الاثنين، 27 مايو 2019

محكمة


محكمة

 أسرعت أركض في الأرجاء مصدوم لإعلان الطوارئ المفاجئ في قريتنا، كنت كجميع الصغار لا ندري ماذا نفعل؟
إلى إن انتبهت لنا المشرفة الكبيرة نمولة صاحت فينا: هيا يا صغار النمل من هنا.
انتظمنا بشكل تلقائي و تبعناها بقلق مهرولين خلفها خرجنا معها وتنفسنا الصعداء،  قالت لنا: انتظروا هنا حتى تقل نسبه الماء.
 تحركنا  مبتعدين ومفسحين المجال أمام النمل الكبير للمرور بسهولة ويسر من بوابة المدخل.
يا ترى ما سر هذا الماء المفاجئ الذي انقض على نومنا الهانئ؟
إنها ليست المرة الأولى،  لقد بات يتكرر كثيراً مؤخراً صعدنا على صخرة مرتفعة لنرى قريتنا في أقصى حالات الاستنفار.
 كنا نراقب الموقف وفجأة،  ها قد رأينا الفاعلة الحمقاء، نعم هي صاحبة المنزل تسقي زهورها ولكنها في أحيان كثيرة تجر وبالها علينا وعلى أزهارها بكثرة مائها فيكاد الزرع يذبل، ونكاد نحن نُقتل غرقا بسبب غبائها.
  أتعلمون مرة قبل أسبوع أخبرتنا نملة البيت إنها تشاجرت مع زوجها بصوت عالي مما جعل نمل البيت يخرج من مخبئه ليتابع المعركة مباشرة أمام أعينهم، وحين غادرت الغرفة صفقت الباب بقوة فعاد الجميع لجحره فزعين، يا لها من ضربة تلقاها ذاك الباب المسكين.
 بل يا له من صوت يجعجع لساعات دون كلل!
 يا للزوج المسكين.. يتوجب عليه سماع هذا الكم الهائل من المحاضرات كل يوم.
 كنت أراقب هذا الجمال الثائر  وأتساءل عمّا أغضب ذاك الزوج منها فحسب رواية نملة البيت فقد كانت تلك الزوجة حينئذ ترتدي لباس ناعم لينا يلتصق بها أيما التصاق كانت كالقمر.
أذكر أحيانا إنني كنت أراها من بعيد حزينة تاركة شعرها يعبث به الهواء كيفما شاء، أرمقها و أهيم بها وهي لا تدري إنها سبب شقائي وبلاء عشيرتي.
 كنت اضطر إلى تسلق الحائط لأراها من علوٍ  حيث تمشي بين أزهارها مرتدية ما يكشف عن ساقيها  و قميص أصفر ذو أكمام قصيرة، وأحيانا تضع قبعة القش لتحمي وجهها من لفحة الشمس، أعتقد جازما أن الأشعة هي الأخرى متيمة بها، تقلب وجهها كثيرا لتتجنبها وقد تدخل بيتها مسرعة من حر و وهج الشمس الساطع، وأعود أنا للبيت صامتا مفكرا، نحن لسنا صغار كما يعتقد بعض النمل بل لنا أحاسيس ومشاعر تنبض.  
في غمره انشغال النمل الكبير في إنقاذ ما يمكن إنقاذه من قريتنا فكرت أنا و أصدقائي بعمل بطولي سيسطر على مرآة تاريخ شعب النمل العظيم.
نحن معشر النمل نشفق على بني آدم الذي يقضي أغلب وقته متحسرا على أيامه الخوالي، و متململا من حاضره وواقعه، وقلقا على مستقبله المجهول هو هكذا لا يهدأ له بال ولا يرتاح إلى مزاج.
 أقسم  لو رأيتنا نحن معشر النمل وعشت معنا غارة واحدة لأيقنت بتفاهات عيشك وتفكيرك، ولو قُدّر لك دخول مساكننا لانبهرت من جميل صنعنا وتعجبت من قوه صبرنا وجلدنا.
 ثم بعد كل هذا تأتي بثورة غضبك الأهوج وتحاول إطفائها بالماء بحجة سقاية النباتات لو أنك شربت كأس واحد لكان أفضل لك من سكب الماء هنا وهناك.
نحن لسنا رهن مشاعركم وفي حالة جميلتي المتمردة هذه نراها تسقى بكثرة تكاد تتلف أزهارها، وتضطرنا لحمل متاعنا خارجا لحين جفافه وإعادته للبيت مره أخرى وهي مهمة شاقة ومجهدة و السبب الوحيد هو مزاجية هذه المرأة.
 يا ترى ما الحل؟
تشاورت مع أمثالي ممن قتله عشق هذه الفاتنة علنا نجد حلا،  في بعض الأحيان تجبرك الحياه على خيارات كثيرة بين السيء والأسوأ، فقط حينها تختار ما جُبلت عليه، يجب علينا التضحية لكي تعيش قرية النمل بخير.
 شكلنا فريقين للهجوم علي قدميها العاريتين وتسلقها فنحن نمل مسالم لا نعض لكن يمكننا التسلق لإخافتها ووضع أرواحنا رهن تصرفها فإما الموت بعد السقوط منها على الأرض أو الغرق في قطره ماء أو أن يبتسم لك حظك فتراك ولو للحظة.
وبعد العد التنازلي و حين حانت ساعة الصفر انطلقنا في سباق محموم نتسلق تلك القدم الناعمة ذات الأظفار وردية اللون حاولت الوصول للساق و الصعود لكن الكثيرين ممن سحرتهم الساقين البضتين سقطوا فور محاولاتهم تذوق ساقيها الغاويتين، إلا قلة منا استطعنا ردع تلك الساحرة الجميلة ولفتنا نظرها إلينا وتراجعت للخلف مبتعدة عنا.
 ومن يومها لاحظنا إنها تسقي الزهر على حذر ولم يعد يصلنا سوى بعض الرذاذ المنعكس من ورق الزهر.
قدمت كل حكايتي لكم خلال جلسة المرافعة أمام محكمة النمل بتهمة التسبب بمقتل ما يزيد على مئتين نملة أطاعتني وقبلت فكرتي التي كانت بالأساس تقضي إخافتها ولفت نظرها فقط، أما من خالف أمري وحاول التلصص على الأرجل الناعمة فقد وافته المنية بغتة وقد نجحنا في ذلك، ولا أخفيكم إنني بعد هذه الحادثة سقط عرشها من قلبي للأبد، فما كنت أتوهمه عنها ضاع مع حقيقتها، فإذا أحببت أحداً عاشره والتصق به ليكون لديك سببا كافيا لكرهه والابتعاد عنه، يا ابن ادم كن على حذر فقد يتغير كل شيء في لحظة.... استعد للتغيير القادم لا محالة.
 أرجو منكم إذا رأيتم نملة تمر أمام أعينكم أن تعيروها  انتباهكم و اسألوها عني كيف انتهت محاكمتي؟
هل برئت من تهمة الزج بالنمل في حب غير مشروع، أم أن هيئة المحكمة قبلت عذري وعفت عني؟!!
 "مذكرات مهربة من النملة المعتقلة".
 دمتم بخير
سمراء النيل (د. سلمى النور)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق