الأربعاء، 29 مايو 2019

إفطار


إفطار

يغتنم  الناس فرصة رمضان للتلاقي و الزيارة،  ويعد الإفطار أبرز حدث ينتظره الجميع الكبار والصغار على حد سواء، هو أشبه باحتفال مبسط يومي للصائم ومتعة للصغير.
سعدت كثيرا بكوني جزء من إفطار شركة باركر راندل السنوي،  كان الجمع  رائعاً وراقياً كمطعم روض المروج حيث كان اللقاء،  تسامرنا وتحدثنا في مواضيع مختلفة وما زاد الدعوة جمالا اختلاف الأجناس والشخصيات وتباينها وظهور ذاك الانسجام التام بين الحضور، وكم ضحكنا عند توزيع جوائز بطريقة كوميدية جداً ولأسباب مضحكة أكثر.
أحببت أن أشارككم  بأمر أسعدني كثيرا
 من لايشكر  الناس لا يشكر الله.. الشكر الجزيل لهم  
ولكم كل الود والاحترام.... دمتم بخير
سمراء النيل (د. سلمى النور)

الاثنين، 27 مايو 2019

سحاب


سحاب

سحاب من فوقه سحاب، إنها أنوار وألوان متفاوتة تبعثها لنا الطبيعة كل يوم لتؤكد لنا أن شروق الشمس كل يوم ليس اعتياديا، إنما هو أمر استثنائي وهو فرصه لك لتستيقظ تاركا ما كان بالأمس في مكانه، دعه على السرير لا توقظه لا تأخذه معك و لا تفكر فيه حتّى، فأنت الآن في حضرة الأضواء و البهاء وبداية جديدة لروحك قبل جسدك.
 فتنفس مع الصبح... وقل الحمد لله فالفرصة مستمرة وفي الوقت متسع لكل أحلامك وتوقعاتك، فقط احملها بين جنبيك وقل يا رب عليك اتكالي وتحقيق أحلامي فإن أمرك بين الكاف والنون...
وكل صباح وأنتم إلى أحلامكم أقرب
 دمتم بخير......
مع تحيات سمراء النيل (د. سلمى النور)

محكمة


محكمة

 أسرعت أركض في الأرجاء مصدوم لإعلان الطوارئ المفاجئ في قريتنا، كنت كجميع الصغار لا ندري ماذا نفعل؟
إلى إن انتبهت لنا المشرفة الكبيرة نمولة صاحت فينا: هيا يا صغار النمل من هنا.
انتظمنا بشكل تلقائي و تبعناها بقلق مهرولين خلفها خرجنا معها وتنفسنا الصعداء،  قالت لنا: انتظروا هنا حتى تقل نسبه الماء.
 تحركنا  مبتعدين ومفسحين المجال أمام النمل الكبير للمرور بسهولة ويسر من بوابة المدخل.
يا ترى ما سر هذا الماء المفاجئ الذي انقض على نومنا الهانئ؟
إنها ليست المرة الأولى،  لقد بات يتكرر كثيراً مؤخراً صعدنا على صخرة مرتفعة لنرى قريتنا في أقصى حالات الاستنفار.
 كنا نراقب الموقف وفجأة،  ها قد رأينا الفاعلة الحمقاء، نعم هي صاحبة المنزل تسقي زهورها ولكنها في أحيان كثيرة تجر وبالها علينا وعلى أزهارها بكثرة مائها فيكاد الزرع يذبل، ونكاد نحن نُقتل غرقا بسبب غبائها.
  أتعلمون مرة قبل أسبوع أخبرتنا نملة البيت إنها تشاجرت مع زوجها بصوت عالي مما جعل نمل البيت يخرج من مخبئه ليتابع المعركة مباشرة أمام أعينهم، وحين غادرت الغرفة صفقت الباب بقوة فعاد الجميع لجحره فزعين، يا لها من ضربة تلقاها ذاك الباب المسكين.
 بل يا له من صوت يجعجع لساعات دون كلل!
 يا للزوج المسكين.. يتوجب عليه سماع هذا الكم الهائل من المحاضرات كل يوم.
 كنت أراقب هذا الجمال الثائر  وأتساءل عمّا أغضب ذاك الزوج منها فحسب رواية نملة البيت فقد كانت تلك الزوجة حينئذ ترتدي لباس ناعم لينا يلتصق بها أيما التصاق كانت كالقمر.
أذكر أحيانا إنني كنت أراها من بعيد حزينة تاركة شعرها يعبث به الهواء كيفما شاء، أرمقها و أهيم بها وهي لا تدري إنها سبب شقائي وبلاء عشيرتي.
 كنت اضطر إلى تسلق الحائط لأراها من علوٍ  حيث تمشي بين أزهارها مرتدية ما يكشف عن ساقيها  و قميص أصفر ذو أكمام قصيرة، وأحيانا تضع قبعة القش لتحمي وجهها من لفحة الشمس، أعتقد جازما أن الأشعة هي الأخرى متيمة بها، تقلب وجهها كثيرا لتتجنبها وقد تدخل بيتها مسرعة من حر و وهج الشمس الساطع، وأعود أنا للبيت صامتا مفكرا، نحن لسنا صغار كما يعتقد بعض النمل بل لنا أحاسيس ومشاعر تنبض.  
في غمره انشغال النمل الكبير في إنقاذ ما يمكن إنقاذه من قريتنا فكرت أنا و أصدقائي بعمل بطولي سيسطر على مرآة تاريخ شعب النمل العظيم.
نحن معشر النمل نشفق على بني آدم الذي يقضي أغلب وقته متحسرا على أيامه الخوالي، و متململا من حاضره وواقعه، وقلقا على مستقبله المجهول هو هكذا لا يهدأ له بال ولا يرتاح إلى مزاج.
 أقسم  لو رأيتنا نحن معشر النمل وعشت معنا غارة واحدة لأيقنت بتفاهات عيشك وتفكيرك، ولو قُدّر لك دخول مساكننا لانبهرت من جميل صنعنا وتعجبت من قوه صبرنا وجلدنا.
 ثم بعد كل هذا تأتي بثورة غضبك الأهوج وتحاول إطفائها بالماء بحجة سقاية النباتات لو أنك شربت كأس واحد لكان أفضل لك من سكب الماء هنا وهناك.
نحن لسنا رهن مشاعركم وفي حالة جميلتي المتمردة هذه نراها تسقى بكثرة تكاد تتلف أزهارها، وتضطرنا لحمل متاعنا خارجا لحين جفافه وإعادته للبيت مره أخرى وهي مهمة شاقة ومجهدة و السبب الوحيد هو مزاجية هذه المرأة.
 يا ترى ما الحل؟
تشاورت مع أمثالي ممن قتله عشق هذه الفاتنة علنا نجد حلا،  في بعض الأحيان تجبرك الحياه على خيارات كثيرة بين السيء والأسوأ، فقط حينها تختار ما جُبلت عليه، يجب علينا التضحية لكي تعيش قرية النمل بخير.
 شكلنا فريقين للهجوم علي قدميها العاريتين وتسلقها فنحن نمل مسالم لا نعض لكن يمكننا التسلق لإخافتها ووضع أرواحنا رهن تصرفها فإما الموت بعد السقوط منها على الأرض أو الغرق في قطره ماء أو أن يبتسم لك حظك فتراك ولو للحظة.
وبعد العد التنازلي و حين حانت ساعة الصفر انطلقنا في سباق محموم نتسلق تلك القدم الناعمة ذات الأظفار وردية اللون حاولت الوصول للساق و الصعود لكن الكثيرين ممن سحرتهم الساقين البضتين سقطوا فور محاولاتهم تذوق ساقيها الغاويتين، إلا قلة منا استطعنا ردع تلك الساحرة الجميلة ولفتنا نظرها إلينا وتراجعت للخلف مبتعدة عنا.
 ومن يومها لاحظنا إنها تسقي الزهر على حذر ولم يعد يصلنا سوى بعض الرذاذ المنعكس من ورق الزهر.
قدمت كل حكايتي لكم خلال جلسة المرافعة أمام محكمة النمل بتهمة التسبب بمقتل ما يزيد على مئتين نملة أطاعتني وقبلت فكرتي التي كانت بالأساس تقضي إخافتها ولفت نظرها فقط، أما من خالف أمري وحاول التلصص على الأرجل الناعمة فقد وافته المنية بغتة وقد نجحنا في ذلك، ولا أخفيكم إنني بعد هذه الحادثة سقط عرشها من قلبي للأبد، فما كنت أتوهمه عنها ضاع مع حقيقتها، فإذا أحببت أحداً عاشره والتصق به ليكون لديك سببا كافيا لكرهه والابتعاد عنه، يا ابن ادم كن على حذر فقد يتغير كل شيء في لحظة.... استعد للتغيير القادم لا محالة.
 أرجو منكم إذا رأيتم نملة تمر أمام أعينكم أن تعيروها  انتباهكم و اسألوها عني كيف انتهت محاكمتي؟
هل برئت من تهمة الزج بالنمل في حب غير مشروع، أم أن هيئة المحكمة قبلت عذري وعفت عني؟!!
 "مذكرات مهربة من النملة المعتقلة".
 دمتم بخير
سمراء النيل (د. سلمى النور)

السبت، 4 مايو 2019

ضوء مزعج


ضوء مزعج

 حول الضوء المرور خلسة  لكن الممر بات ضيقاً الآن،  و صاحب الشقة الكسول يكره ضوء الصبح وقد أغلق الستائر والنوافذ لمنعي من الدخول، له عشرة أيام مختفي عن الأنظار.
 لكني لن أستسلم وأتركه يتهنى في نومه بعد انتصاب الشمس في كبد السماء،  لا بد لي من اقتحام غرفته مهما كان الثمن،  أشار لباقي الأشعة الشمسية أن  تتبعه،  ظلوا يحاولون ويحاولون وكل الطرق مسدودة ككل يوم.
إلى أن هتف مفتاح باب غرفته:  من هنا...  سأساعدكم.
 تنحى المفتاح قليلاً وعبرت الأشعة ثقب المفتاح لتجد صاحب الشقة قد فارق الحياة منذ زمن، وترك كل الحياة وصراعاتها حتى وإن كانت من أجل إيقاظه لغد أفضل.
دمتم بخير

سمراء النيل( د. سلمى النور)

قل الحمدلله وكفى

قل الحمد لله وكفى

 بالأمس كان يومه عادياً، حمل والده وآخر عنقوده من أبنائه الخمسة تلك الصغيرة المزعجة التى أصرت على الذهاب معهم، استأذن من الدوام ليأخذ والده لموعد المستشفى الروتيني، مرة كل شيء بسلام لكن نظره ظل يذهب ويجي مراقبا دقائق الساعة، كان مستعجل كعادته كل يوم، لا يستطيع أن يطمئن على شيء، في قلق مستمر...
 فاجأته زوجته باتصال يعقبه إرسال قائمة طويلة لشراء مستلزمات البيت،
 كانت تنتظر فرصة كهذه لتستغلها فهو المهوس دوماً بعمله، تريده اليوم أن يقوم بدورها في شراء المستلزمات وأية مشتريات، إنها التحضيرات لدخول شهر رمضان الفضيل.
 استلم الرسالة التي تدل على أن بيته لم يدخله أكل منذ عام على الأقل و إلا فلم كل هذه الطلبات؟!
 أيعقل أن ينحصر رمضان في موائده وأصنافها؟ أم في الاستعراض والتباهي ما بين الطبق وآنية تقديمه وتزيينه؟
 والأدهى أنه سيشتري كل هذه الأمور التافهة والمرهقة مالياً..
 أنهى مواعيد مستشفى والده على خير وذهب للسوق معه صغيرته التي كانت تقفز فرحا هنا وهناك،  كان غاضبا ساخطا لكنه ما أن توغل في السوق حتى شعر بالدهشة والاستياء معاً، لما كل هذه الزحمة وهل نحن مقبلون على مجاعة؟    
هل أعلنت حكومتنا الطوارئ و طلبت من أفراد المجتمع التهافت على المواد الغذائية وتخزينها تحسب لأمر قادم؟  لم كل هذا الفزع و التدافع؟
ترك التسوق وعاد يتأمل الناس من حوله، نظر لهاتفيه... إلى قائمة الطلبات هو إذا مثلهم، لا يختلف عنهم وليس أرقى منهم طبعا عكس ما كان يعتقد، فكل ما في الأمر هو أن زوجته من تقوم بالمدافعة و المنافسة للشراء بدلاً عنه، لكنه يظل شريك في مثل هذه الجريمة بأمواله.
 كان استياءه يزداد وهو يتابع الناس بعينه ويتأمل قائمة زوجته تارة أخرى، أين كان طوال هذا الوقت؟
 لم ينتبه مرةً ليتحدث إلى زوجته عن أسوء عاداتها  الشرائية، كان يريح رأسه بإعطائها المبلغ الذي تريده، و تعود إليه شاكية من غلاء الأسعار طالبة المزيد وكان يعطيها تجنبا لأي  سبب قد يعكر  صفوة حبيبته.
لقد جنيت على نفسي وعليها كثيرا حتى أبنائنا ما ذنبهم ليفهموا أن رمضان جُعِلَ للتفنن بألوان الطعام والتباهي بها.

لم يقوَ على الشراء أكثر وغادر على عجل بصحبه والده وصغيرته، في طريقه للبيت كان رأسه يعج بالأفكار السلبية إلى أن امتلأ  كثيرا بها و قبل أن يذكر ذلك لأبيه فإذا بحرارة أفكاره تتسرب وتفجّر إطار سيارته بغتة، مما جعله يفقد السيطرة وينحرف يميناً لتدور سيارته ثلاثة دورات كاملة وتستقر أخيراً في جوه من العاصفة الترابية حولها.
 سمع صوت والده يسعل بشدة وصغيرته التي كانت نائمة في الخلف تساءل ببراءة: بابا أريد أن أنام.
 لم تدري ما الذي أيقظها فزعة لتجد نفسها أسفل الكراسي، كان صاحبنا لشدة صدمته يحاول فتح حزام الأمام  من الجهة الخطأ، حاول مرارا لكنه لم يجد المكان الصحيح إلى أن نبهه والده: يا ابني أنه في الجهة الأخرى... لا تقلق كلنا بخير...
 خرجوا جميعا وأتت الشرطة ومازال صاحبنا مذهولا.. كانت ثواني بل ظنّها جزء من ثانية واحدة احتملت كل هذه الانقلابات،  صغيرته التي كان يحملها ويضمها بشدة بين الحين والآخر غير مصدق أنها خرجت سليمة بلا أي خدش يذكر، كانت تبتسم سعيدة وهي ترى أضواء سيارة الشرطة و تأكل حلواها المفضلة.
 صاحبنا كان مدهوشا مصدوما، نامت الصغيرة على كتفه و جال في خاطره كم أن لطف الله عظيم خرجوا سالمين من سيارة شبة محطمة، وما زالت السيارات الأخرى تقف لحادثهم وتسأل وتطمئن عليهم ( أهل الفزعة)
 كان والد هو المتحدث هو الصامد وهو من قام بكل الاجراءات، ووقف يتحدث مع الكل،  تحول فكره حينها لكل الأفكار الايجابية و الأحداث السعيدة التي مرت به ولم يعيرها أي اهتمام من قبل، وأدرك كم أن الله يحبه فوالده بجواره ويساعده في مثل هذه اللحظة، وحين ترقى في عمله، حين أنجبت زوجته بالسلامة وكان الطفل معافى، حين تعرف على أحمد مصادفة وصارا أكثر من أشقاء...
 في أمور كثيرة كانت  سهلة وسلسة وميسرة  كيف لم ينتبه إنها من إشارات حب الله، ولطفه عليه.
 أنه للأسف أعتبرها من المسلمات ونسى حمد الله على نعمه الكثيرة فكل يوم هي فرصة جديدة ولولا لطف الله لكان اليوم يوم عزائه أو في أبيه أو صغيرته.
 في وقفته المفاجئة هذه مع نفسه جعلته يدرك أن الحمد لله يقينا في كل حال
 دمتم بخير
 مع تحيات سمراء النيل (د. سلمى النور )

الأربعاء، 1 مايو 2019

لأنه أخي


لأنه أخي..

 الأخ أو الأخت هو ذاك الشقيق  الذي تشاركه الطفولة والصبا، قد يضايقك حتى في رحم والدتك في بعض الأحيان، وتعيش سنوات حياتك الأولى وأنت تحاول التخلص منه أو إعداد مكيدة محكمة ليعاقب بدلاً عنك.
 تمضي الطفولة ما بين كر وفر مع أخ واحد أو عدة أخوة، تحاول جاهداً الصمود فيها و الحصول على أكبر قدر من حب والديك، و محاولة لفت أنظار الكل و إثبات قيمة وجودك في بيت يعج بالأطفال كعادة بيوتنا.
وتمضي بك السنون قِدماً لتجلس ذات يوم على كرسي حزيناً منكسراً، دامع الفؤاد، يحيط بك آخرين يقدمون لك التعازي في الفقيد.
 ذاك الشقيق صار الأن فقيد..... يا وجعي... يافجيعتي... يا مصيبتي...
 هو أخي ذلك الذي أقبرته على الرغم مني كان قطعه مني، أخذ الكثير وأنا صغير وعندما غادرني لم يترك لي من نفسي جزءا...
كيف هان عليّ أن أواريه في التراب؟
 كيف استطعت دخول منزله ورؤيته هنا جالسا... هنا ضاحكا... هناك يداعب ابنه... تركني الآن عاريا قبل الأوان.
 كانت تكفيني ابتسامته واحساسي بالأمان لأنه أخي، فكثيراً ما كان يدعوني لمنزله فهو مضياف كعادته، على تلك الطاولة شرب الشاي معنا، لكن هذه الردهة الآن صامدة وصامتة بعد غيابه مثلي.
زوجته التي كنت أراها كأخت لي لم تعد كذلك، فقبل أربعة أشهر كانت محرمة عليّ، الآن تتغير الأوضاع أصبحت كغيرها من النساء متاحة لي، غير مسحت الأحزان التي اكتست بها روحها بعد غياب أخي.
 في بيئتي التي نشأت فيها ينبغي عليك ستر أخيك  حياًّ كان أم ميتاً لذا تقدمت الوفود تقترح عليّ الزواج منها لأعتني بالصغير اليتيم الآن، وأنا لست بالمزواج فكيف أرضى بأرملة أخي.
 قاومت ذاك العرف السخيف الذي يدمر أكثر مما يجب عليه أن يبني، واستطعت الصمود أمام ذلك التيار لأكثر من عام، والذي قيل أنه انطلق بدافع الحنين وتأكيد رابط الأخوة، ثم أنتهى عام الوفود بإعلان أنني لم أكن أعشق ذاك المرحوم ولم أقدره بعد وفاته، مع ذلك كنت سعيدا...
 أنا وزوجتي وكذلك زوجة أخي هي الأخرى ابتسمت سعيدة، راضية بقدرها، عاكفة على تربية ابنها الوحيد.
  ما  أن مضى العمر حتى أرى ذلك الطفل الحابي صار شاباً فتّياً، وهنا تمنيته لابنتي فهو من تربى على يدي، هو ابن الغالي بل أصبح بمرور الوقت الغالي نفسه.
"لا تخلط الأمور" قالتها لي زوجتي وجيراني وحتى أمه، لكني لن أقبل سوى بزواجه من ابنتي.
أيعقل أن أتركه يحضر فتاة غريبة عن قريتنا كوالده الذي تحدى الكل؟ كلا بل يحتم عليّ الواجب أن أبقيه ضمن عائلتنا، هو تربى على يدي فأنا أولى به، أريد حمايته وضمان مستقبله لا أكثر.
 كانت مثل هذه الافكار تعشعش في رأسي، إلى أن جاء ذات يوم وتحدث شاكراً تربيته ومحاولتي الدؤوبة لتعويضه والده، كان صادقاً و صارماً حين ترك لي الخيار حرّاً، إما بمساعدته في الزواج بمن ارتضاها قلبه، أو أنه سيغادرنا وحيداً لبدأ حياته الجديدة.
 وها أنا الآن أزفه أمام الملا وفي قلبي غصة... أنه ابن أخي وهو سعيد لأني عمه الذي يشاركه عرسه، لكنه أحرجني حين عرضت عليه ابنتي، والغريب أن ابنتي كانت أكثر الناس فرحاً و رقصاً في حفلة زواجه.
 حين عدت للبيت وواجهت صورة أخي أخبرته أنني لم أقدر على تزوجهما، لم أقدر أن أتحفظ بابنك قربي.
 ابتسم لي في تلك الصورة  قائلاً لي:  ستظل أخي حتى الممات لا لشيء فعلته، بل لأنك من شاركني نفس الأم و الأب والذكريات، فشكراً لك.
 تنهدت براحة لأنني فعلت الصواب رغم عدم اقتناعي به، لكن الصغيرين الشابين كانا في قمة السعادة.
 ملاحظة: أرجو أن نظل أخوة وأشقاء وأن نبعد أطفالنا عن نظرية تقريب العائلة بالزواج بالإكراه، فهم لسنا نحن و حياتهم ملك لهم، سواء شأنا أم أبينا... فلننصاع لأحلام أطفالنا بدل أن نخسر عائلتنا الكبيرة لسوء الفهم الذي سيأتي مستقبلاً لا محالة....
واللبيب بالإشارة يفهم.. وشكرا لكم.
 دمتم بخير
 مع تحيات سمراء النيل (د. سلمى النور)

ثقب المفتاح


ثقب المفتاح

تعثر بها مرة عن طريق الخطأ، فوقعت كتبها وأوراقها على الأرض مبعثرة، انحنى ليساعدها كانت غاضبة ساخطة  حانقة وإذ هذا الموقف يزيد الموضوع سوءا.
لم تنظر في وجهه أبدا كانت تلتقط حاجاتها صامتة غاضبة وهو كان يعتذر بأدب جم، ويناولها  أوراقها النائمة على الأرض لتحملها منه بعنف وصمت.
أنهت جمع كل أوراقها المتساقطة،  وما أن رفعت رأسها ونظرت إليه، وهو ما يزال يعتذر حتى أصابت أسهم عيناه قلبها، وتحرك جليد كان متحجرا هناك منذ سنة على الأقل منذ ذكرى طلاقها.
صوت الاعتذار... ذاك الأدب الجم... تلك الإبتسامة الساحرة....
  كانت هي المفتاح الملائم ليدخل ثقب قلبها ويفتحه من جديد على الحياة
دمتم بخير
سمراء النيل (د. سلمى النور )