السبت، 23 مارس 2019

غدر مصباح

غدر مصباح

أمسكني ضوء مصباح شارعنا فجأة بعد أن كان مظلماً لأيام ولم أُبلغ عنه لإصلاحه متعمداً،  إلا أنه أبى إلا أن يكشفني وقت  اللقاء الثاني بحبيبتي جوهرة بعد التاسعة مساء.
 كنت متأكد من مواعيد عودة والدها بعد ساعة لكنه عاد ذاك اليوم مبكراً، رأيت بقايا سيارته الزرقاء المتهالكة وصوت محركها يُسمع الحارة كلها، ارتجفتْ حين رأته ينزل ببطء من السيارة و معه شاب يسانده
 كانت خائفة عليه و منه في ذات الوقت، اختبأت خلف عمود الإضاءة و قالت بانفعال: أبي إنه هنا….. ماذا أفعل؟
 كان خوفي و اضطرابي عظيمين فمن في الحي لا يعرف والدها الحاج إسماعيل الذي يعمل مشرف عمال في شركة للبناء، و لصوته الجهوري دوي كمحرك سيارته القديم
قالت: يبدو أن شيئا ألمّ به.
 كان يخطو بمساعدة شاب آخر و يتجه نحو البيت، قلت لها:  سأشغلهم قليلاً أسرعي أنت قبل أن يراك. لامست يدي ظهر يديها الممسكة بالمصباح،  سرت قشعريرة في جسدها وبرقت عينيها أحسست أنها اللحظة المنتظرة و قبل أن أبوح لها أضاء المصباح المعطل فجأة فصرخت
ابتسم المصباح الحاقد فوق رأسينا واتجهت الأنظار نحونا تغير مسار والدها و مساعده.
 نظرت إليَّ بنظرة غريبة مليئة بالغضب و العتب و الاحراج وأشياء أخرى لم أفهمها وكأني أنا من أيقظ الضوء الأحمق
 مع دويّ صوت والدها: جوهرة.
 انتفضت وخرجت من خلف العمود اللئيم وتقدمت نحو والدها المتكئ على الشاب، صفعها بقوة وبدأت سيل الأسئلة و السباب،  أما أنا فقد تجمد  قدماي  ولم أقوَ حتى على الهروب، وبدأ والدها  يخطو  نحوي يهدد ويتوعد وسقط قبل وصوله بخطوتين فأمسكه الشاب و أعانته جوهرة، أما أنا فأطلقت ساقاي للريح حاولت النظر خلفي لكن المصباح عاد لنومته و أظلم مرة أخرى و أصوات استغاثة و جري تصل لمسامعي.
 أقسمت ألا أقف بعد اليوم تحت أي عمود إنارة طالما حييت لأن  تلك الصدفة أكدت لي استحالة حصولي على الجوهرة.

يظل الغدر هو الغدر حتى وإن أتى من مصباح فقد أفقدني جوهرتي للأبد.
دمتم بخير 
مع تحيات : سمراء النيل (د. سلمى النور )

الخميس، 7 مارس 2019

أيها الكاتب تمهل


أيها الكاتب... تمهل

لكي تكون كاتباً يجب أن يحتويك قدراً غير يسير من  الجنون، و أن تكون لصاً محترفاً تمتاز بمهارة خفة الروح في نهب المشاعر وسلبها و الاستيلاء عليها بكل مكامنها ومضامنها
 كونك كاتبا هو اعتراف منك بأنك أكبر وأشهر لص  استطاع سرقة حياه الناس من الواقع،  واختطاف آخرين من أرض الخيال الشاسعة بمهارة بحيث لا يستطيع أحد أن يطبق عليك قانون أو أن تقع تحت طائلته، كل ما تسرقه من حياة هؤلاء الأشخاص  تغدو مديناً لهم به،  وهو دين يُثقل كاهلك و تنزح تحته مع تراكمه المستمر.
 فترى نفسك إذا تقمصت المكتئب جاءتك مشاعر حزينة و لو تعلقت به أكثر لربما فكرت في الانتحار مثله وواجهت نفس مصيره.
 والأعجب لك إذا بحث عن وكر الأشرار حيث يختبئ السيئون جداً، ترى نفسك وقد صرت أسوأ منهم و تفكيرك صار يميل إلى الجانب الأسود المظلم، تقتل على الورق وتنشر الجثث والأشلاء و تفوح من كتاباتك رائحة الدم المتخثر و روائح منتنة أخرى.
أما إذا مررت بجانب الحب فسيخفق قلمك طرباً وسعادةً، و تنتشر رائحة أزهار الربيع وتصدح الموسيقى بالأرجاء وتسمع رقص الشخصيات، و تتفتح قصص و حكايات سعيدة و تسمع ضحكات القراء.
والطفولة مبهجة جداً ومضحكة في ردودها وطريقة تفكيرها فكما عالم الأطفال برئ وطاهر فكذلك تكون أنت حين تتحدث بلسانهم وترجع لذكريات ومقالب خبئتها في الذاكرة وأوصدت عليها باب الخروج بعذر: لقد كُبرت الآن.
وكلما حضرك موقف طفولي ابتسمت لنفسك ثم تتلاشي هذه الابتسامة سريعا وتجري منك خائفة بعدما غدوت كبيراً عاقلاً مسؤولاً كما تسمي نفسك. 
والكثير ….. الكثير مما لا يمكن حصره هنا من تحول حالات الكاتب.
 وهذا اعتراف مني بأني قد سقطت حين أغواني القلم وعشيقته البيضاء الجرداء العارية من أية أسطر، حين توسلا إليّ وأصدقكم القول إن إقناعي ليس بالأمر العسير فأنا منذ صغري أهوى القلم وأحذره في ذات الوقت ، هو حب حذر أو خوف يشوبه الحب خيفة، هي كعلاقة الشد والجذب أو كالمد والجزر.
حين توسلا إليّ ونصحاني بالتجربة فقط، لا شيء مخيف أمسك هذا القلم وأفرغ على قلبي كل أسرارك فأنا خازنة الأسرار.... صدقني.
هناك أول مرة في كل شيء والآن أدركت يقيناً ماذا يعني الإدمان ولِمَ هو مشكلة مستعصية على الحل  حتى على الخبراء، كإدمان المخدرات بيد أن الأخرى تظهر أعراض مريضها خارجياً، فينتبه له الكل ويساندونه وينصحونه، وقد يساعدونه فيتماثل للشفاء محاطاً بمحبة أهله ومن حوله.
على عكس مدمن الكتابة الذي لا يستطيع مصارحة من حوله فهو في نظرهم ليس سوى كاتب أو مجنون أو مهوس أو مرتبط بأحد الشياطين ينزل عليه ليُملي عليه ما يجب أن يُكتب، أو يهيم ببقايا عقله بين الأكوان والصفحات وعوالم الغبيات.
فلا أحد يعينه، وتجده يستغرب نظرات من حوله، فالكاتب مريض لا يعترف بمرض تميزه ويؤمن بأن عصا السحر بين يديه تستطيع أن تشفي عقولاً أو تحارب مجهولاً أو تنشر وعياً ذا قيمة….
لذا لا يتوقف عن الكتابة والجنون ، قد يحدث تغييراً حقيقياً أو تدمير ذاتياً إذا لم يفلح ، أو لم يحقق ما يصبو إليه... فيعاود مرض السرقة ويساعده القلم الضال والورقة العارية فيستمر في تحريك أصابعه يخط ما يشاء بغير مراقب ولا محاسب.
فمن لي ليساعدني …
فمن لي لينصحني …
فمن لي ليوقفني عن غييّ وتيهي...
فمن لي ليهديني طريق الرشاد.. ويعيدني جادة الصواب.
أعود وأقول:
لكي تكون كاتباً عليك أن تكون متطفلاً لبقاً و سارقاً محترفاً، لتسرق من خصوصيات الناس وتعيد صياغتها في قالب درامي آخر يُلهي من حولك عن معرفة أنفسهم، ويحدُث في أحيان كثيرة أن يمرض لمرض شخصياته أو يحزن لأجلهم، وقد يفيض الدمع منه حزناً فأي جنون هذا أيها الكاتب إنه يدرك سر العظمة التي أودعها الله بقلمه فجُعل له قدرة التأثير على الناس....
 ليكن الله في عونك أيها الكاتب ...
دمتم بخير
مع تحيات سمراء النيل (د. سلمى النور )

