الاثنين، 29 يوليو 2019

نظرات


نظرات

 قلت لأختي:  انظري هناك
 أشرت لذلك الرجل الذي كان يرتدي جلبابا مخطط بنصف أكمام  قائلة:  هذا الرجل... نعم إنه مدمن  مخدرات
 تعجبتْ قائلة:  أتقصدين ذاك الذي يجلس بجوار امرأه ترتدي عباءة سوداء
 أومأت برأسي موافقة
 - لا أعتقد
 - بل أنا متأكدة... إنه مدمن
 - كيف عرفتِ؟
 - ألا ترين نظراته التي تحدق في اللاشيء،  إن نظرته جامدة باهتة ضائعة مثل روحه التي فقدها... هو هنا بجوارها جسد خواء بل هو ميت حقا... ألا ترين إنه لا يتحدث ولا يعلق ولا يشير إلى أي شيء... إنه لا يتجاوب برغم أن لسانها لا يساوره التعب.
 هو يحدق في الفراغ الذي يملأ المكان ... قد يرى شخوصا لا نراها... وقد يحادث الجنّ إذا أراد... ربما كان يسرح منها في فضاء الملكوت... يرى ما لا نرى، ينتقل بين الأزمنة... حرر عقله وانطلق لحدود لا يمكننا ادراكها...
 رأيت وجه أختي المتعجب الحائر لكني تجاهلتها مكملة قولي:  هذا المدمن المسكين باع روحه لشياطين الأنس التي ربحت بينما خسر هذا المسكين عالمه... هو لا يدري أن عالمه الاجتماعي أو الأسرى أو العملي يتداعى حوله...
  
هو لا يعلم إنه أضحى أسير عوالمه المشؤومة مع إني لا أنكر أن فيها لذة ونشوة تستحق عناء التجربة حين وقع في الفخ لأول مرة.
 الآن هو أسير مخدر قوي لا يستطيع الفكاك... يبحث بعينيه عن ذاك المفقود ولن يجده.. ألا تحسين بذلك مثلي؟!!
- هه..  لا أرى سوى رجل صامت بجواره امرأه من المؤكد إنها زوجته ليحتمل منها كل هذه الثرثرة
- هل تعتقدين أنه ينوى الرد؟!
- اذا صمتت قليلا.. لربما فكّر بتحريك لسانه
- حقاً
- أنها أسوأ عادات النساء ...
- غريبة لقد بدا لي المشهد غير ذلك تماماً
- لا تقلقي ...نعم.... فكونهم يجلسون أمام طاولتنا في مطعمنا المفضل فهما بالتأكيد ينتمون إلى عالمنا... هيا لننهض ...
أشارت أختي للنادلة لتأتي بفاتورة طعام الغداء
ابتسمت وقالت :أود أن أعرف ماذا شربت من ورائي لتثور مخيلتك هكذا؟ ذاك المسكين أسير عالم امرأته فقط لاغير...
 - يبدو الآن أنني مدمنة وليس هو قلت ذلك والتقت أعيننا وانفجرنا ضاحكتين ... غادرنا المطعم سريعا ومازال صاحبنا مستمعا صامتا...
دمتم بخير
سمراء النيل(د. سلمى النور)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق