الخميس، 13 سبتمبر 2018

منازل متدرجة


منازل متدرجة

أن يداعبك حلم ذات مساء في أن تصير طبيباً أو مهندساً أو محامياً أو حتى طباخاً مشهوراً، وتُعرض لك حلقات الطبخ في التلفاز ويشاهدك القاصي والداني، هو حلم جميل....
 لكن ما أن تستيقظ صباحاً حتى تحاول أن تعرف موقعك الحالي فتواجهك الصدمة: إنك الآن مغمور ذو حلم فقط... مجرد حلم.... وقد لا يعلم أحد بحلمك هذا سوى نفسك لولا أنها لم تكن بين جنبيك لم عرفت هي أيضاً بحلمك الرائع المكبوت حالياً...
 تبدأ  رويدا رويدا في تلمس خطوات طريقك، فتجد إنه ملئ بالعثرات: إنك تخاف من نظرة احتقار عزيز عليك، أو مزحة صديقك المؤلمة، أو تعليق قريبك عليك، إنك تخشى بُعد الطريق وطول المسافة بينك و بين الحلم المكنون...
تقول لنفسك: إلى متى سأظل فاشلاً في عيونهم.... أإلى أن يتحقق حلمي الجميل، فأخرس ألسنتهم وأرفع من مستواي.. وأكون شخصاً مختلفاً....
سؤال لك: إذا كنت ستكون مختلفاً آنذاك عنهم فأنت إذن من الآن مختلف.... لِمَ عليك التظاهر بأنك مثلهم؟؟؟          لماذا لا تفتخر باختلافك عنهم الآن...؟؟؟
لِمَ عليك أن تكون شخصاً آخر ليرضى عنك الجميع؟؟؟     لِمَ عليك الانصهار في بوتقة المجتمع أو جماعة ما لتحس بالأمان و القبول؟؟؟
 لهذه الدرجة ترى أنك محور ومهم لدى البعض، وياليت الأمر كذلك .... أن يعيرونك نفس النظرة و الأهمية....     و أنا لا أرى ذلك ....
فقط حين ألقاك أتذكرك وأُلقي عليك رأي فيك.....
لتكون قوياًّ و تهملني و لا تعترف برأيي فيك، لأنه حقيقةً ليس ذو قيمة منذ البداية، أنا و غيري و كلنا نتظاهر بأننا نعرفك وأننا نفهمك حقّاً...  بينما حقيقتنا ورأينا أيّاً كان لا يمّتُ لك و لا لأحلامك بصلة.
أرجوك تجاهلني وتجاهل كل من يقف حجر عثرة لك، و قلها صراحة: دعوني وشأني... إذا فشلت فلي ذلك و إذا نجحت فلي ذلك أيضاً....
أنتم سأحضركم لتكمل صورة النجاح، عندي فقط أنتم حينها تكملة مظهر لا أكثر.....  وقد اكتفي بنفسي و لا أحتاج لكم. المشكلة إنه من موقعك الحالي تدرك إنه عليك الولوج بمنازل متعددة و متدرجة واحدة تلوَ الأخرى لتعلو وتلحق بحلمك...  بعض هذه المنازل عالية وسُلَمها طويل و بعضه قريب من أخيه... فترتقيه بسرعة، و لكنها تبقى منازل واحدة تلو الأخرى، قالها جلال الدين الرومي سابقا: ( وضع الله أمامنا سلماً علينا أن نتسلقه درجة إثر درجة، لديك قدمان فلِمَ التظاهر بالعرج).
أختر من الآن سُلَمك المحدد و طريقك الواضح وانهض محاولاً الصعود و الصمود، فأنت محتاج لكليهما...  وصدقني في آخر سُلمك هذا... إن تابعت مشوارك بتشجيع الآخرين لك وفهمهم مقصدك أم إنك اخترت الصعود وحيداً سلاحك العزيمة و الإصرار، حين ترتقي في طريقك ستجد الله ينتظرك... يرحب بك في الدنيا قبل الآخرة...  لأنه كلما ارتفعت كلما إزددت يقيناً في خالقك.
 وهذا مطلب الله من مخلوقاته، الوصول إليه في كل المجالات، وفي كل الأحوال، والأهوال و الاختبارات.
 ارتقي منازلك المتدرجة منزل تلو الآخر، و حدد تخصصك واتجاهك، واسعَ وأمضِ في سبيل الله، وأدعو الله أن ينير لك المنزل التالي.. فالتالي ، ليتضح الطريق واملأ قلبك من الله وتوكل عليه... ففي أي عمل تختاره هناك الملايين ممن سبقك في المنازل، عليك الإخلاص و الإسراع، وحاول أن تنفع غيرك لتُبارك خطواتك في الحياة.
 تابع العمل والحياة.....  أبحث عن الله في كل الأشياء.
 فهل وجدت الله... أم أن البحث ما يزال مستمراً .....
دمتم بكل ودِّ وخير...
مع تحياتي : سمراء النيل( د. سلمى النور)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق