الخميس، 19 يوليو 2018

احساس


احساس

حين تعيش في مكان واحد لفترة طويلة تصبح جزء من المكان، وكذلك المكان يبادلك نفس الشعور حيث ستفتقدك تلك العمارة وزوجها ذاك المصباح العجوز الذي طالما وقفت أسفل منه وأنت تتأمل نافذة حبيبتك في الأيام الغابرة ، و كثيراً ما حدثت نفسك وأنت متكئ على عمود المصباح وكان هو يسمع  حديثك، ويحسُّ بلهفتك و دقات قلبك انتظاراً لحبيبتك،  كان يشاركك بصمته نهاراً وضوؤه ليلاً،  أما المبنى العمارة الذي شهد ميلاد الطفلة ونشأتها وسكنها في حضنه فله رأي آخر كرأي والدها ، فكنت لا تروق لكليهما وكان والد حبيبتك الذي رفضك أكثر من مرة و كنت ما تزال لأجل عينيها مصرَّاً لا يغادرك الأمل في أن تصير زوجة لك يوماً ما.
بعد إصرار ثلاثة أعوام من الصبر كنت تتمنى موت والدها لأنه أصبح لك (كشوكة حوت لا يفوت)  و الحق يُقال إنها رفضت كل من تقدم  لها في ذاك الوقت انتظار لك، هي كأي فتاة  لا تخرج عن كلمة والدها و لها حلم بأن يوافق ذات يوم على حبيبها ويزفها بنفسه إليه ، إلى أن  جاء يوم وفاضت روح والدها إلى بارئها و كانت لحظات حزن تلك الجميلة هي في نفسها لحظات فرح مكبوت لدى الحبيب.
 الآن زال ما كان يعيق  زواجهما وقد ثبت اخلاص كل واحد للآخر خلال ثلاث سنوات ، ما خلت من الإغراء لكل منهما و لكنهما صمدا،  وللأسف بعد موت والدها كانت وصيته واضحة بأن لا تتزوج منه أبداً ....
هنا انهارت أحلام فتاتنا وفي لحظة غامضة سمع هو بزواجها وسفرها مع زوجها الجديد خارج البلاد،  تاركة الحبيب في طور الصدمة وسرعان ما تمالك نفسه و هجر البلاد هو الآخر يلازمه حزن عميق وألم ذكريات ، وظلَّت هذه القصة تحكيها أضواء الشارع التي شهدت على كل شيء و ألقوا بجزء من اللائمة على المبنى العتيق لأنه لم ينصف الحب و الإخلاص حين راه.
و ها هو حبيبنا القديم يعود للمهجع ويزور نفس الشارع و ينظر إليه المصباح القديم وقد عرفه فور ترجله من  سيارته الجديدة الفارهة، بادله المصباح القديم النظرة نفسها و هرب هو ببصره تلقائياً إلى النافذة القديمة و قد كُشِفَ أمامه سر زواجها المفاجئ ، عاد هو لنفس المكان ليسامح الكل ابتداء من نفسه وحبيبته  وكل من اشترك وتورط في ابعاده عنها ، سامح الحب  الذي خان والأضواء الصامتة والمبنى اللئيم نفسه،  فقد انتبه بعد نحو عشرين عاماً أن من أحب حقاً سامح وغفر، فالأهم أن تعفو وتسامح وتمضي بسلام نحو قدرك ....
في أحيان كثيرة يحدث ذلك لكل منّا حين نتعلق بالأشياء و الأماكن و نوطد علاقة مملوءة  بالحب مع الأجواء، ونغادرها لسبب ما  فإننا حين نعود و لو بعد مرور عشرات السنين ، ففي الغالب نجد أن  الأشياء هي  الأشياء و الذكريات القابعة في المكان والمختبئة في الذاكرة،  هي التي تشعرك بأنك مألوف وجزء من اللحظة...
   فلتستمتع بلحظات وجودك و أحمل ما استطعت في ذاكرتك، وخزّنها جيداً، لتستعيدها لحظة احتياجك لها بقوه الخيال و تعود ابتسامتك من جديد علي أشياء وأسرار لا يعرفها أحد سواك...  
والسلام ....

سمراء النيل (د. سلمى النور)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق