الخميس، 7 مارس 2019

أيها الكاتب تمهل


أيها الكاتب... تمهل

لكي تكون كاتباً يجب أن يحتويك قدراً غير يسير من  الجنون، و أن تكون لصاً محترفاً تمتاز بمهارة خفة الروح في نهب المشاعر وسلبها و الاستيلاء عليها بكل مكامنها ومضامنها
 كونك كاتبا هو اعتراف منك بأنك أكبر وأشهر لص  استطاع سرقة حياه الناس من الواقع،  واختطاف آخرين من أرض الخيال الشاسعة بمهارة بحيث لا يستطيع أحد أن يطبق عليك قانون أو أن تقع تحت طائلته، كل ما تسرقه من حياة هؤلاء الأشخاص  تغدو مديناً لهم به،  وهو دين يُثقل كاهلك و تنزح تحته مع تراكمه المستمر.
 فترى نفسك إذا تقمصت المكتئب جاءتك مشاعر حزينة و لو تعلقت به أكثر لربما فكرت في الانتحار مثله وواجهت نفس مصيره.
 والأعجب لك إذا بحث عن وكر الأشرار حيث يختبئ السيئون جداً، ترى نفسك وقد صرت أسوأ منهم و تفكيرك صار يميل إلى الجانب الأسود المظلم، تقتل على الورق وتنشر الجثث والأشلاء و تفوح من كتاباتك رائحة الدم المتخثر و روائح منتنة أخرى.
أما إذا مررت بجانب الحب فسيخفق قلمك طرباً وسعادةً، و تنتشر رائحة أزهار الربيع وتصدح الموسيقى بالأرجاء وتسمع رقص الشخصيات، و تتفتح قصص و حكايات سعيدة و تسمع ضحكات القراء.
والطفولة مبهجة جداً ومضحكة في ردودها وطريقة تفكيرها فكما عالم الأطفال برئ وطاهر فكذلك تكون أنت حين تتحدث بلسانهم وترجع لذكريات ومقالب خبئتها في الذاكرة وأوصدت عليها باب الخروج بعذر: لقد كُبرت الآن.
وكلما حضرك موقف طفولي ابتسمت لنفسك ثم تتلاشي هذه الابتسامة سريعا وتجري منك خائفة بعدما غدوت كبيراً عاقلاً مسؤولاً كما تسمي نفسك. 
والكثير ….. الكثير مما لا يمكن حصره هنا من تحول حالات الكاتب.
 وهذا اعتراف مني بأني قد سقطت حين أغواني القلم وعشيقته البيضاء الجرداء العارية من أية أسطر، حين توسلا إليّ وأصدقكم القول إن إقناعي ليس بالأمر العسير فأنا منذ صغري أهوى القلم وأحذره في ذات الوقت ، هو حب حذر أو خوف يشوبه الحب خيفة، هي كعلاقة الشد والجذب أو كالمد والجزر.
حين توسلا إليّ ونصحاني بالتجربة فقط، لا شيء مخيف أمسك هذا القلم وأفرغ على قلبي كل أسرارك فأنا خازنة الأسرار.... صدقني.
هناك أول مرة في كل شيء والآن أدركت يقيناً ماذا يعني الإدمان ولِمَ هو مشكلة مستعصية على الحل  حتى على الخبراء، كإدمان المخدرات بيد أن الأخرى تظهر أعراض مريضها خارجياً، فينتبه له الكل ويساندونه وينصحونه، وقد يساعدونه فيتماثل للشفاء محاطاً بمحبة أهله ومن حوله.
على عكس مدمن الكتابة الذي لا يستطيع مصارحة من حوله فهو في نظرهم ليس سوى كاتب أو مجنون أو مهوس أو مرتبط بأحد الشياطين ينزل عليه ليُملي عليه ما يجب أن يُكتب، أو يهيم ببقايا عقله بين الأكوان والصفحات وعوالم الغبيات.
فلا أحد يعينه، وتجده يستغرب نظرات من حوله، فالكاتب مريض لا يعترف بمرض تميزه ويؤمن بأن عصا السحر بين يديه تستطيع أن تشفي عقولاً أو تحارب مجهولاً أو تنشر وعياً ذا قيمة….
لذا لا يتوقف عن الكتابة والجنون ، قد يحدث تغييراً حقيقياً أو تدمير ذاتياً إذا لم يفلح ، أو لم يحقق ما يصبو إليه... فيعاود مرض السرقة ويساعده القلم الضال والورقة العارية فيستمر في تحريك أصابعه يخط ما يشاء بغير مراقب ولا محاسب.
فمن لي ليساعدني …
فمن لي لينصحني …
فمن لي ليوقفني عن غييّ وتيهي...
فمن لي ليهديني طريق الرشاد.. ويعيدني جادة الصواب.
أعود وأقول:
لكي تكون كاتباً عليك أن تكون متطفلاً لبقاً و سارقاً محترفاً، لتسرق من خصوصيات الناس وتعيد صياغتها في قالب درامي آخر يُلهي من حولك عن معرفة أنفسهم، ويحدُث في أحيان كثيرة أن يمرض لمرض شخصياته أو يحزن لأجلهم، وقد يفيض الدمع منه حزناً فأي جنون هذا أيها الكاتب إنه يدرك سر العظمة التي أودعها الله بقلمه فجُعل له قدرة التأثير على الناس....
 ليكن الله في عونك أيها الكاتب ...
دمتم بخير
مع تحيات سمراء النيل (د. سلمى النور )

  

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق