الأحد، 15 أبريل 2018

الفطام


الفطام

من منّا لا يُشفق على طفل يبكي وهو في مرحلة الفطام وترى الجميع من حوله يلتمسون له العذر في تغيّر مزاجه وعصبيته وبكاؤه المتقطع، ويردّون دعوة وشأنه يا للمسكين إنه مفطوم.
الجميع يشعر بحزنه مع تكرار محاولاته اليائسة لينال من ثدي أمه أو الرضاعة الإصطناعية، هو يبحث عن شيء أحبه وأدمن عليه والآن هو مجبر ليتركه بالقوة، هو يكره الفطام بالرغم من أنه لا يدرك معنى هذه الكلمة لكن فعلها واضح الأثر في تصرفاته وتقلباته.
يعذر الوالدين هذا الصغيرثمّ الموجودون حوله يتعاطفون معه، الأغلب في نظري سيتعاطف معه إلا أقرانه وأطفال مثله.
لِم يتغيرعلينا ؟ ما الذي فعلناه له ؟ بالأمس كان جيداً معنا لِم انقلب فجأة علينا ؟
حدث هذا لكل منّا ومازال يحدث، فنحن نتعرض للفطام مرات ومرات ولكننا حين كبُرنا، رفض كبرياؤنا أن نسميه فطاماً كالأطفال مع أن الحال هو نفسه: حين تطرد من وظيفتك أو لنقل أنك أُحيلت للمعاش بعد علاقة امتدت نحو أربعين عاماً، تستيقظ لتجد نفسك في بيتك ولا مجال للخروج المبكر للعمل فقد فُطمت منه بالقوة.
أو أن ترى نفسك وحيداً مجبراً بعد انتهاء عشرة عمر دامت لسنوات مع شريك حياتك، والآن قد خرج من حياتك بلاعودة إنه فطام مؤلم.
كنّا نظن أن فطام الطفل سهل وهيّن وأنه سينسى، وفي الحقيقة لا يحدث ذلك بل يظل للفطام أثر في النفس لا يُمحى.
ويتراكم على قلوبنا فطام إثر فطام، خروجك اليومي للمدرسة هو فطام لك من برامج لعبك طوال اليوم.
 انطلاقتك الأولى للجامعة هو فطام لك من برنامج هادئ رتيب وواضح كنا تعيشه طوال اثنتى عشر عاماً في مقاعد الدراسة، وفطام أيضاً من أصدقاء الطفولة والدراسة.
ويأتي العمل والزواج الذي قد يستمر أو قد تفطم بغير إنذار مسبق، قد تأبى أو قد ترضى لكنك تذعن في آخر الأمر.
سؤالي هو لِم لا نستطيع أن نتعاطف مع شخص بالغ في مرحلة الفطام؟
كجاري المسكين الذي الذي اضطر وحيده للسفر لمواصلة الدراسة في الخارج وغدا لا يخرج من بيته كثيراً وغالبا عند زيارته تجده ممسكاً بصور العائلة .
وذاك الآخر الذي طُرد من عمله فجأة فانقلب عصبيا حاد المزاج يتساءل في دهشة غاضبة عن فصله التعسفي .
ويطول الحديث وتكثر أمثلة الفطام حولنا.....
حين كبرنا تمنعنا على اسم الفطام فأطلقناعليه اسم الفراق  أو الهجر والكثير من الأسماء لكنها تبقى تعطي نفس أعراض الطفل المفطوم.
 فقط الوالدان يلتمسون الأعذار دوماً لنا مهما كبرنا وتغيرنا وتجافينا وأهملنا ، سيظل الوالدان هم الأقرب والأكثر حنانا ورقة.
مازال في داخل كل منّا طفل صغير يؤلمه فطامه من الأشياء التي اعتاد عليها وأحبها، لكن ثق أن كل فطام يحدث لك إنما هي فرصة ثمنية لتقويك وتُظهر أجمل ما فيك.
 قد نعذرك وقد تلتمس أنت لنا الأعذار إن تغيرنا .
هي دعوة لنعذر بعضنا بعضاً فكلنا لديه مرحلة فطامٍ ما وسرعان ما يمر الأمر بسلام وينتهي ويعود إلينا سعيدا مرحاً كما عهدناه.
ويأتي الفطام للخير دائما وللنظر للفرص الأخرى التي لم نبصرها من قبل.

مع تحيات : سمراء النيل (د. سلمى النور)

هناك تعليقان (2):

  1. هكذا هي الحياة..وكل فطام جديد هو تحد جديد نجبر على خوضه دون اختيار أحيانا كثيرة ، لكنه أيضا إعلان عن ارتقاء جديد وبعث لقوي الإنسان الكامنة وقدرته على التأقلم..علينا فقط ألا نفقد ايماننا بالله وبأنفسنا وقدرتنا على المواصلة...
    سلمت حروفك يا سمراء

    ردحذف
    الردود
    1. أن فطام الطفل كفطام الشخص البالغ وما يكابده الإثنان من فراق شيء تعودا عليه يحمل نفس الألم والجراح والآثار، لا تقدر على المضي قدما إلا إذا أيقنا في نفوسنا خير وفي إختيار ربنا لنا نصرا ....
      دمت بخير وشكرا لمرورك النبيل....

      حذف