الثلاثاء، 27 نوفمبر 2018

إعدام ورقة


إعدام ورقة

يا أعزائي…. هذه الخاطرة ليست لأي منكم...
وجدتها في بعض أوراقي القديمة وما هان عليّ رميّها، أو تجاهل  رؤيتها، أو انكار كتابتي لها، هذه إحدى الخواطر التي كتبتها إبان فراقي الأول لأسرتي.
 كثيرة هي الأوراق…. ومازالت تلك الورقة المفخخة بالمشاعر والذكريات تختبئ بين ذكريات قديمة مُغبرّة، لتنفجر فجأة و بقوة مذهلة، لكني تجاوزتها كما تجاوزت العديد من العقبات القديمة وأضحت الآن لا تعني لي الكثير..
 حين رأت تلك الورقة أن سحابة انفجارها تلاشت في الهواء بلا أدني أثر وأدركت مصيرها المنتظر ترجتني بعطف ألا أرميها هكذا.
 قلت لها: لكن دورك قد حان الآن، لتغيبِ و تتوه في غياهب النسيان للأبد.
 قالت الورقة: إذا كان ولابد من فنائي فأخبري عني وبعدها تخلصي مني.
 قلت لها ببرود: لك  ذلك أيتها الورقة…. تعالي
و هذا هو النص الأصلي الذي تم كتابته في عام 2003
" حين رأيتها….  هاجت كل عواطفي واندفعت نحوها…. و  ظلت  تطاردها في محاولة يائسة للحاق بها..
 رغم أن كل الطرق المنطقية تفرض و تؤكد استحالة اللحاق بها ولكن المشاعر أبت رغم ذلك إلا أن تقفز من دواخلي وتحاول اللحاق بها في الجو ولكن عبثاً.
 حاولت كذلك عصافير قلبي وطيور محبتي واشتياقي لأخوتي أن تلحق بها، ولكن لأن تلك الأخرى لها قلب حديد وتكوينها المعدني القاسي لم ترضَ حتى أن تعيره مجرد نظرة خاطفة على كل من حاول اللحاق بها، و تبتسم بداخلها بقلبها المعدني القاسي و تؤكد انتصارها لذاتها.
 عصافيري لم تيأس ولكن حين رأت عجزها عزَّ عليها أن تعود إليّ خالية اليدين .
فخاطبت ذيلها الذي هزَّ نفسه متعجرفاً كصاحبته و لكنه رقَّ لحال عصافيري فسألها:  ما الذي تريدينه مني؟  لا يمكنك إطلاقا اللحاق بنا...نحن ملكنا الجو ونحكمه منذ أمد بعيد.
 ردَّ عصفوري الجميل: لا أريد اللحاق بك لأسبقك ولا حتى أفكر في هزيمتك... أعلم أن هذا لا يمكن بالتفكير المنطقي ولكن صاحبتي أرسلتني لأطلب منكم حمل وصية مهمة.
 ابتسم الذيل و قال:  ألهذا لحقت بنا و أتعبتِ نفسك؟
 رد عصفوري وأنفاسه تتلاحق:  نعم .. نعم إنها مهمة عاجلة صمت الذيل فترة قبل أن يرد: حسنا قل وصيتك وأنا سأرى إن كانت تستحق أن نوصلها أم لا….
قال عصفوري في براءة:  اقرأ أهلي مني السلام و قل لهم .. إني على العهد مازال.. ولكن طال الفراق و كثرت الآه..            وأنا بشوق ولهفه أحثَّ الأيام والليالي كيف تغادر...
أريد رؤياكم و سماع أخباركم و البقاء معكم…                     و لكن لا بأس كل شيء إلى أجل وإني أدعو الله واصطبر لي ولكم….
يا ابن آدم أحبب ما شئت فإنك مفارقه واعمل ما شئت فإنك ملاقيه….
فلنبقى على العهد وإن نأت الديار
ولنسير على الدرب وإن تباعدت الاقدار
ولندع الله أن يكون في جنته اللقاء.
ضحك الذيل ضحكة عالية مستهترة: أهذا كل ما عندك يا صغيري؟ احمل وصيةً أهم من ذلك….  هيا عـُد... عُـد من حيث أتيت فلا وقت عندنا.
 توقف عصفوري قليلا وقد بان الغضب عليه و هو يستمع لكلمات الذيل المتعجرف صاحبته وهو يكمل مبتعداً: عصافير هذا الزمن غبية حقا ..أهذه وصية تحمل و يُتعب من أجلها بل و أكثر من ذلك يريدنا أن نوصلها له، لا يدرك هذا الأحمق الصغير أننا نحمل أهم الأشياء( رجال الأعمال- المال - المجوهرات- البضائع) كل ما يمكن أن نستفيد منه…  ما الذي سنجنيه من حمل وصية كهذا.
سمع عصفوري حديث الذيل لصاحبته فاستشاط غضباً وعاد إلي يحدثني. حاولت تهدئته لكنه اعترض قائلاً: ألم يتبقى لغة في هذا العالم إلا لغة المادة، أين اختفى الحب و التعاطف و الإخاء؟ هل اندثرت كل المعاني الجميلة؟
 قلت له:  عصفوري البريء لا عليك لقد بذلت ما في وسعك فلا تحزن ، أما بالنسبة لرسالتي فإني أحسّها وصلت لأهلي فهم في كل وقت يشعرون بي أنا متأكدة من ذلك فلا تحزن يا صغيري. صمت عصفوري ثم قال فجأة: أتسمحين لي بالسفر لإيصال الرسالة؟
قلت له: صغيري أنت لا تقدر بالكادِ حاولت بلوغ الطائرة ورفضت هي رسالتك …. فلا تذهب.
 قال عصفوري بكل حماس وانفعال:  بل سأذهب، وسأسبق تلك المتعجرفة المُفاخرة بقوتها الحديدية،  فأنا لدي ما لا تملك أنا لدي ايماني وثقتي الكبيرة بالله و حب أهلي و سمو هدفي كلهم سيوصلونني.
 قلت له: أخشى عليك من التعب، الطائرة قد أقلعت قبلك يا حبي الصغير.
 أجابني بحماس:  ثقي بربك.. وأدعي لي.
 و طار بسرعة من أمامي ظللت أرقبه حتى اختفى عن ناظري.
طار عصفوري البريء محلقاً عبر الوديان و البحار و الجبال و ها هو الآن يحلق فوق دولة الإمارات تتجاوز أبوظبي و يستقر في بيت طفولتي...
 طرق النافذة و ما أن رأته أختي حتى أخبرت والدي ففتحوا له الباب…  و دخل دخول الفاتحين استقبلوه بالأحضان والقبلات الحاره، بقي عندهم بضع ساعات حمّلهم أشواقي وحمّل منهم السلام و أحرر الدعوات الصادقة و القبلات و انطلق عائداً إليّ.
فوجئ في مطار أبوظبي بتلك الطائرة تستعد للهبوط، نظر إليها وابتسم ابتسامة المنتصر... خاطبه الذيل: أنت أيها الصغير ما الذي أحضرك.. وكيف سبقتنا إلى هنا؟
 سأله عصفوري:  بل أنتم ما الذي أخرّكم.
أحنى الذيل رأسه قائلاً:  حصل عطل الصغير فاضطررنا للهبوط و لكن أخبرني بالله عليك كيف وصلت؟
 ابتسم صغيري قائلاً:  أنت تؤمن بالمنطق و المادة وغيرها،  أما أنا فأؤمن بالله واللامعقول واللامنطق،  مؤمن الحب و الإخاء و غيرها كثير مما لا يمكنك أن تفهمه أيها الحديد…. لن أضيع وقتي معك، اهبط هبوطك... تصحبك السلامة،  فأنا لديه وصية سأعيدها إلى صاحبتي. مع السلامة.. الى اللقاء….
عاد إليّ عصفوري سعيداً  مع غروب شمس ذلك اليوم ضممته إليّ وقبلته في سعادة، فقد أكّد لي إنه لا مستحيل تحت الشمس."  "هذا هو النص الأصلي موقع بتاريخ 2003"

بعد أن وفيت بوعدي لها حملتها لسلة المهملات ورميتها و نظرت إليها بوداع فإذا بها تضحك و تقول لي: لقد نلت منك لقد فزت و أخيرا سأظل الآن  في صفحات ذاكرة سمراء النيل بعد أن كنت حبيسة مع بعض أوراق مهملة…. لقد كسبت الخلود
 لم تروق لي  كلمتها لكن أحب أن أوفي بوعدي : فليكن لك ذلك أيتها الورقة طالما صمدت كل هذا الوقت بين أوراقي المهترئة فقد تستحقين بعد التخليد .
 مع تحيات سمراء النيل (د.سلمى النور)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق