا لست سوى عاهرة فاجرة في خصومتي ... رقيقة صادقة مخلصة في حبي لكم...
أتذكر مراقبتك لي منذ صغرك خلف الأبواب تسرق النظر لوالديك أو للضيوف حين يطلبون حضوري شخصيا ويسارعون لمد أيديهم للطاولة طمعا فيّ أنا ..
أشعر بمدى التساؤل الذي يعتريك ويحيرك إلى أن قررت المغامرة لكنك جبنت ولم تسرقني بل توسلت لأمك لتضعني في فمك الصغير... أيها الطفل الجبان.. أتذكر تعابير فمك المضحكة عندما تذوقتني على الرغم من مرارتي فقد عشقتني حينئذ وأنا أعرف عشاقي جيدا... لم يجبرك أحد على اتمام كوبك المرير لكنه الحب الأول أيها المعاند... ارح رأسك الصغير من التفكير والتحرير وبلهجة حادة أضافت:
أكمل عملك يا صغيري واحملني للضيوف وإياك ثم إياك أن تعود لمثل هذا اللغو العقيم ... أفهمت
هيا... هيا .... أضافت نبرة غاضبة جعلتني في خلال دقيقة واحدة احملها الصالة حيث استلمت القهوة المكان وارتفعت رائحتها في الجو ناشرة سطوتها التي لا تقهر....
دمتم بخيردوماً...
سمراء النيل (د.سلمى النور)

الأحد، 27 أكتوبر 2019

يوم جميل


يوم جميل

في يوم السبت الموافق 12/10/2019 دخلت مركز الآثار بمنطقة مليحة بصبحة أسرتي والسعادة تغمرني حيث  كان الاحتفال بجائزة مليحة الأدبية…
المكان... الأجواء… الإضاءة…. بالإضافة للعشاء الفاخر كلها جزء من فرحة ولدت بعد ضيق…
كنت الفائزة الوحيدة في مجال الرواية عن رواية (وابتسمت مليحة) حيث حجبت لجنة التحكيم المركزين الأول والثالث…
مما دفع بالصحفية سلمى العالم من صحيفة الرؤية بعنونة  مقالها : «وابتسمت» تنقذ حضور الرواية في «مليحة الأدبية»
حضر حفل توزيع الجوائز مدير الجامعة القاسمية الدكتور رشاد سالم، مدير مكتب معهد الشارقة للتراث في الذيد محمد سالم بن هويدن، مدير قناة الوسطى التابعة لهيئة الشارقة للإذاعة والتلفزيون سعيد بن فاضل الكتبي، رئيس مجلس إدارة نادي الذيد الثقافي الرياضي سالم بن محمد بن هويدن، رئيس مجلس أمناء جائزة مليحة الأدبية الدكتور محمد حمدان بن جرش، وأعضاء مجلس إدارة نادي مليحة ومجلس أمناء الجائزة.

The clouds told me a secret we will live forever

هذه العبارة كانت تواجهه الجميع وتنظر إلينا مخبرة بحقيقة نخافها بل ننكرها كلنا…
نعم فالموت والحياة مراحل أبدية.. فلا انتهاء لأرواحنا ولا ابتداء لأجسادنا فنحن ندور في حلقة مكتملة...
فلنرح أنفسنا من التيه والوهم الذي ما فتئ يطل ليثر دوامة ندور فيها فلا نصل لشيء حقيقي نتمسك به... 
كان لنا شرف الحضور ورؤية أناس رائعين، مميزين....
الشكر موصول للقائمين على المسابقة، الحفل، الحضور المميز، وعائلتي وأصدقاء سمراء النيل الذين أحببت أن أشاركهم فرحتي ….
دمتم بخير دوماً...
سمراء النيل (د. سلمى النور)




الثلاثاء، 1 أكتوبر 2019

الوداع

الوداع

رفع رأسه للسماء وأعاده للأرض حزيناً تنهد بعمق لدرجة أن السماعة ارتجفت في حضن الهاتف.... بعد تأمل عميق قال للنخلة صديقته: لم أعد كما كنت..
 كانت تدرك هذه الحقيقة لكن منظر صديقها البائس يؤلمها أكثر  فقالت له:  لا تقول مثل هذا الكلام مازال البعض بحاجة إليك.
 تأمل نفسه قشور الطلاء هنا وهناك، أرقامه التي لا تكاد تبين، وسلك سماعته الهزيل، وجدرانه المهترئة، نفرت من مفتاح التشغيل دمعة رغما عنه وقال:  لقد انتهت حقا لم يعد هناك ما يمكنني تقديمه.
مالت النخلة بجواره هامسة: صديقي العزيز … أنت هنا من أكثر من أربعين عاماً.
ابتسم بضعف: لا يا صديقتي لقد كبرت وصرت غريبا عن المكان.... لا شيء يشبهني هنا.
 رفعت رأسها للسماء ونظرت حولها قائلة: الآن تغيرت ملامح الطريق بالأمس كان قاحلاً وكنت وحيدة هنا، بعد أن زرعوا أخواتي بعيد عني، كنت أشعر بالخوف.. واقفة هنا.. أحرس المكانة ليل نهار... بلا أنيس... إلى أن أهداك القدر لي...  ما زلت أذكر حين أتيت بصحبة مهندسين وبعض العمال... كاد الفضول يقتلني بعد أن ركبوك وثبتوك... كنت أرقبهم بصمت... يا ترى ما هذا الشيء المستطيل الوقف أمامي... هل ستبقى هنا طويلاً؟!!
 ضحك الهاتف و قال: آآآه ... ذكرتني تلك الأيام ....أيام ولادتي.... ولم أصدر صوتا حتى...
- نعم... نعم... أذكر أولئك العمال والمهندسين ظلوا يزورونك لمدة أسبوع كامل إلى أن أطلقت أول نغمة اتصال...
- هههه... أضحكتني ... نعم.. كان فرحتهم عظيمة بتشغيلي أنا .. أول كابينة اتصال هاتفي في المنطقة.
- كنت سعيداً وأنا خائفة منك ... فما كنت أتوقع يوماً أن يجاورني هاتف ، لطالما حلمت بأشجار وكائنات حية تزورني.
- عندك حق... لكني أحببتك من النظرة الأولى ... طويلة وحانية ، كثيراً ما ألقيت عليّ من ظلّك وحميتني...
- أنت جلبت الكثير من الأشخاص والإزعاج ..... أتذكر!!!
- بالطبع ... ماذا ظننت ... أنا كابينة هاتف لابد لي من العمل ليل نهار ... وأنت تحبين الهدوء يا عزيزتي.
- كنت أراقبك دائما حيت تطول طوابير البشر في انتظار دورهم للاتصال داخلك...
- ياااااااه ... أيتها الصديقة لو تدركين كم سمعت من أسرار وكم شاركت في قصص الغرام وحتى في أحزانهم ذرفت أدمعي قبلهم ... لي عند كل واحد منهم قصص ومشاركات جمة.
- لقد احتملت الكثير يا صديقي العزيز... أنت مهم للغاية..
- كنت يا نخلتي .... كنت مهما ذات يوم...
- لا تقل هذا..لا تيأس أرجوك... سيعودون ذات يوم للاتصال بك ... سيعود مجدك القديم..
- هيهات يا حلوتي... انتهت أيامي وسأموت عما قريب... سيأتون إليّ ذات يوم لتفكيكي ورمي حيث النفايات... أما أنت فجميلة الكل هنا... لا تقلقِ فلا أحد يفوقك شموخاً....
- لا.. لا... أريدك أنت أيها الهاتف العجوز ... أصبح المكان مخضراً وهناك الكثير من الصديقات الآن ... بربك قل لي من مثلك أنت؟!!!
قال بصوت مملوء بالحسرة: ليتهم يفهمون ... هولاء البشر الحثالة .. أستبدلوني بآلات سخيفة تُحمل باليد وتتواصل فيما بينها ... أنا .... أنا .... كنت أداريهم وأخبئهم في حضني إلى ينهي أحدهم مكالمته، أواسي الحزين منهم و المهموم.. وأفرح للسعيد وأكاد أزغرد للعريس حين يدخل هنا ويغلق بابي ليناجي عروسه والآن .... الآن تحت مسمى التطور هجروني... تخيلي حتى أطفالهم لا يقتربون مني الآن... صرت خردة بالفعل في نظرهم...
- صديقي .... صديقي .... هوّن عليك ...
بكى الهاتف بألم واهتزت حنجرته المتشققة...
منذ سنوات لم يدخل خوفي رنين قطعة معدنية ...
منذ سنوات لم يلمسني بشر ولم يحرك سماعتي شيء سوى الهواء الساخر...
لم أسمع صوتي... صوت رنيني منذ سنوات طوال.. لقد فقدت حنجرتي حاسة الصوت الجميل المرتل ... هجروني يا نخلتي .... ما أصعب الهجرااان
بكت لبكائه النخلة، أطلق نظره للسماء مطولاً ونظر لصديقته مجدداً وقال لها : وداعاً... وداعاً لا لقاء بعده....
وهوى برأسه للأسفل فمالت الكابية كلها وسقطت سماعته تهتز بسلكها الزمبركي .. لا إلى الأرض وصلت ولا إلى مكانها رجعت...
شهقت النخلة وعلا صوت نحيبها على فقدانها أنيسها الوفي منذ الزمن الجميل وأهتزت أغصانها بكاءً فتساقط بعض الرطب على سقف الكابينة: أرجوك استيقط أيها العزيز ... أرجوك استيقظ .... أرجوك.
انتبه لسقوط الرطب عامل بسيط كان ماراً بجوارهما اقترب يلتقط بعض الرطب ودخل كابينة الهاتف... أمسك بالسماعة المتأرجحة ووضعها على أذنه يتحسس نبضها لكنها فارقت الحياة... مرر بيده على أرقام الهاتف التي تكاد لا تبين ورفع بيده الأخرى هاتفه المحمول الذكي وأجرى اتصالاً...
سمعته النخلة يقول: نعم.. نعم ... هنا كابينة هاتف معطلة... حسناً سأرسل لكم الموقع لإزالتها... لا شكرا على واجب..
رفعت النخلة قامتها للسماء حزينة تناشدها وقالت: ما أعجلك على موتك أيها الهاتف العجوز.. تحققت أمنيتك أخيراً بزيارة شخص لك ليس للاتصال كما حلمت بل لإزالتك من الوجود كأنك لم تكن قط... دمعت أوراقها قائلة: حقّاً صدقت... وداعاً لا لقاء بعده.
دمتم بخير
تحياتي : سمراء النيل(د. سلمى النور)