  

الأربعاء، 6 مارس 2019

أضواء الصباح


أضواء الصباح


سألته: حدثني عن المرأة؟
وأنا أعلم أن سؤالاً كهذا سيثيره حتما
رد عليّ بهدوء مفتعل:  ولم أتحدث عن المرأة دعيني أحدثك عن موضوع ذا قيمة.
حدجته بنظرة ودرت بعيني في الفضاء الممتد أمامي ورؤوس المباني تطل من بعيد وقلت: أنا امرأة و أظن أن لي قيمة في الوجود.
 أشار بيده قائلاً: لا أقصد الإهانة ولكن الكل يتحدث عن المرأة: هموم المرأة،  مشاركة المرأة، حرية ومساواة المرأة عمل المرأة، كل هذه الضجة تحوم حولك يا حواء، إنه لأمر مزعج وكأن لا هـمّ لنا سوى النساء وقضاياهن. وأنتن السبب فيما آل إليه حالكن.
 استغربت قوله و بادرته بالسؤال: كيف ذلك؟
  أعتقد كان ينتظر مني جملة كهذه فأسند ظهره للكرسي وبدأ:  إن قيود المرأة داخل عقلها و قلبها أكبر من قيود المجتمع.
هي من رضيت…  هي من صمتت…  هي من  استكانت…  هي من  انحنت وخضعت و جعلت ركوبها سهل ومتاح للجميع.
 قاطعته بعنف:
- توقف،  نحن لم نختر وأدنا، نحن لم نرضَ بقهرنا، نحن كنا وما زلنا نحارب من أجل أنفسنا وأخواتنا وجميع بنات جنسنا .
 استعدل في جلسته و قال لي: كيف ذلك؟
أنت وغيرك ترضين بالرجل حاكماً لك ولعقلك ولأحلامك إن جهلكن هو سبب ضياعكن، رضيت من الضربة الأولى بل ربما رضختي من الصرخة الأولى له،  و قلت أزمة عابرة وستمر، بل هي كانت الاختبار الأول لك ورسبت فيه بجدارة:  فصمتك  قواني، وضعفتك افرحني،  دموعك دليل نجاحي في قضمك ببطء واستمتاع
 - لست كذلك أيها المغرور، أنا أحمي بيتي من الانهيار،  قد أعلن الطاعة لك حفاظا على مقدسات طاهرة لتظل نظيفة وتنمو ببراءة.
 قاطعني بإشارة من يده :
- لا تختلقِ الأعذار….  فلا عذر عندي لمن استكان و هان.
أريدك فقط قوية لنفسك،  غنية بعلمك،  واثقة بعملك،  ثابتة في مواقفك،  صريحة، جريئة،  واضحة، ومحددة
لا يهزك كلام الرجل أو عرض عضلاته أمامك،  فأنا لا أرضى لأمي أو أختي أو حتى حبيبتي أنت أن تقبع خلف ظلي لحمايتي أو السهر على راحتي
 قودي حياتك وانطلقي وامضِ بعزم…..
  دعيني أتعب حتى أعثر على آثار قدميك….
 دعيني أسهر... أتذكر أو أحاول حتّى تخيل ملامح وجهك...
دعيني أبحث في كل الأودية و الحقول عن خصلة شعرك...
دعيني أبكي خوفا من فقدانك أو ارتجف من مجرد فكرة رفضك لي
 رفعت كفى في وجهه فسكن صمت:
- احترت فيك أيها الرجل فأنا حين أحب أعطي بسخاء، و حين تتدفق مشاعري أقلب الأرض الجرداء جنة لك، وأنثر لك سنابل القمح الذهبية و تشرق الشمس في حياتك بوجودي.
