الخميس، 26 يوليو 2018

لا تعترض....


لا تعترض

قلت لها: لِمَ لا تدعينها تذهب؟!
ابنتك تعاني منذ خمسة عشر عاماً من سرطان الدم، و أنت تركت عملك وتفرغت لها.. لماذا لازلت تُصِّرين على بقائها في المشفى مع أن الطبيب أخبرك أنها مسألة وقت فحسب وطلب منك إرجاعها للبيت لتحظى بساعات أو ربما بأيامٍ جميلةٍ معك.
 لم هذا التمسك المؤلم بالأمل؟
لِمَ كل هذا الخوف؟  فما أسوأ شيء يمكن أن يحدث؟ أن تموت... نعم
بكل بساطة هو الموت وهو ما تتمناه هي و تخشينه أنت، الموت ليس صعباً إلا في البداية،  كل البدايات عادة غريبة مؤلمة، مخيفة، ثم يمضي كل شيء بسلام لك ولها.
 بالنسبة لها هي الراحة الأبدية من كل هذا العذاب المستمر بين فرح الشفاء والأمل في عيش حياة طبيعية و بين انتكاسة المرض و بدأ العلاج الكيميائي مرة أخرى. إن الأمل مؤلم إن نكص على عقبيه وابتعد بعدما توقعنا قدومه القريب.
إن خيانة الأمل لأحلامنا وتوقعاتنا شيء مؤسف و يصيب القلب في مقتل، و تبدأ العينين بالبكاء المرير، أيها الأمل لا تبتعد أكثر... كن بجوارنا... نحن نضع على عاتقيك مهام جليلة: كحلم طفل يكبر، و شفاء مريض تأخر، حلم زواج اقترب، حلم نجاح دراسي كاد أن يُعلن، وحلم ترفيه مُؤجل، و الكثير الكثير.... 
فلا تتأخر أيها الأمل، فنحن أضعف من الحزن و أقوى من اليأس، إن السقوط في حفرة اليأس هو ما يجعلنا نرفع رأسنا عالياً وربما بوجه مغطى بالدموع و ننهض لنؤمن من جديد، و نعيد الكرة.
 نحن لا نتخلى عن أحلامنا بغتة في لحظه يأس عابرة وكما قيل قديماً:" ففي لحظة  يأسك يتغير قدرك" علينا تقبل أقدارنا بشجاعة و مقولة الرائع ستيفن كوفي:"الرياح قدر من الله و توجيه الشراع من عمل يديك"
ونعود لتعديل رؤيتنا ونتقبل القادم و نسامح الماضي...
أرجوك دعي ابنتك تغادرنا بسلام اجلسي بجوارها أعطيها بعضاً من الطعام السخيف الذي لا قيمة غذائيةً له فطالما كانت مضيعة للوقت طوال تلك السنوات وهي تأكل من طعامك الصحي وربما هو ما أبقاها حية إلى الآن، و لكن نكهة الوداع لها طعم آخر، أعطها ما تشتهي، اذهبي برفقتها إلى الشاطئ الذى طالما حلمت به في الثلاثة أشهر الأخيرة و اجلسي معها و تحدثي، احضنيها وأبكي، بوحي لها بخاطرك المكسور في ابنتك و كيف إنك تودعينها  عند مولاها لتلحقي بها وتلتقي ذات يوم.
إنما كل شيء في حياتنا هنا مرهون بالزمن فهي مسألة وقت لا أكثر، قبليها كثيراً خبئي رائحتها في حنايا قلبك واحضنها جيداً، لا تمنعي أية دمعة أرادت النزول والمشاركة فالوداع ليس سهلاً على أية حال لكنه أمر حتمي. 
ما زلت أذكر أنني أوصلتها إلى الشاطئ بنفسي وعدت لسيارتي انتظرهما بداخلها لأعيدهما للمشفى، ومازال منظرها وهي تحضن ابنتها على الشاطئ لا يفارقني، لأنه حين أتي الغد لم تكن معنا، سافرت لمولاها بسلام وهدوء.
 وأخيراً خمدت نارها في قلب أمها، وأصبحت ذكرى الآن أراها كلما مررت على ذلك الشاطئ. 
أيعقل أن الموت كان ينتظر رضا الأم حتى يأخذها، كان الموت رحيماً لم يجزع قلب الأم النائمة بجوارها بل تسلل بهدوء وأخذ الابنة الهزيلة بعيداً، و في الصباح قبل موعد مرور الطبيب، استدعته الأم ليحاول إيقاظها  لكن الأبنة في ذلك الوقت كانت قد تجاوزت عالمنا في بكل احتمالاته..
أقبلت على الأم أحضنها وهي بين دموعها تقول لي: بالأمس كانت سعيدة، بالأمس ضحكت و لمست الماء بقدميها، بالأمس شربت بعض الكوكا، و أكلت الحلوى، أمس كان أجمل أيامنا...
 كان ذلك فقط قبل سويعات و كأن للموت القادم طعم آخر، مهما فكرت بلحظة الوداع وأبديت استعدادك لها، حين يأتي الموت تظل ساكناً كأنك لا تفقه شيئاً....
وتظل هيبته مخيفة صامتة فلا تعترض   دع من يرحل.... يرحل بسلااام
مأخوذة  مع بعض التغير من فيلم The Good Sister
مع تحياتي : سمراء النيل (د.سلمى النور)

هناك 3 تعليقات:

  1. أزال المؤلف هذا التعليق.

    ردحذف
  2. ليس اعتراضا بقدر ما هو تمسك بأمل -ولو كان ضئيلا جدا - بأن نبقى قليلا بجوار من نحب ..
    هكذا خلقنا

    ردحذف
  3. إذا أدركت أن الرحيل سيريح من تحب ويهدأ من نفسه الموجعة بالألام ، فكن شجاعا وودعته بابتسامة وكفكف دموعك أمامه ، وياليتنا نسطيع بعد ذاك إطفاء نار الحشى المتقدة بسببهم.
    هي محاولة مرهقة ومستحيلة ...
    مع تحياتي : سمراء النيل

    ردحذف