الأربعاء، 6 مارس 2019

أضواء الصباح


أضواء الصباح


سألته: حدثني عن المرأة؟
وأنا أعلم أن سؤالاً كهذا سيثيره حتما
رد عليّ بهدوء مفتعل:  ولم أتحدث عن المرأة دعيني أحدثك عن موضوع ذا قيمة.
حدجته بنظرة ودرت بعيني في الفضاء الممتد أمامي ورؤوس المباني تطل من بعيد وقلت: أنا امرأة و أظن أن لي قيمة في الوجود.
 أشار بيده قائلاً: لا أقصد الإهانة ولكن الكل يتحدث عن المرأة: هموم المرأة،  مشاركة المرأة، حرية ومساواة المرأة عمل المرأة، كل هذه الضجة تحوم حولك يا حواء، إنه لأمر مزعج وكأن لا هـمّ لنا سوى النساء وقضاياهن. وأنتن السبب فيما آل إليه حالكن.
 استغربت قوله و بادرته بالسؤال: كيف ذلك؟
  أعتقد كان ينتظر مني جملة كهذه فأسند ظهره للكرسي وبدأ:  إن قيود المرأة داخل عقلها و قلبها أكبر من قيود المجتمع.
هي من رضيت…  هي من صمتت…  هي من  استكانت…  هي من  انحنت وخضعت و جعلت ركوبها سهل ومتاح للجميع.
 قاطعته بعنف:
- توقف،  نحن لم نختر وأدنا، نحن لم نرضَ بقهرنا، نحن كنا وما زلنا نحارب من أجل أنفسنا وأخواتنا وجميع بنات جنسنا .
 استعدل في جلسته و قال لي: كيف ذلك؟
أنت وغيرك ترضين بالرجل حاكماً لك ولعقلك ولأحلامك إن جهلكن هو سبب ضياعكن، رضيت من الضربة الأولى بل ربما رضختي من الصرخة الأولى له،  و قلت أزمة عابرة وستمر، بل هي كانت الاختبار الأول لك ورسبت فيه بجدارة:  فصمتك  قواني، وضعفتك افرحني،  دموعك دليل نجاحي في قضمك ببطء واستمتاع
 - لست كذلك أيها المغرور، أنا أحمي بيتي من الانهيار،  قد أعلن الطاعة لك حفاظا على مقدسات طاهرة لتظل نظيفة وتنمو ببراءة.
 قاطعني بإشارة من يده :
- لا تختلقِ الأعذار….  فلا عذر عندي لمن استكان و هان.
أريدك فقط قوية لنفسك،  غنية بعلمك،  واثقة بعملك،  ثابتة في مواقفك،  صريحة، جريئة،  واضحة، ومحددة
لا يهزك كلام الرجل أو عرض عضلاته أمامك،  فأنا لا أرضى لأمي أو أختي أو حتى حبيبتي أنت أن تقبع خلف ظلي لحمايتي أو السهر على راحتي
 قودي حياتك وانطلقي وامضِ بعزم…..
  دعيني أتعب حتى أعثر على آثار قدميك….
 دعيني أسهر... أتذكر أو أحاول حتّى تخيل ملامح وجهك...
دعيني أبحث في كل الأودية و الحقول عن خصلة شعرك...
دعيني أبكي خوفا من فقدانك أو ارتجف من مجرد فكرة رفضك لي
 رفعت كفى في وجهه فسكن صمت:
- احترت فيك أيها الرجل فأنا حين أحب أعطي بسخاء، و حين تتدفق مشاعري أقلب الأرض الجرداء جنة لك، وأنثر لك سنابل القمح الذهبية و تشرق الشمس في حياتك بوجودي.
 أزاح الطاولة التي تفصل بيننا وحملها بحذر كيلا تنسكب بقية قهوتنا الصباحية و اقترب مني وقال:
- أعلم أنك من بيده قلب موازين حياتي،  فلِمَ أرى الدموع و اليأس و الصمت المؤلم ينطق من عينيك؟
لا أريدك جسداً جاهزاً كل مساء بل أريد عقلاً يبهرني يفحمني بالرد والأدلة والبراهين، ويجعلني أردد خلفك كالمذهول عباراتك،  وأتعجب من هذا الكائن الماثل أمامي الذي له أكثر من هيئة يرتديها وله أكثر من لسان يحاور به، وله ألاعيب لا حصر لها تبقيني دائماً بدهشة حاضرة.
أريدك أن تقرأ أكثر،  أن تعي أكثر، ألّا تعيرني اهتمام، بل انظري إليّ وحدثيني عن الاقتصاد ومصائب السّـاسة، تكلمي عن الفنون والجنون وحب الفلسفة وعظماء التاريخ، ادخلني بكل أنواع الأدب وعلميني، لا تنقلِ أحاديث جاراتك الفارغات أو آخر أخبار الموضة والمكياج.
تنهد وأكمل برجاء :
أريدك أكبر، أريدك أفهم، أريد أعلم، أريد كل خير لك.
 أنت  تخبين عظمة بداخلك، وقدري و قدر أبنائي بيديك،  لديك سلطة الكبرى لتأدبيني إن تجاوزت حدودي وعدت لحماقاتي فقط أوقفيني بنظرة، بكلمة، بموقف حازم  و سترين وقتها إنني أعلنت لك الطاعة، حين أدركت أنت قيمتك وخرجت من قوقعتك
ابتسمت بهدوء وحدقت فيه قائلةً:
حين خرجت إلى هذه الحياة، صاحبتْ الأضواء و الأنوار ولادتي وعلتْ بالضحكات شفاهي…
 حين جاء دوري لأضيف للحياة كائناً نورانياً جديداً علا صوت صرخاتي، وتساقطتُ عرقاً وألماً، خوفاً و تعباً...  ليشهد العالم ميلاد جديد و تسجل الملائكة اسماً ويُفتتح سجلاً جديداً
 كنت ومازلت أنا المرأة
 أنا أصل البداية و أنا أصل كل الحكاية
 أنا الحب و الخيانة
 أنا الثلج والنار
 أنا الشمس والقمر مجتمعان
 انا الآلهة التي عُبدت في غابر الأزمان
أنا أعلم من أنا يا هذا؟؟
 ضحكتُ بتحدي وأكملت:
- ستدور حول نفسك كثيراً إذا فكرت يوما في نسياني،  ستدور في حلقة مفرغة تعود فيها لنفسك بحثاً عن كياني
 هنا ابتسم لي اخيرا و اقترب مني أكثر وقبّل جبيني بحرارة وقال:  لهذا أنا أحبك وسأظل أسير حبك، فأنا  كما عّبر عني نزار قباني وقد أفلح حين قال: { حبك يا عميقة العينين تطرف ... تصوف ... عبادة ... حبك مثل الموت والولادة ... صعب أن يعاد مرتين}
نهض وأمسك يدي وجذبني لأقف معه وقال: معاً سنكمل الطريق دوما

شددت على يده فاحتضنني ونظر كلينا نحو الأفق والألوان تنساب وتمتزج مع بعضها على صفحة السماء بينما كانت الشمس ماتزال تفكر في الاستيقاظ وإعلان الصباح.

دمتم بخير ...
مع تحيات: سمراء النيل (د. سلمى النور ) 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق