الأربعاء، 1 مايو 2019

لأنه أخي


لأنه أخي..

 الأخ أو الأخت هو ذاك الشقيق  الذي تشاركه الطفولة والصبا، قد يضايقك حتى في رحم والدتك في بعض الأحيان، وتعيش سنوات حياتك الأولى وأنت تحاول التخلص منه أو إعداد مكيدة محكمة ليعاقب بدلاً عنك.
 تمضي الطفولة ما بين كر وفر مع أخ واحد أو عدة أخوة، تحاول جاهداً الصمود فيها و الحصول على أكبر قدر من حب والديك، و محاولة لفت أنظار الكل و إثبات قيمة وجودك في بيت يعج بالأطفال كعادة بيوتنا.
وتمضي بك السنون قِدماً لتجلس ذات يوم على كرسي حزيناً منكسراً، دامع الفؤاد، يحيط بك آخرين يقدمون لك التعازي في الفقيد.
 ذاك الشقيق صار الأن فقيد..... يا وجعي... يافجيعتي... يا مصيبتي...
 هو أخي ذلك الذي أقبرته على الرغم مني كان قطعه مني، أخذ الكثير وأنا صغير وعندما غادرني لم يترك لي من نفسي جزءا...
كيف هان عليّ أن أواريه في التراب؟
 كيف استطعت دخول منزله ورؤيته هنا جالسا... هنا ضاحكا... هناك يداعب ابنه... تركني الآن عاريا قبل الأوان.
 كانت تكفيني ابتسامته واحساسي بالأمان لأنه أخي، فكثيراً ما كان يدعوني لمنزله فهو مضياف كعادته، على تلك الطاولة شرب الشاي معنا، لكن هذه الردهة الآن صامدة وصامتة بعد غيابه مثلي.
زوجته التي كنت أراها كأخت لي لم تعد كذلك، فقبل أربعة أشهر كانت محرمة عليّ، الآن تتغير الأوضاع أصبحت كغيرها من النساء متاحة لي، غير مسحت الأحزان التي اكتست بها روحها بعد غياب أخي.
 في بيئتي التي نشأت فيها ينبغي عليك ستر أخيك  حياًّ كان أم ميتاً لذا تقدمت الوفود تقترح عليّ الزواج منها لأعتني بالصغير اليتيم الآن، وأنا لست بالمزواج فكيف أرضى بأرملة أخي.
 قاومت ذاك العرف السخيف الذي يدمر أكثر مما يجب عليه أن يبني، واستطعت الصمود أمام ذلك التيار لأكثر من عام، والذي قيل أنه انطلق بدافع الحنين وتأكيد رابط الأخوة، ثم أنتهى عام الوفود بإعلان أنني لم أكن أعشق ذاك المرحوم ولم أقدره بعد وفاته، مع ذلك كنت سعيدا...
 أنا وزوجتي وكذلك زوجة أخي هي الأخرى ابتسمت سعيدة، راضية بقدرها، عاكفة على تربية ابنها الوحيد.
  ما  أن مضى العمر حتى أرى ذلك الطفل الحابي صار شاباً فتّياً، وهنا تمنيته لابنتي فهو من تربى على يدي، هو ابن الغالي بل أصبح بمرور الوقت الغالي نفسه.
"لا تخلط الأمور" قالتها لي زوجتي وجيراني وحتى أمه، لكني لن أقبل سوى بزواجه من ابنتي.
أيعقل أن أتركه يحضر فتاة غريبة عن قريتنا كوالده الذي تحدى الكل؟ كلا بل يحتم عليّ الواجب أن أبقيه ضمن عائلتنا، هو تربى على يدي فأنا أولى به، أريد حمايته وضمان مستقبله لا أكثر.
 كانت مثل هذه الافكار تعشعش في رأسي، إلى أن جاء ذات يوم وتحدث شاكراً تربيته ومحاولتي الدؤوبة لتعويضه والده، كان صادقاً و صارماً حين ترك لي الخيار حرّاً، إما بمساعدته في الزواج بمن ارتضاها قلبه، أو أنه سيغادرنا وحيداً لبدأ حياته الجديدة.
 وها أنا الآن أزفه أمام الملا وفي قلبي غصة... أنه ابن أخي وهو سعيد لأني عمه الذي يشاركه عرسه، لكنه أحرجني حين عرضت عليه ابنتي، والغريب أن ابنتي كانت أكثر الناس فرحاً و رقصاً في حفلة زواجه.
 حين عدت للبيت وواجهت صورة أخي أخبرته أنني لم أقدر على تزوجهما، لم أقدر أن أتحفظ بابنك قربي.
 ابتسم لي في تلك الصورة  قائلاً لي:  ستظل أخي حتى الممات لا لشيء فعلته، بل لأنك من شاركني نفس الأم و الأب والذكريات، فشكراً لك.
 تنهدت براحة لأنني فعلت الصواب رغم عدم اقتناعي به، لكن الصغيرين الشابين كانا في قمة السعادة.
 ملاحظة: أرجو أن نظل أخوة وأشقاء وأن نبعد أطفالنا عن نظرية تقريب العائلة بالزواج بالإكراه، فهم لسنا نحن و حياتهم ملك لهم، سواء شأنا أم أبينا... فلننصاع لأحلام أطفالنا بدل أن نخسر عائلتنا الكبيرة لسوء الفهم الذي سيأتي مستقبلاً لا محالة....
واللبيب بالإشارة يفهم.. وشكرا لكم.
 دمتم بخير
 مع تحيات سمراء النيل (د. سلمى النور)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق