الخميس، 4 يوليو 2019

إرث عينين


إرث عينين

  اقترب منها ونظر لعينيها العسليتين اللتين أبت التنازل من حق التحديق فيه، وهو القادم من بعيد بعد غياب دام خمسة أعوام ووعد طويل قبله بألا يفترقا...
 كانت ترفض أن ترمش عينيها خشية أن تضيع ثانية منها..
 هي تعلم أن وقتها محدود.. قد يطلبها الهاتف في أي وقت
 هو يدري إنها خرجت خلسة بدون إذن والديها..
 هي كانت صامتة وهو كان سيد الحوار والأعذار... شرح لها عن سبب اختفائه المفاجئ، وعن حبها الذي يسكن قلبه منذ الأزل و أنها كانت سيدة قلبه الأولى والأخيرة و...و....و
 هي كانت تفصل بين كل قصة والأخرى برمشة عينيها فقط واحتفظت بلسانها ساكناً...
 يخيل إليه أنه كان يرى تأثر في عينيها، أو ربما لمح مسحة حزن عابرة عدا ذلك كان كل شيء طبيعياً: صوت أنفاسها.. جلستها المستقيمة.. يديها الممسكتين بحقيبتها.. قدميها الناعمتين داخل حذائها العالي الأسود.. هدوئها.. جمود وجهها... كانت الإشارات تصدر فقط من العينين..
 تنهد أخيرا بفرح وقال: أرجو أن تعذريني الآن بعد سماعك حكايتي و تعطيني الفرصة لنبدأ من جديد.
ألقى عبارته هذه كأنما ألقى حملا ثقيلا وعاد يتكأ بظهره على الكرسي الخشبي سعيدا بكل تبريراته وقصصه التي سردها، تناول كوب الماء وشرب ما به دفعة واحدة... وحدق بها يتنظر ردها
 بدا وجهها صامتا أكثر وفجأة رن هاتفها...
 سعيد هو لأنه سيسمع صوتها أخيراً..
 فتحت الهاتف بعد الاستماع للطرف الآخر... أنساب صوتها الدافئ قائلاً: حسنا….. أنا قادمة…. سأكون أمام رياض الأطفال... لأستلم صغيري بعد عشر دقائق... شكراً لك.
 لم يصدق أذنيه للوهلة الأولى.. ابتلع ريقه بصعوبة ونظر لعينيها العميقتين يستنطقهما الجواب....
فما كان منها إلا أن ارتدت نظارتها الشمسية وحملت حقيبتها وغادرت بصمتها... تاركة  له أحلام يتيمة... وفرحة مبتورة... وذكرى أليمة... يعيش معها... هي نفس التركة (الأرث )الذي تركه لها يوما ما...
 دمتم بخير...
 مع تحيات سمراء النيل: (د. سلمى النور)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق