الجمعة، 20 سبتمبر 2019

أطلق يدي


أطلق يديّ


( يدخل الأب البيت ليجد زوجته تجلس على أريكة ممتدة مرتدية ردائها الطويل وعباءتها جاهزة كأنها تهم بالخروج، بجوارها حوض أسماك الزينة تنقر عليه بأصابعها في توتر)
الأب:  السلام عليكم
 الأم:  وعليكم السلام... فيم التأخير يا أبو صالح
 الأب (بتأفف):  ألا يحق لي الخروج ولو قليلا
 الأم (بغضب):  أي قليل هذا وأنت تقضي جُلَّ يومك بالخارج مع أصدقائك
 الأب:  ألا يحق لي الترفيه قليلا، أم أنني عبد ذليل لكم وتلبية احتياجاتكم
 الأم:  كل يوم يا مفتري... تتركني أنا حبيسة بيتك وأبنائك
الأب (يرفع يديه):  إنك امرأة جاحدة ناكرة
 الأم (مصدومة): أنا جاحدة يا رجل.. كيف ذلك؟
 الأب: نعم... نعم
 (يقترب منها تريد أن تنهض وتواجهه تتذكر كلام الخبيرة الأسرية التي ذهبت إليها لتنصحها،  تغير الأم رأيها تظل جالسة على الكرسي ...الأب يجلس بعصبية على نفس الأريكة)
 الأم (تنزوي  في زاويتها):  اسمعنى يا أبا صالح أود الخروج الآن  لاجتماع صديقاتي … أنت تعرفهن
 الأب:  نعم نعم …. سيتأخر الوقت لحين عودتك
 الأم:  لا لا لا....لن  أتأخر كل شيء جاهز... عشائك... صالح ولينا كل في غرفته
 الأب (مستنكرا): صالح في غرفته؟!!
 الأم:  منذ أن اشتريت له  جهاز البلاي استيشن وهو أسير لهذا الجهاز اللعين.
  الأب:  وماذا أفعل لك يا امرأة... اشتريته كي أريحك منه ومن المشاكل التي كان يجلبها لك كلما لعب مع أطفال الحي
الأم (بحزن): أتصدق إني افتقدته، أصبحت لا أراه،  حتى طعامه يأخذ صحنه ويدخل به لغرفته هذا إن قرصه الجوع أصلا
 الأب (متعجب يضرب كفا بكف):  عجيب أمرك... أنا لا أفهمك
 الأم تنهض وتوجه كلامها لحوض الأسماك: ابني صالح عنيد.. على الأقل كان طبيعيا يلهو مع أطفال الحي... صحيح إنه يجلب المشاكل لكن ذلك أفضل من إدمانه على ذاك الجهاز وألعابه
 الأب:  أهناك حل في رأيك؟
 الأم (تلتفت للأب): نعم... أطلق عقله من تحكم وعبث تلكم الألعاب
الأب:  وماذا بعد..؟  سيعود الشجار مع أخته لينا والجيران و معي أيضا... ذاك الابن عاق
( تدخل لينا مرتديه ملابس فاضحة واضعة مكياج ثقيل)
 لينا (بسرعة): أمي أمي إني خارجة
 الأب مصدوم: الآن و بهذا المنظر
 لينا:  هل نسيت موعد خروجي الذي أخبرتكم عنه بالأمس... إنه عيد ميلاد صديقتي
 الأم( تشير إليها):  انظر إلى هذه المتمردة
 لينا ( بغضب): لست كذلك
 لينا (  مستفزة الأم):  أتريديني  أن أكون مثلك... أسيرة البيت وأحاديث الجدران...  ولا أخرج إلا بعد مفاوضات طويلة يا أمي... أريد أن أكون حرة
 الأم( بغضب): احترمي نفسك
 الأب( بهدوء مفتعل):  لينا عودي لغرفتك
 لينا ( معترضة):  لا لا…  سأتأخر
 الأب مهددا:  عودي وإلا…...؟
(  لينا تخرج غاضبه) 
الأب ينهض من مكانه متجها للأم
 الأب:  ما الذي يحدث لابنائنا…  لم التمرد…  لم السخط؟؟
 الأم : آآآآه .... لو سمعت شجارهم إنهما اثنان فقط يعدلان ألفي طفل
الأب: أعانك الله يا عزيزتي
الأم (تخلع عباءتها متراجعة عن الخروج)
 الأب:  اخرجي أن أردت ….  لا بأس
 الأم: لا لا…  فقدت رغبتي…  ابنتك تريد الخروج ما ردك
( تجلس على الأريكة مجددا، يتوجه الاب يفصل جهاز الانترنت من الكهرباء،  يعود ليجلس بجوار الأم و يمسك يدها)
  الأب:  لا تقلقي..  سأواجه معك كل شيء…  سنتعاون على الولدين.
( يدخل صالح ولينا فزعين)
 صالح ( يتلفت حوله ): ماذا حدث جهازي توقف عن العمل
 لينا:  نعم و هاتفي ايضا
 صالح( يسرع  لمكان الانترنت ويجد السلك مفصول):  يا الهي من يرتكب هذا الفعل الشنيع
الأب: أنا يا صالح... ومنذ اليوم سأقلل خروجي لأجلس معكم أكثر
لينا: غريب أمرك ومن يفتقدك أساسا….  ربما أمي... اجلس معها وأترك لنا حياتنا
 الأم:  تأدبِ يا لينا
 صالح( يحاول ارجاع السلك):  لا عليك يا لينا سأرجع النت وأعود إلى غرفتي وأنت كذلك أريحي رأسك
 لينا( معترضة):  لا لا أنا لدي حفلة.. عليّ الذهاب
 الأم: كُفا عن ذلك…. الكلمة لوالدكما
 الأب: من اليوم سأقلل ساعات الانترنت في هذا البيت
صالح( يلتفت لينا ): أهو جاد فيما يقول أم يمزح؟؟
 الأم( مؤيده):  إنه جاد... سنجتمع  نتناول الطعام معا ..نتسامر و نتحدث معا
 لينا (  بغضب):  لا أريد... فقط دعوني وشأني
 صالح: أنا أيضا أريد حريتي…  دعونا وشأننا
 الأم( سعيدة بتدخل والدهم أخيرا): هو والدكم... صاحب الكلمة سواء أعجبكم ذلك أم لا...
 لينا:  لا لا لا
 صالح:  لا لا لا
 الأب( ينهض غاضبا): عليكما لعنة الله…  أيها العاقين
 (الأب يرفع يده لضربهما ،  فجأة يتحرك حوض السمك ويهتز بقوه التفت الجميع إليه،  تعم الضجة المكان، تخرج السمكة من حوضها تتضخم لتصل إلى ارتفاع متر ونصف)
 السمكة:  أيها الانسان لا تكن جشعا…..  لم الاقتتال والصراع بينكم….  قد خلقتم أحرارا….  بإرادة حره من قبس الرحمن….  أبيتم إلا أن تكبلوا أنفسكم بقيود وهمية ….
كبلتم  حيوانات  أخرى مثلنا….  فلم نعترض بل تأقلمنا و عشنا بسلام …. ففيم الخلاف؟؟؟
( ينظر إليها صالح ببلاهة غير مدرك في حين بدت الأم خائفة محتمية بالأب، تقدمت لينا غير مبالية)
لينا: هيه .. أنت أيتها السمكة إذا كنت سعيدة..راضية  لما خرجت الآن من بيتك
 السمكة:  حواركم كثير.. مزعج.. ممل ،  أزعجتمونا ونحن في الماء،  لا أدري كيف تتحملون بعضكم
 لينا (تقترب من السمكة بلا خوف):  أصدقيني أيتها السمكة ألا تشتهين حريتك... و تعودي للبحر حيث اللهو والاتساع
السمكة( تتلفت حولها مبهورة):  أين أنا ؟؟ أين حوضي .. أين الماء أين البحر ....آآآآه منك أيها البحر البعيد
 لينا( تلمع عينيها بخبث): أيتها السمكة كوني صريحة ألا تحبين الحرية
 السمكة:  سلام عليك أيها البحر البعيد
 تسقط سريعا على الأرض و يتقلص حجمها لتعود لحجمها الطبيعي
( يحملق صالح في السمكة الميتة ثم يخرج مسرعا ويدخل صارخا): أمي.. أبي.. لينا.. لقد مات الطائر في غرفتي أيضا داخل قفصه الحديدي…  أمي مات طائري
الأب: أمات الآن ؟
صالح: لا لا ..يبدو ميتا منذ مدة ..أتراه مات ضجرا حين انشغلت عنه بجهازي … أم مات حزنا ….كنت ألعب كثيرا أحاول تحرير الممالك وقيادة الجيوش … الجميع يبحث عن الحرية الضائعة إنها كالفردوس المفقود لن يجده أحده ….
لينا : اسكت يا أحمق … مات طائرك من الجوع فلم تتطعمه منذ أكثر من شهر
إظلام
مع تحياتي

(سمراء النيل( د. سلمى النور 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق