الأحد، 16 يونيو 2019

الأكلة المحرمة


                         الأكلة المحرمة

 هل تعرف ماهي الأكلة المحرمة؟
هل تناولتها مسبقا أم دعاك أحد بتناولها يوما؟
هل تتذكر مرة أنك تناولت وجبة ما فانفجرت ذاكرتك فجأه بكل مشاعر وضحكات وأحباب شاركوك إياها في ماضي تليد؟
 فتنغص عليك هذه اللقمة المفخخة وتعجز عن التصرف حينها، أتترك مشاعرك تجرك إلى ماضي هذه الوجبة وتعيش بين شخوصها الراحلون.
 أن تبلع لقمتك متظاهرا إنك نجوت من الانفجار وخرجت بطلاً بدون أي شظايا في روحك، و تبتسم لمن قدم لك هذه الدعوة وكأن شيئا لم يحدث بينما تشكك في حقيقة نواياه.
 أقصد جاري وصديقي أو جدة رفيقي الذي عزمتني على وجبة تقليدية وأنا وحيد في بلاد الغربة، أقصد ارباك حقا؟
 ما الذي كانت تعنيه... أكان يريدني حقا أن أعود لوطني.. لأهلي.. لأحبابي الذين فارقتهم وتركتهم في ذاكرتي و تناسيتهم؟؟؟
 لم أدرك يوماً أن للطعام ذاكرة مفخخة .... كوب الحليب الساخن الذي كنت أشربه كل يوم في صغري مرة سعيدا، ومرة تحت تهديد والدتي، هو نفس الكوب الساخن الآن... لكن أين أنا و أين هي أمي؟
 طعم ذاك السمن البلدي الأصيل الذي أحسست به لأول مرة في فمي ولم أستسيغه في لقمتي حين كنت طفلاً لكن جدتي شجعتني وصفقت لي بيديها حين تناولته وكان سببا لشفائي من أزمة ربو والتهاب صدر حاد حينها.
 طعام كثير له نكهته الخاصة ومناسبته المميزة كأول عصير من يد زوجتك، كأول مرة اضطررت فيها للعلق يد صغيرك  التي عاثت لعبا في إناء الشوكولا الذي كان في حمايتك، كلاكما خاف من نتيجة عمله، فأسرعت تلعقها له  كي لا تزيد رفعة الإتساخ على يده والضحك يغمركما وبعد أن انتهى الموفق بسلام عدت تبتسم كلما مررت في المتجر أمام علبة شوكولا سائلة.
اكتشفت أن هذا الطعام الذي نتناوله ما هو سوى عميل لدى الذاكرة وقد باع نفسه منذ زمن طويل قبل النشوء.... صار يعمل لمصلحتها ....
نحن نحب الطعام ويبدو لنا هو كذلك أيضاً،  لكنه في الحقيقة يعمل على ربط الأشخاص، المكان، الأجواء المحيطة، رائحة الطعام كل ذلك وغيره ويرسل بياناته للذاكرة التي تبتسم في خبث مقسمة ألا ينعم ابن آدم براحة قط... تترصده حين يتناول الطعام صدفة وقد مر وقت طويل قبل ذلك لا يذكره.
 هنا تأتي لحظتها المفضلة تخيل معي:  أنك كما قلنا في بلاد غريبة يدعوك زميل على طعام من صنع والدته أو جدته.
 يسألك:  أي طعام تفضل؟
 فترد بخجل: لا شيء محدد... على راحتك.
 تطهو لك طعام شهيا ذو رائحة معتقة بالماضي ... وتبدأ روحك بالارتجاف وتظل في حالة شد و جذب مع الرائحة قبل وصول الطعام وخوضك المعركة الحقيقية التي حاولت الرائحة الوقحة بدأها منفردة...
 أنت تحاول الابتسام ولسانك يقلب الطعام رويدا رويدا....
 تنتصر أنت بابتلاعها، أما هي فقد بدأت معركتها للتو....
 تدعو زميلاتها من اللقمات التي تتناولها تباعا... رأسك يبدأ بالغليان وتدور عبارات كثيرة تسمعها حولك وتتغير الأجواء... تعود للماضي إنه عمي حين زرته يوما وتناولتها معه، صوته يسألني: لما تأخرت علينا... كنا بانتظارك؟؟ وهناك عبارات لوالدك.... أو ذكريات لأختك التي سحبت من يدك الملعقة على غفلة منك، وهناك صغير سكب بعض العصير على ثيابه و علا صوت أمه لتلحقه...
ذكريات كثيرة تنهشك وأنت قابع في مكانك تأكل من الأكلة المحرمة مستسلم ومبتسم ببلاهة لضيوفك.
 قد يغلبك الحنين وتخسر معركتك وتتساقط الدموع ببطء على مرأى الجميع، تخنقك عبرة الذكريات الخائنة... ما بها لو انتظرت حتى المساء لتبدأ الهجوم؟
 لِمَ تتربص بي في كل الأوقات حتى الطعام؟؟
 لتعترف لنفسك أو لدموعك إذا خذلتك.... أن هذا الطعام كان ذات يوم مع أحباب وأصحاب، مع العائلة الكبيرة في حضوري جدي رحمه الله وكان... وكــان....  وغصَّ القلب بالأحزان.
بعد الاعتراف تأخذ نفسك وتهدأ... وتكون هنا فزت بجولة لأنك أضفت الآن نصر هذه المعركة إلى ذكرياتك... وتحرى جيدا قبل تناول أي طعام بينك وبينه ذكريات دفينة.
 أحمد الله إنني أحفظه كثير من الأكلات المحرمة في ذاكرتي وأحملها أينما ذهبت...
 كما أخبرتك مسبقا أن الطعام فخ جيد للذكريات لما فيه من الضحكات والونسات...
 احرصوا على جعلها ذاكرة سعيدة مضحكة لكم...
لتعود إليكم في أحلك اللحظات...
 دمتم بخير..
مع تحيات: سمراء النيل ( د. سلمى النور )

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق