الثلاثاء، 31 يوليو 2018

رعب المــــوت


رعب الموت

هل تعتقد أن الموت بعيد عنك؟؟؟
 هل تخيفك فكرة موتك؟؟
 هل أخبرك بما هو أشد رعباً من موتك؟؟
  أن تموت و تختفي و لا يذكرك أحد أبداً...   تكون مجرد رقم أُضيف على الأوراق، وأن ترمى شهادة وفاتك في أحد الأدراج و تصبح طي النسيان.
 بالأمس كان الجميع يذكر ضحكتك و طريقة كلامك و رداءك المميز لشخصيتك، كانت الأشياء و الأجواء تشاركك الضحكة و الفكرة و الاحساس...
 و الان لم يمضِ إلا أسبوع على مغادرتك لنا و قد جف دمع الجميع و بقى في القلب بضع أحزان عليك، لأن الأماكن ماتزال تحفظ رائحتك بعد، لذا تشيع في مكانك القديم جزء منك، فيتذكرك الباقون ويظهر الحزن و الآن بعد مرور أسبوعين  حتى الأماكن  والأشياء تآمرت لنسيانك وإضاعة رائحة حضورك المميزة المعتقة التي كنت تظن إنها لن تختفي....
 ولكن الحقيقة الموجعة أن باختفائك الشخصي سيتضاءل كل شيء له علاقه بك تدريجياً إلى أن يُمحي أثرك من على وجه الأرض، و بعد مرور سنوات قد تختفي ملامح  قبرك، وبعد زواج أبناءك سيتراجع اسمك إلى المرتبة الثالثة، وفي الجيل الذي بعده تصبح الجد الرابع وهكذا لتصل الى مرحلة الجد الأربعون و هي آخر مرحلة يظهر لك فيها أثر، هذا إن افترضنا أن أحد ما في سلسلة أحفادك قرر البحث عن أصله و قام بفحص (  DNA )  ليعرف أصله و منشاة أجداده، قد يكون ذاك الحفيد مولعاً بعلم الانثروبولوجيا ودار به الفضول ليعرف من أين انحدر أجداده وأسلافه، وقتها فقط ستذكر مجدداً على إنك الجد الأربعين فقط بلا اسم و لا شهرة و لا مزيد معرفه عنك،  و تلك المعلومات قد يستخدمها الحفيد أو يرمى بها  و ينطلق في مجال آخر يبحث عن شيء جديد يستهويه، أما أنت ستخرج من دائرة الأربعين وتستمر بالانحدار والاختفاء إلى ما لا نهاية.....  لِمَ؟؟؟؟
سؤال؟ لا أملك الإجابة عليه سوى لأنها سنة الحياة، و لكن أنت يقع عليك اللوم أيضاً...
لا تتعجب... فهل تعتقد إنك لو كنت مؤثراً حقاً فعالاً سُتنسى؟؟
لا أقصد أن تنفع نفسك و أهلك و المقربون منك وهذا أمر مهم فعلاً، إنما أن يعم خيرك وعلمك العالم، فهل تظن أن أحفاد دافنشي أو مايكل انجلو أو حتى أينشتاين نفسه ولو وصلوا في سلسلة الأحفاد لمئة سينسون جدهم الشهير، سيظلون  يقولون لبقية العالم بفخر لقد كان جدي المئة هو (و يذكرون اسمه.......)
إذن فرعب الموت ليس بسبب الموت في حد ذاته إنما هو هوة النسيان والهجران و الوحدة لما بعد موتك...
 فلتقم لنفسك بعملِ تنفع منه البشرية جمعاء و يظل الكل يدعو لك ودعك من القشور الخارجية التي سوف تتلاشى بزوال اسمك و تختفي بمجرد رحيلك عن عالمنا...
 أهلاً بك الآن لأنك معـــــــــنا....
 و السلام...
 سمراء النيل (د. سلمى النور)

الجمعة، 27 يوليو 2018

الجهل نعمة



الجهل نعمة

قد تتعجب من العنوان و لكنه للأسف حقيقة.
 أن تتمحور الدنيا في نظرك عن 
نفسك وذاتك
وتظل تنفخ فيها بقدر استطاعتك،
 ألا 
تنظر إلى ما هو أبعد من إصبع قدمك الصغير فقط و يا ليته كان أصبع قدمك الكبير.. ، لكن مَا الفرق إذا كنت دائماً تنظر  إلى ما هو أسفل منك. 


يكون عقلك مرتاحاً وسعيداً بخلق جو من الأحداث أن 
والمشاكل البسيطة التي تجعله موضوعاً مع من يعرفه، 
 ألا يتجاوز اسمه و سمعته حدود قريته أو بيئته الصغيرة،  أو حتى جيرانه وأقاربه سواء عرفت بالحسن أو بالسوء..
 انها نعمة حقاً، أن تريح بقايا عقلك من تلك الضوضاء العالمية أو التقدم التكنولوجي أو آخر أخبار الذكاء الاصطناعي أو حتى أن تبحث في آخر ما توصل إليه العلم الحديث، أو أن تهتم بآخر اكتشافات علم الفضاء...
  التقوقع في عالمك الصغير: أسرتك، جيرانك، وأقاربك،  وفي عالمك البسيط قد تلعب دور الضحية أو الجاني، دور القائد أو التابع، و أغلبنا تتنوع أدواره حسب الموقف المطلوب.
 و تمضي الأيام تبعاً، تتشابه فيما بينها وتختلف في ما يُطلب منَّا و أحلامنا وآمالنا تشابه أحلام النمل وآماله.
 فالنمل يعمل بكدّ ليوفر غذائه ويبني منزله ويحاول أن يحمي ملكته، و يعمل و يعمل وفجأة يدهسه أحدنا أو يقتله أحد  أطفالنا عمداً لخوفه من عضة مباغتة منه، أو لسوء تعليمنا نحن لأبنائنا حيث لم يعلموا أن النمل لا يؤذي من تلقاء نفسه، فقط عندما يتعرض للخطر من قبلنا فإنها ردة فعل  طبيعية نقوم بها نحن أيضاً إن كنا في موقعه.
لذا لا يجب أن نقتل النمل عمداً ، أما ضحايا النمل ممن قُتِلَ سهواً أو بغير قصد فهي نسبة ضئيلة مقارنة مع ما تعمدنا نحن قتله بكل  بساطة...
هكذا يقضي أغلبنا حياته في محاوله توفير مسكنه و مأكله وحماية ملكه، حيث في داخل كل بيت ملك أو ملكة تحكمه وترتب أموره وتشرف على جميع أعضائه، وفي خضم انشغالنا بذواتنا ، يداهمنا الموت فجأة كدهسنا للنملة تماماً بلا مقدمات ولا اعتذار.
وهنا نُفجع جداً في أرواحنا حين تطفو بعد التحرر من الجسد والنظر لأعلى لنكتشف أننا كنّا نعيش في وهمٍ وجهلٍ كبيرين في كل ما خبرناه وعايشناه
.. وظنّنا أنه كل شيء....

و في واقع الأمر أن كل ما عشناه لا شيء بل أقل من أن يُحسب واحد صحيح.
 ذلك لأن دائرة جهلنا كانت كبيرة و مهولة لدرجة لم نستطع تجاوز قُطرها و النظر من زاوية أخرى.
فلا تُقصِّر نظرك و تكون كالنملة، فقط أرفع رأسك أترى السماء الزرقاء يُقال فوقها سبع أُخرى، أترى الأرض تحت قدميك قيل أيضاً إنها سبعة.
وأنت يا مسكين لم تُكمل النظر و السعي في أرضك حتى... فكيف تحلم بالسبع؟؟
إن كنت لا تحلم فلا بأس في هذا من نعمة الجهل عليك، أن تبقي عينيك مغمضتين عما يسير في هذا الكون وتظل تُثير المشكلات و المتاعب أينما حللت، أبشرك حين يدهسك الموت فإن من كنت سيئاً معه سيفرح بهذه الهدية المفاجئة، أما إذا كنت مكتفي بعالمك و تعالج أمورك بحكمة و هدوء و روية فهذا سيحزن من يعرفك لأنه سيفتقد حكمتك ورؤيتك.
 تساءل بسيط هل يمكنك أن تخرج العالم بفضول طفل صغير لا يتوقف عن طرح الأسئلة حتى يفهم؟
 أقرأ في شتى المواضيع أسال كثيراً و اقرأ أكثر، كلما عجزت عن إجابة سؤال...اقرأ أكثر عنه و تعمق فيه، أترك أثراً لنفتقدك و نذكرك بعد موتك بالخير لا أكثر.
 لنحاول أن يعم خيرك و فهمك أكبر قدر من البشر و حين يأخذك الموت ستدرك أن كل ما تعلمته هنا على أرضنا كان مجرد قطرة في بحر علم الله تعالى
و دمتم بخير...
سمراء النيل ( د. سلمى النور)

الخميس، 26 يوليو 2018

لا تعترض....


لا تعترض

قلت لها: لِمَ لا تدعينها تذهب؟!
ابنتك تعاني منذ خمسة عشر عاماً من سرطان الدم، و أنت تركت عملك وتفرغت لها.. لماذا لازلت تُصِّرين على بقائها في المشفى مع أن الطبيب أخبرك أنها مسألة وقت فحسب وطلب منك إرجاعها للبيت لتحظى بساعات أو ربما بأيامٍ جميلةٍ معك.
 لم هذا التمسك المؤلم بالأمل؟
لِمَ كل هذا الخوف؟  فما أسوأ شيء يمكن أن يحدث؟ أن تموت... نعم
بكل بساطة هو الموت وهو ما تتمناه هي و تخشينه أنت، الموت ليس صعباً إلا في البداية،  كل البدايات عادة غريبة مؤلمة، مخيفة، ثم يمضي كل شيء بسلام لك ولها.
 بالنسبة لها هي الراحة الأبدية من كل هذا العذاب المستمر بين فرح الشفاء والأمل في عيش حياة طبيعية و بين انتكاسة المرض و بدأ العلاج الكيميائي مرة أخرى. إن الأمل مؤلم إن نكص على عقبيه وابتعد بعدما توقعنا قدومه القريب.
إن خيانة الأمل لأحلامنا وتوقعاتنا شيء مؤسف و يصيب القلب في مقتل، و تبدأ العينين بالبكاء المرير، أيها الأمل لا تبتعد أكثر... كن بجوارنا... نحن نضع على عاتقيك مهام جليلة: كحلم طفل يكبر، و شفاء مريض تأخر، حلم زواج اقترب، حلم نجاح دراسي كاد أن يُعلن، وحلم ترفيه مُؤجل، و الكثير الكثير.... 
فلا تتأخر أيها الأمل، فنحن أضعف من الحزن و أقوى من اليأس، إن السقوط في حفرة اليأس هو ما يجعلنا نرفع رأسنا عالياً وربما بوجه مغطى بالدموع و ننهض لنؤمن من جديد، و نعيد الكرة.
 نحن لا نتخلى عن أحلامنا بغتة في لحظه يأس عابرة وكما قيل قديماً:" ففي لحظة  يأسك يتغير قدرك" علينا تقبل أقدارنا بشجاعة و مقولة الرائع ستيفن كوفي:"الرياح قدر من الله و توجيه الشراع من عمل يديك"
ونعود لتعديل رؤيتنا ونتقبل القادم و نسامح الماضي...
أرجوك دعي ابنتك تغادرنا بسلام اجلسي بجوارها أعطيها بعضاً من الطعام السخيف الذي لا قيمة غذائيةً له فطالما كانت مضيعة للوقت طوال تلك السنوات وهي تأكل من طعامك الصحي وربما هو ما أبقاها حية إلى الآن، و لكن نكهة الوداع لها طعم آخر، أعطها ما تشتهي، اذهبي برفقتها إلى الشاطئ الذى طالما حلمت به في الثلاثة أشهر الأخيرة و اجلسي معها و تحدثي، احضنيها وأبكي، بوحي لها بخاطرك المكسور في ابنتك و كيف إنك تودعينها  عند مولاها لتلحقي بها وتلتقي ذات يوم.
إنما كل شيء في حياتنا هنا مرهون بالزمن فهي مسألة وقت لا أكثر، قبليها كثيراً خبئي رائحتها في حنايا قلبك واحضنها جيداً، لا تمنعي أية دمعة أرادت النزول والمشاركة فالوداع ليس سهلاً على أية حال لكنه أمر حتمي. 
ما زلت أذكر أنني أوصلتها إلى الشاطئ بنفسي وعدت لسيارتي انتظرهما بداخلها لأعيدهما للمشفى، ومازال منظرها وهي تحضن ابنتها على الشاطئ لا يفارقني، لأنه حين أتي الغد لم تكن معنا، سافرت لمولاها بسلام وهدوء.
 وأخيراً خمدت نارها في قلب أمها، وأصبحت ذكرى الآن أراها كلما مررت على ذلك الشاطئ. 
أيعقل أن الموت كان ينتظر رضا الأم حتى يأخذها، كان الموت رحيماً لم يجزع قلب الأم النائمة بجوارها بل تسلل بهدوء وأخذ الابنة الهزيلة بعيداً، و في الصباح قبل موعد مرور الطبيب، استدعته الأم ليحاول إيقاظها  لكن الأبنة في ذلك الوقت كانت قد تجاوزت عالمنا في بكل احتمالاته..
أقبلت على الأم أحضنها وهي بين دموعها تقول لي: بالأمس كانت سعيدة، بالأمس ضحكت و لمست الماء بقدميها، بالأمس شربت بعض الكوكا، و أكلت الحلوى، أمس كان أجمل أيامنا...
 كان ذلك فقط قبل سويعات و كأن للموت القادم طعم آخر، مهما فكرت بلحظة الوداع وأبديت استعدادك لها، حين يأتي الموت تظل ساكناً كأنك لا تفقه شيئاً....
وتظل هيبته مخيفة صامتة فلا تعترض   دع من يرحل.... يرحل بسلااام
مأخوذة  مع بعض التغير من فيلم The Good Sister
مع تحياتي : سمراء النيل (د.سلمى النور)

الخميس، 19 يوليو 2018

وليف الروح

وليف الروح

 هل لديك وليف الروح؟ لا أقصد مَن يُشاركك المسكن أو المشرب أو حتى كرسي الجامعة أو العمل. هو شخص واحد للأسف يكون هو الوحيد الذي تستطيع أن تخلع أمامه جميع أقنعتك ، تكون علي سجيتك تأخذ راحتك في الضحك أو البكاء، والحديث بصوت عالي أو حتى الصراخ، هو من تبتسم عينيك لمرآه حين يكون (هو / هي ) قادم من بعيد.
هو أول من يخطر على بالك لتحكي له أسوأ المواقف التي صادفتك، وتعيد على مسامعه نكاتك المملة و لا يخبرك هو أنه حفظها و ملَّ من سماعها بنفس الوتيرة، وبالرغم من ذلك يضحك لك ويبتسم، مثل هذا الشخص تستطيع أن تجالسه بأي وقت وبأي رداء ولا تخجل من  كشفك أمامه نقاط ضعفك وقوتك، أو أسخف أحلامك تلك التي خبأتها حين ضحك الجميع عليك ذات يوم. لا يخجل دمُعك من عينيه بل ربما تعشق نظره المواساة تلك.
 لا يذهب ظنّك بعيداً أو تعتقد أنني أقصد رجلاً قد يكون زوجاً أو حبيباً أو صديقاً أو زميلاً أو غيره،  لا لا.....  وليف الروح يُحتمل أن يكون الأب أو الأم أو أحد الأخوة أو أحد الأخوات أو صديقة أو زميلة أو شريكك في السكن أو الجامعة، أو حتى زوج حنون أو...أو...أو...
 لا يهم هو أو هي في وليف الروح و ذلك لأن من اسمه هو من سكن الروح فأكملها، وحفظ الأحلام ورفعها، بوجوده  تخف الألآم كثيراً و تتضاءل بوجوده قربك، تنتشر السعادة و تحلق و تكون أنت نفسك بعفوية الأطفال ففي هذه الأجواء أنت ما تزال طفلاً ترنو.
 لست العامل نفسه في مكان عمله فلذلك شخصية أخرى ترتديها، و ليست تلك الزوجة المسؤولة عن بيت الأسرة والضيوف والعيال لذلك وضع آخر حتماً، إذن حين تلتقي بوليف الروح ولو لدقائق فهي الدقائق اللازمة لترمي أعباءك مؤقتاً و تخلع كل شخصياتك جانباً وتستمر اللحظات من الأنس و الألفة، وإن كانت بضع دقائق فإن سحر تأثيرها يدوم لساعات وربما أيام.
وليف الروح هو شخص ليس بالكامل طبعاً - لأنه لا يوجد كمال في عالمنا-  و لكن عيوبه قادرة على الاحتمال عندك و التعايش معها وتقبلها، بل و في أحيان كثيرة غض البصر أوجب عن جانبه المظلم الأسود لأنه باختصار بشر مثلنا و لكنه استطاع احتمالك بما فيك من علل، وتحملك في لحظات ضعفك وأجارك حين أتيته لاجئاً، و هو بالمقابل سمح لك برؤيته على طبيعته و صارحك بحقيقته السوداء قبل البيضاء، وكلاكما قَبِلَ صحبة الآخر على نقصه و بشريته وعِلَلَه، فهنيئاً لكما انسجامكما.
 في حياتنا هذه نحن أحوج لوجود رفيق درب و وليف للروح. عند التقاءك بوليف الروح تحمد ربّك دوماً على هديته، و تشعر كما لو أن الله كافأك بوجود شخص كهذا في حياتك، يا لك من محظوظ!!!
 و تستيقن أن الدنيا ماتزال بخير...
"أحبابنا ما أجمل الدنيا بكم لا تقبح الدّنيا و فيها أنتمُ" كما قال الشاعر إيليا أبو ماضي
حين يمّر بخاطرك طيف لحظه تبتسم بسعادة غامضة لا يفهمها من حولك، و تستأثر بها أنت لنفسك وقد تجيب ببرود إذا سُألت عما جعلك تبتسم "لا لا.. شيء مهم تذكرت نكتة قديمة" وفي داخل نفسك تتدخل الذكريات و اللحظات وتستمر أنت بالابتسام متجاهلاً من حولك عابراً بجوارهم و في عقلك وليف روحك و هنا تحمد الله على سرك المبهج بين حنايا قلبك...
 و السلام عليكم....
إهداء لمن يعرف نفسه وهو يدرك ذلك يقيناً...
سمراء النيل (د. سلمى النور)

احساس


احساس

حين تعيش في مكان واحد لفترة طويلة تصبح جزء من المكان، وكذلك المكان يبادلك نفس الشعور حيث ستفتقدك تلك العمارة وزوجها ذاك المصباح العجوز الذي طالما وقفت أسفل منه وأنت تتأمل نافذة حبيبتك في الأيام الغابرة ، و كثيراً ما حدثت نفسك وأنت متكئ على عمود المصباح وكان هو يسمع  حديثك، ويحسُّ بلهفتك و دقات قلبك انتظاراً لحبيبتك،  كان يشاركك بصمته نهاراً وضوؤه ليلاً،  أما المبنى العمارة الذي شهد ميلاد الطفلة ونشأتها وسكنها في حضنه فله رأي آخر كرأي والدها ، فكنت لا تروق لكليهما وكان والد حبيبتك الذي رفضك أكثر من مرة و كنت ما تزال لأجل عينيها مصرَّاً لا يغادرك الأمل في أن تصير زوجة لك يوماً ما.
بعد إصرار ثلاثة أعوام من الصبر كنت تتمنى موت والدها لأنه أصبح لك (كشوكة حوت لا يفوت)  و الحق يُقال إنها رفضت كل من تقدم  لها في ذاك الوقت انتظار لك، هي كأي فتاة  لا تخرج عن كلمة والدها و لها حلم بأن يوافق ذات يوم على حبيبها ويزفها بنفسه إليه ، إلى أن  جاء يوم وفاضت روح والدها إلى بارئها و كانت لحظات حزن تلك الجميلة هي في نفسها لحظات فرح مكبوت لدى الحبيب.
 الآن زال ما كان يعيق  زواجهما وقد ثبت اخلاص كل واحد للآخر خلال ثلاث سنوات ، ما خلت من الإغراء لكل منهما و لكنهما صمدا،  وللأسف بعد موت والدها كانت وصيته واضحة بأن لا تتزوج منه أبداً ....
هنا انهارت أحلام فتاتنا وفي لحظة غامضة سمع هو بزواجها وسفرها مع زوجها الجديد خارج البلاد،  تاركة الحبيب في طور الصدمة وسرعان ما تمالك نفسه و هجر البلاد هو الآخر يلازمه حزن عميق وألم ذكريات ، وظلَّت هذه القصة تحكيها أضواء الشارع التي شهدت على كل شيء و ألقوا بجزء من اللائمة على المبنى العتيق لأنه لم ينصف الحب و الإخلاص حين راه.
و ها هو حبيبنا القديم يعود للمهجع ويزور نفس الشارع و ينظر إليه المصباح القديم وقد عرفه فور ترجله من  سيارته الجديدة الفارهة، بادله المصباح القديم النظرة نفسها و هرب هو ببصره تلقائياً إلى النافذة القديمة و قد كُشِفَ أمامه سر زواجها المفاجئ ، عاد هو لنفس المكان ليسامح الكل ابتداء من نفسه وحبيبته  وكل من اشترك وتورط في ابعاده عنها ، سامح الحب  الذي خان والأضواء الصامتة والمبنى اللئيم نفسه،  فقد انتبه بعد نحو عشرين عاماً أن من أحب حقاً سامح وغفر، فالأهم أن تعفو وتسامح وتمضي بسلام نحو قدرك ....
في أحيان كثيرة يحدث ذلك لكل منّا حين نتعلق بالأشياء و الأماكن و نوطد علاقة مملوءة  بالحب مع الأجواء، ونغادرها لسبب ما  فإننا حين نعود و لو بعد مرور عشرات السنين ، ففي الغالب نجد أن  الأشياء هي  الأشياء و الذكريات القابعة في المكان والمختبئة في الذاكرة،  هي التي تشعرك بأنك مألوف وجزء من اللحظة...
   فلتستمتع بلحظات وجودك و أحمل ما استطعت في ذاكرتك، وخزّنها جيداً، لتستعيدها لحظة احتياجك لها بقوه الخيال و تعود ابتسامتك من جديد علي أشياء وأسرار لا يعرفها أحد سواك...  
والسلام ....

سمراء النيل (د. سلمى النور)

الأربعاء، 18 يوليو 2018

دعك من كل هذا


دعك من كل هذا


دعك من شكلي و لوني و طريقة مشيتي، لا تنظر إليَّ بترفع ولا بتشكُك  فلست مسؤولاً عني كل ما أريده منك حين تقع عينيك بعيني ابتسامة عذبة و خطاب واحترام منك.
 فلا يغُرُّك حجابي أو كشفي لشعري.... قيَّم ساعة حديثي معك بما احتواه عقلي و نطقه لك لساني،  قيَّم معطيات كلامي ومخرجات أفكاري و ما توصلت إليه من استنتاجات قد تطور عملك أو تُحَسَّن مجرى حياتك.
أرجوك دعك من ردائي وثمنه أو شعري ولونه أو حتى أن تهتم بدرجة نعومته أو طريقه قصَّه، لا يغُّرك جمال او قُبح وجهي، رشاقة جسدي أو امتلائه ، فنحن شعوب تسَطَّح للأسف تفكيرها و انحصر في نطاق أضيق من الضيق.
في اجتماع عام أجِدُ نفسي أرقب غيري من الإناث في شكلهن و عطرهن وحتى لون مرطب شفاههن، وأدقق في نظرات الرجال إليهن، وفي نهاية الاجتماع  أُقرر إنه لم يكن جيداً  كفاية ، ربما لأن عقلي لم يكن يتفاعل بشكل موضوعي  بل كان عقلي سطحي يراقب الأمور التافهة لأصل لاستنتاجات سخيفة لا تُرضي سوى خيالي المريض .
الأغبى أن نظنّ أننا نسير بشكل صحيح، وحقيقتنا  أننا الوحيدون الأكثر تسطحاً بين الشعوب تقريباً، حين  تبحث عن أستاذ جامعي بدرجة الدكتوراه  و لا تكاد تميزه  بين طلابه وهو يرتدي مثلهم لبسة رياضية،  تتعجب كثيراً..  فنحن من يتعين كمعيد منا في الجامعة  ولم يكمل دراسة الماجستير تراه  يسير فوق رؤوسنا وفرض احترامه ، و كلما أكمل درجة علمية ازداد حجم رأسه كبراً، و في الغالب بلا علم مهم وفعّال أيضاً.
 نحن أناس تقتات مشاعرنا على التفاخر والتظاهر بين الناس للمحافظة على صورة مزيفة عنّا في الغالب، بعيدة عن حقيقة جوهرنا ممّا يُحملنا أعباء كثيرة نمثلها للمجتمع من حولنا، و حين نرى من يشاركنا العيش تحت الشمس نفسها يتصرفون بوضوح  و تلقائية و راحة نكاد نحسدهم، حتى بعد زواجنا نجد  اختلافاً كبيراً بين الصورة المعلقة على الجدار لتذكرنا بيوم زفافنا و بين حقيقتنا التي نراها كل يوم في المرآه، تلك المرآه التي لا تكذب أبداً  و التي بسببها نقف كثيراً أمامها قبل خروجنا خوفاً من تعليق فلان أو فلانة، و تلك مشكلة كبيرة، ولا ندرك أن حلّ الأمر بسيط في أيدينا،  إن الحل يكمن  في الرضا: أن أرضى عن نفسي.... و بنفسي..... وعلى نفسي.....
 فأرضى بلون عيني وشكل أنفي  و صِغَر ذقني و لون بشرتي ، فالرضا معناه   أن أنظر للمرآة  و ابتسم  راضياً عمّا أراه بلا أي  محاولة مني للتدخل أو تعديل أي شيء و لو بشكلٍ مؤقت.
أن أوفر الوقت الذي أقضيه أمام المرآه من ساعتين إلى خمس دقائق و هو الوقت الذي احتاجه لأرى نفسي فيه وابتسم بسعادة وامتنان على كل ما لديّ  وأهِمُ بالخروج و أنا أذكر المولى في سري  وأشكره على كل نعمه التي لا تحصى.
 لا أن أخرج حاملاً همّ نظرة أحدهم أو تعليق آخر فلنكن بسطاء قدر الإمكان سعداء كما السماء تنظر للجميع و لا تهتم برأي أحدهم فيها، بل على العكس أحياناً كثيرة تجود علينا بماءٍ طاهر يغسل أرواحنا قبل أجسادنا.....
 أرجوك اذا خرجت من بيتك مجدداً لأي غرض كان... فأرح بالك من التنظير و عينيك من التحديق و مرَّ بي بسلام ودع الكل يمرون من جوارك بسلااااااام  
و لكم التحية و السلام أينما كنتم....

سمراء النيل(د. سلمى النور )