 أزاح الطاولة التي تفصل بيننا وحملها بحذر كيلا تنسكب بقية قهوتنا الصباحية و اقترب مني وقال:
- أعلم أنك من بيده قلب موازين حياتي،  فلِمَ أرى الدموع و اليأس و الصمت المؤلم ينطق من عينيك؟
لا أريدك جسداً جاهزاً كل مساء بل أريد عقلاً يبهرني يفحمني بالرد والأدلة والبراهين، ويجعلني أردد خلفك كالمذهول عباراتك،  وأتعجب من هذا الكائن الماثل أمامي الذي له أكثر من هيئة يرتديها وله أكثر من لسان يحاور به، وله ألاعيب لا حصر لها تبقيني دائماً بدهشة حاضرة.
أريدك أن تقرأ أكثر،  أن تعي أكثر، ألّا تعيرني اهتمام، بل انظري إليّ وحدثيني عن الاقتصاد ومصائب السّـاسة، تكلمي عن الفنون والجنون وحب الفلسفة وعظماء التاريخ، ادخلني بكل أنواع الأدب وعلميني، لا تنقلِ أحاديث جاراتك الفارغات أو آخر أخبار الموضة والمكياج.
تنهد وأكمل برجاء :
أريدك أكبر، أريدك أفهم، أريد أعلم، أريد كل خير لك.
 أنت  تخبين عظمة بداخلك، وقدري و قدر أبنائي بيديك،  لديك سلطة الكبرى لتأدبيني إن تجاوزت حدودي وعدت لحماقاتي فقط أوقفيني بنظرة، بكلمة، بموقف حازم  و سترين وقتها إنني أعلنت لك الطاعة، حين أدركت أنت قيمتك وخرجت من قوقعتك
ابتسمت بهدوء وحدقت فيه قائلةً:
حين خرجت إلى هذه الحياة، صاحبتْ الأضواء و الأنوار ولادتي وعلتْ بالضحكات شفاهي…
 حين جاء دوري لأضيف للحياة كائناً نورانياً جديداً علا صوت صرخاتي، وتساقطتُ عرقاً وألماً، خوفاً و تعباً...  ليشهد العالم ميلاد جديد و تسجل الملائكة اسماً ويُفتتح سجلاً جديداً
 كنت ومازلت أنا المرأة
 أنا أصل البداية و أنا أصل كل الحكاية
 أنا الحب و الخيانة
 أنا الثلج والنار
 أنا الشمس والقمر مجتمعان
 انا الآلهة التي عُبدت في غابر الأزمان
أنا أعلم من أنا يا هذا؟؟
 ضحكتُ بتحدي وأكملت:
- ستدور حول نفسك كثيراً إذا فكرت يوما في نسياني،  ستدور في حلقة مفرغة تعود فيها لنفسك بحثاً عن كياني
 هنا ابتسم لي اخيرا و اقترب مني أكثر وقبّل جبيني بحرارة وقال:  لهذا أنا أحبك وسأظل أسير حبك، فأنا  كما عّبر عني نزار قباني وقد أفلح حين قال: { حبك يا عميقة العينين تطرف ... تصوف ... عبادة ... حبك مثل الموت والولادة ... صعب أن يعاد مرتين}
نهض وأمسك يدي وجذبني لأقف معه وقال: معاً سنكمل الطريق دوما

شددت على يده فاحتضنني ونظر كلينا نحو الأفق والألوان تنساب وتمتزج مع بعضها على صفحة السماء بينما كانت الشمس ماتزال تفكر في الاستيقاظ وإعلان الصباح.

دمتم بخير ...
مع تحيات: سمراء النيل (د. سلمى النور )