الثلاثاء، 11 يونيو 2019

هو لي .....


هو لي

يظنونه مؤلماً وأنا أراه رحيما بنا، مشفقا علينا من كثرة  بؤسنا وشقائنا... فجاءنا مريحا، مخلصا، محررا لنا.
 أن  تتاح  لك الفرصة مبكراً في التحرر من جسدك الطيني النتن أمر رائع.
 أتستطيع أن تنكر ذلك؟  إذن فسر لي:  لم تستحم كل يوم؟
 لم كل هذه العطور والمستحضرات؟
 بل لماذا اخترع الانسان مزيل العرق من الأساس؟
 وكل الطعام الذي تنهل منه كالحيوان عند جوعك.
 لم كل هذا النهم وأنت تدرك في قرارة نفسك أن اشباعك لهذا الجسد مؤقت لأنه سيعاود طلب الطعام من جديد، لكنك تشبعه على أي حال تمهيدا لتركه في يوم من الأيام في باطن الأرض في الوقت المناسب لرحيلك عنا.
تركه سمينا ممتلأ مشبعا يلائم الكائنات الدقيقة التي تتهافت عليه وتقفز سعيدة بطعام وفير، بينما تسمو أنت نحو العلياء، نحو أفق لم نستطع نحن الماديون حتى الآن محاولة الكشف ولو عن جزء ضئيل من العالم المنتظر.
الموت لا يؤلم الأموات لكنه بوابة الألم للأحياء...
 لاختبار حياة الحنين والشوق والذكريات، لتعيش تحدي جديد لا قبل لك به يسمى: ما بعد رحيلي...
 إذن فالموت موجه لي وليس لتلك الجثة التي تبتسم تحت التراب.
الموت لي أنا التي أبحث في الأرجاء عن عزيز فقدته، وأخذ بقايا الذكريات الهاربة، أن اصطاد صوت الأحبة قبل أن يختفي، أن أسبح ذهابا وإيابا في بحيرة  الدموع  المتسعة علني أجد بعض الصور المخبأة في بؤبؤ العين و اكتشف مدى قدرتي على احتمال ساعات البكاء متواصل.
 الموت  لي لأختبر كل أعضاء جسدي المادي.. أيعقل أن يتحمل عقلي كل ألم الفراق وحده أم إنه سيجبر العينين على البكاء ويطلق النوم والهناء؟
وينطلق الصوت بالعويل والنحيب إلى أن يتلاشي أخيراً.
 قد أجرى للحمام عدة مرات أم أمسك بطني من الألم وتمزق الأحشاء الرهيب؟
 قدماي اللتين تمشيان على وهن هل ستقفان مجدداً أم تنهار ساقطتين وترفضان حملي مجدداً... أم ...وأم
 كيف تفاعلت نفسيا وجسديا مع خبر الموت هذا هو حقيقة الاختبار والتحدي؟!!!
 أيها الموت الرحيم دوما.... أرفق بنا.
 إن لم يحن موعدنا بعد... ورأينا أحبائنا راحلون وعلى دربك الوحيد سائرون تلطف بنا... فإننا ضعفاء وخائفون وطامعون بلحظة وداع وابتسامات ندخرها للزمن حتى يزورنا النسيان ويظل معنا يهدهدنا إلى أن ننام...
أعرف أن الموت لي..... فارفق بي....
 دمتم بخير...
 مع تحيات سمراء النيل (د. سلمى النور)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق