السبت، 4 مايو 2019

قل الحمدلله وكفى

قل الحمد لله وكفى

 بالأمس كان يومه عادياً، حمل والده وآخر عنقوده من أبنائه الخمسة تلك الصغيرة المزعجة التى أصرت على الذهاب معهم، استأذن من الدوام ليأخذ والده لموعد المستشفى الروتيني، مرة كل شيء بسلام لكن نظره ظل يذهب ويجي مراقبا دقائق الساعة، كان مستعجل كعادته كل يوم، لا يستطيع أن يطمئن على شيء، في قلق مستمر...
 فاجأته زوجته باتصال يعقبه إرسال قائمة طويلة لشراء مستلزمات البيت،
 كانت تنتظر فرصة كهذه لتستغلها فهو المهوس دوماً بعمله، تريده اليوم أن يقوم بدورها في شراء المستلزمات وأية مشتريات، إنها التحضيرات لدخول شهر رمضان الفضيل.
 استلم الرسالة التي تدل على أن بيته لم يدخله أكل منذ عام على الأقل و إلا فلم كل هذه الطلبات؟!
 أيعقل أن ينحصر رمضان في موائده وأصنافها؟ أم في الاستعراض والتباهي ما بين الطبق وآنية تقديمه وتزيينه؟
 والأدهى أنه سيشتري كل هذه الأمور التافهة والمرهقة مالياً..
 أنهى مواعيد مستشفى والده على خير وذهب للسوق معه صغيرته التي كانت تقفز فرحا هنا وهناك،  كان غاضبا ساخطا لكنه ما أن توغل في السوق حتى شعر بالدهشة والاستياء معاً، لما كل هذه الزحمة وهل نحن مقبلون على مجاعة؟    
هل أعلنت حكومتنا الطوارئ و طلبت من أفراد المجتمع التهافت على المواد الغذائية وتخزينها تحسب لأمر قادم؟  لم كل هذا الفزع و التدافع؟
ترك التسوق وعاد يتأمل الناس من حوله، نظر لهاتفيه... إلى قائمة الطلبات هو إذا مثلهم، لا يختلف عنهم وليس أرقى منهم طبعا عكس ما كان يعتقد، فكل ما في الأمر هو أن زوجته من تقوم بالمدافعة و المنافسة للشراء بدلاً عنه، لكنه يظل شريك في مثل هذه الجريمة بأمواله.
 كان استياءه يزداد وهو يتابع الناس بعينه ويتأمل قائمة زوجته تارة أخرى، أين كان طوال هذا الوقت؟
 لم ينتبه مرةً ليتحدث إلى زوجته عن أسوء عاداتها  الشرائية، كان يريح رأسه بإعطائها المبلغ الذي تريده، و تعود إليه شاكية من غلاء الأسعار طالبة المزيد وكان يعطيها تجنبا لأي  سبب قد يعكر  صفوة حبيبته.
لقد جنيت على نفسي وعليها كثيرا حتى أبنائنا ما ذنبهم ليفهموا أن رمضان جُعِلَ للتفنن بألوان الطعام والتباهي بها.

لم يقوَ على الشراء أكثر وغادر على عجل بصحبه والده وصغيرته، في طريقه للبيت كان رأسه يعج بالأفكار السلبية إلى أن امتلأ  كثيرا بها و قبل أن يذكر ذلك لأبيه فإذا بحرارة أفكاره تتسرب وتفجّر إطار سيارته بغتة، مما جعله يفقد السيطرة وينحرف يميناً لتدور سيارته ثلاثة دورات كاملة وتستقر أخيراً في جوه من العاصفة الترابية حولها.
 سمع صوت والده يسعل بشدة وصغيرته التي كانت نائمة في الخلف تساءل ببراءة: بابا أريد أن أنام.
 لم تدري ما الذي أيقظها فزعة لتجد نفسها أسفل الكراسي، كان صاحبنا لشدة صدمته يحاول فتح حزام الأمام  من الجهة الخطأ، حاول مرارا لكنه لم يجد المكان الصحيح إلى أن نبهه والده: يا ابني أنه في الجهة الأخرى... لا تقلق كلنا بخير...
 خرجوا جميعا وأتت الشرطة ومازال صاحبنا مذهولا.. كانت ثواني بل ظنّها جزء من ثانية واحدة احتملت كل هذه الانقلابات،  صغيرته التي كان يحملها ويضمها بشدة بين الحين والآخر غير مصدق أنها خرجت سليمة بلا أي خدش يذكر، كانت تبتسم سعيدة وهي ترى أضواء سيارة الشرطة و تأكل حلواها المفضلة.
 صاحبنا كان مدهوشا مصدوما، نامت الصغيرة على كتفه و جال في خاطره كم أن لطف الله عظيم خرجوا سالمين من سيارة شبة محطمة، وما زالت السيارات الأخرى تقف لحادثهم وتسأل وتطمئن عليهم ( أهل الفزعة)
 كان والد هو المتحدث هو الصامد وهو من قام بكل الاجراءات، ووقف يتحدث مع الكل،  تحول فكره حينها لكل الأفكار الايجابية و الأحداث السعيدة التي مرت به ولم يعيرها أي اهتمام من قبل، وأدرك كم أن الله يحبه فوالده بجواره ويساعده في مثل هذه اللحظة، وحين ترقى في عمله، حين أنجبت زوجته بالسلامة وكان الطفل معافى، حين تعرف على أحمد مصادفة وصارا أكثر من أشقاء...
 في أمور كثيرة كانت  سهلة وسلسة وميسرة  كيف لم ينتبه إنها من إشارات حب الله، ولطفه عليه.
 أنه للأسف أعتبرها من المسلمات ونسى حمد الله على نعمه الكثيرة فكل يوم هي فرصة جديدة ولولا لطف الله لكان اليوم يوم عزائه أو في أبيه أو صغيرته.
 في وقفته المفاجئة هذه مع نفسه جعلته يدرك أن الحمد لله يقينا في كل حال
 دمتم بخير
 مع تحيات سمراء النيل (د. سلمى النور )

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق