الخميس، 19 سبتمبر 2019

بحث وسعي


بحث وسعى

بعد صعودي الطائرة عائدة حيث إقامتي وبعد أخفضت  الطائرة إضاءتها وغرق أغلب الركاب في النوم اللذيذ…
على غيري عادتي في السفر جفاني النوم في تلك الرحلة، ولحسن حظ صغيرتي ظلَّ الكرسي الملاصق لي فارغا بعد إقلاع الطائرة، خذلني راكبي المجهول.. جاري الغريب... قد وضعت له أو لها عدد من التصور، تعارف، حوار، صداقة قد تمتد أو تنتهي بمجرد الهبوط...
أسئلة كثيرة أجابها الغياب حيث كان المقعد فارغا فانتقلت إليه تاركة الكرسيين المجاورين والنافذة لصغيرتي تنام حينا وتلهو عند النافذة أحيانا محاولة تحديد أبعاد الأفق السماوي أمام ناظريها..
 أصررت كثيرا على تناول السحب البيضاء لأنها ستكون باردة ولذيذة ومذاقها مرة حلو ومرة مالح على نفس السحابة المسكينة... لم أفلح في إقناعها إلى أن غلبها النوم فاسترحت أنا من باقي الأسئلة العجيبة..
 فرحت بالهدوء الذي  أحاطني و سرحت قليلا أو  لنقل لم أبدأ التفكير بعد حين شدت انتباهي طفلة في مثل عمر ابنتي تذرع ممر الطائرة ذهابا وايابا.. مرة زحفا على أرضية الممر، وتارة تمشي تتأمل الوجوه...
أولئك النائمون لا يأبهون لمن يحدق فيهم أما نحن المستيقظون يا سوء حظنا معها….  تقترب من أحدهم  تحملق فيه إذا نظر إليها سارعت بالعودة إلى مقعدها في الأمام.. تختبئ لثواني قبل أن تعاود استكشاف راكب آخر، كنت أتابعها وابتسم أما المضيفات فلم تشتكي إحداهن...
ملّت سريعا من الركاب وعكفت على أرضية الطائرة تبحث عن شيء ما بالتأكيد ليس لها لأن مقعدها يستحيل أن يكون الممر..
هذه الفضولية الصغيرة تزحف وتدقق في الأرضية اقتربت مني جاثية تبحث وتساءلت أنا بصمت يا ترى هل ما تبحث عنه يستحق كل هذا التعب والجهد… هذه الشقية لم ترتاح ساعة ولم تنم كباقي الاطفال…
أنقل بصري بينها وبين صغيرتي النائمة.. يا ترى من منهما على حق الباحثة أم النائمة..؟؟
 أعطاها أحد الركاب بسكويت قضمتها بسعادة بالغة وسعِدت لأجلها لأني اعتقدت أن رحلة البحث انتهت بشكل جيد.... لكنها عادت من جديد.
 يا ترى ما السر المختبئ تحت المقاعد ويرفض الظهور...؟؟
هل صحيح أن نجري ونركض في رحلة حياتنا باحثين عمّا ينقصنا أم أن بعض الموت المؤقت مفيد لنا...؟
 أحببت مثابرتها وتذكرت أنفسنا ونحن نجاهد في حياتنا ويطل الشبح الخوف  ليزرع بذور الشك فينا ويسألنا فجاة:  ماذا لو فشلت…...؟ ماذا لو أخطأت طريقك مسبقاً وتوحلت فيه...؟
 ماذا لو لم تجد ما تبحث عنه..؟
ماذا لو ضاعت يا ابن آدم أيام عمرك البسيطة سدى …  ماذا سيحدث؟
 ركزت علي الصغيرة وتمنيت من أعماقي أن تجد مفقودها... لعلني أصل إلى مفقودي قبل انتهاء رحلتي الأرضية
لكل منا بحث عليه أن يكمله ويسلمه قبل قضاء فترته... وهو حر  في اختياراته كلها سواء أراد النوم والتراخي والكسل أو البحث و الاستمرار والمتابعة....
 رحلتنا جميعا سواء على الأقل في هذا الكوكب إن عثرنا على الكنز المختبئ فينا أم لا..؟
 فسنتركه خلفنا ليعثر عليه غيرنا ويكمل المسير
أين طريقي إذن؟؟ إذا أدركت أين أنا الآن… سأعرف أين طريقي ...وكم تبقى لي ....
ويبقى السؤال المهم حقاً:  حسنا هل سيكفيني الوقت...لأصل...؟
 حقيقة:
 لا يهم إذا وصلت أم لا
المهم هو سعيك وبحثك كهذه الطفلة السعيدة على أرضية الطائرة هي تبحث ولا يؤرقها إن لم  تجد شيئا واكتفت بالبسكويت العابر
 عليك أن تسعى لا يضّرك طول المسير "  الطريق واضح ، والحق لائح، والداعي قد أسمع ، فما التحير بعد هذا إلا من العمى"
تذكرت مقولة الإمام البلخي وحاولت تذكر مقولة أخرى له لكن صوت الكابتن أعاد عقلي ليعلن عن اجراءات هبوط  الطائرة... أسرعت الصغيرة لحضن والدتها وظلت هناك....
 ولم أراها إلا في المطار محمولة على الأكتاف بعد أن غلبها النوم...
 ذهبت نائمة فيما الجميع يسيرون مستيقظين فرحين بسلامة الوصول...
 دمتم بخير..
 تحياتي: سمراء النيل( د. سلمى النور)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق