الاثنين، 14 مايو 2018

لم فعلتِ ذلك؟


لم فعلتِ ذلك؟
أمنية ريتشيل فى عيد ميلادها التاسع





لا أدري  ماذا فعلت تلك الطفلة البالغة من العمر تسعة سنوات حين اختارها ربنا سبحانه وتعالى لتذهب إليه بريئة وطاهرة ، غادرتنا ريتشيل باكفيس في عام 2011 في عمر التاسعة، تاركة خلفها أثر لا يمحى ويندُر أن يُخَلِفه من هو في مثل سنّها  ، قرأت قصتها مرارا لعلي أحاول أن أكشف السر وراء تصرفات لا يبدو منطقيا أنّ عقلاً صغير فكّر بها.
تلك الطفلة الصغيرة، لم تتجاوز التاسعة  تبرعت بشعرها مرتين للأطفال المصابين بالسرطان، هنا يبرز لنا حبها للمشاركة بشكل غالي، فمن أين جاءها إحساس السعادة والراحة المرافق لمن يسعد قلب الآخرين، وسواء هنا أو في أي بقاع العالم فلا أحد ينكر أن للشعر قيمة جمالية عالية.
 فما الذي دفع بطفلة بالتبرع به مرتين لأطفال حرمهم المرض وتبعاته من الإستمتاع بشعرهم الطبيعي. هنا أطفالنا يتفاخرون بطول شعرهم أمام أقرانهم ولا يحبون قص شعورهم البنات والأمهات على حد سواء. مع أنني رأيت بعض الأجنبيات يقمن بالتبرع بشعورهن الصهباء في دبي ، فرحت بذلك لأنه حدث في عاصمة عربية، ولكنهن نفس الأجنبيات  اللواتي نسخر منهم لقصر لباسهم أو ضيقها ويساورنا الشعور بالشفقة عليهم من عذاب جهنم.

  أني أتعجب وأتساءل أي تربية تلك التي غرسها والداها فيها حين قررت أن ترفض هدايا عيد ميلادها التاسع من تلقاء نفسها، أين نحن منها ؟ و أطفالنا يطلبون  المزيد والمزيد... و لا كلمة شكر اً  لأحد ؟
أين أخطأنا حين تربى أبناءنا على الأنانية وحب أنفسهم بشراهة مبالغ فيها وكأنهم محور الكون؟ 

مقارنة بطفلة ذات تسعة أعوام تقوم بقص شعرها مرتين وترفض هدايا عيد الميلاد فقط للتبرع لأطفال مثلها  جياع عطشى في أفريقيا. قد نعيش أغلبنا ضعف عمر هذه الصغيرة ولكن الهم والقلق الذي أقضّ مضجعها لأنقاذ أطفال عطشى هو ما خلّد ذكراها لأبد، في حين يمر أغلبنا في هذه الحياة بلا أثر يذكر وقد لا يعدو إنجازه الوحيد سوى بضعة أبناء يحملون اسمه لأربع أجيال أخرى قبل أن يتوه في ممر الزمن ويندثر، هذا إن صح عنه أنجاب أطفال كانوا صالحين ولم يضف إلى علمنا مسوخا وعاهات أخرى.
طلبت "ريتشيل" أن تجمع مبلغ ثلاثمئة دولار، الذي كان كافياً لإنقاذ خمسة عشر شخصًا في أفريقيا، بدأت رحلتها واستطاعت جمع مئتين وعشرون  ولم ينقصها سوى ثمانون دولارًا.
لكن بعد شهر ونصف، وهي مازالت بصدد جمع المال، توفيت في حادث مرور سنة 2011، قبل أن تحقق حلمها، لتنتشر قصتها وحلمها الأخير، عبر كنيسة كانت تتردد عليها ثم عبر وسائل الإعلام في مختلف أنحاء العالم.
وخلال شهرين، جمعت صفحتها لصندوق التبرعات الخيرية 1.2 مليون دولارًا، تم بها عمل آبار مياه نظيفة في 143 قرية في إثيوبيا، مما مكّن من توفير المياه لـسبعة وثلاثون  ألف إفريقي( 37000). يتولاها الله وحقق لها حلمها بأكثر مما كانت تحلم ، حلمها حية كان محاولة مساعدة 15 شحصاوبعد موتها  تتحقق حلم الفتاة الصغيرة  وساعدت الآلآف من البشر.
كما سافرت والدتها في إحياء ذكرى وفاتها إلى إثيوبيا حيث خلّد اسمها بالآبار الموجودة هناك.
وأصبح الآن للفتاة موقع خاص للتبرع لأجل أطفال أثيوبيا، يحمل عنوان "أمنية ريتشيل فى عيد ميلادها التاسع". ويحيى الكثير من الأطفال من أفريقيا ذكرى وفاتها، في شهر أبريل كل عام.  
هل كان للجانب الديني أثر في ريتشل ؟ والإجابة بوضوح نعم ... نعم .
لِمَ كان وازعها الديني أقوى مما لدى أطفالنا  ونحن نربي أجيالاً تحفظ القرآن الكريم بينما ريتشل كانت تداوم على الذهاب للكنيسة فقط؟ 
لكن لِمَ ليست لدينا همّتها لمساعدة الغير كما أوصانا نفس الإله، بل منّا  من يتباهى بحفظه لكتاب الله وهو إن كان وسام شرف في الدنيا والآخرة فالأولى تطبيقه مما حُفِظَ،  وليس للتفاخر على أقرانيه هنا الثغرةو هنا تكمن المصيبة الكبرى.
عمل ريتشل وتفكيرها البسيط البرئ يجعلنا في مأزق كبير إذا ما قررنا المقارنة بينها وبين أبنائنا، لمعرفة جوانب قصورنا قبل أن نلقي بالمسؤولية كاملة عليهم كقولنا: هم جيل عنيد، لا يسمع النصح ولا يقبل حتى إرشادنا بل معلمهم الأول هو السيد جوجل؟ سؤالي هو كيف نعيدهم إلينا بمحبة ونحببهم للخير من تلقاء أنفسهم وبدون عين مراقبة منا؟ وأن تعم المحبة والسلام الجميع وننظر لكل انسان بحق المساوة معنا، فخالقنا واحد ومصيرنا واحد فأعمل شئ تنفع به غيرك وأرتقي بنيتك يكمل الله عنك ما يعجزه قصورك البشري الواهن.
لكم جزيلا الشكر ....
سمراء النيل (د. سلمى النور)



هناك تعليق واحد:

  1. الغرس وكيفية الغرس هو الفرق بين ما نفعله ويفعلونه ، بين ما هو ثقافة سائدة وبين ما هو تلقين جاهز ، مجتمع باكمله يحتاج المساعدة ، هذا هو الفرق في رائي !

    ردحذف