الثلاثاء، 3 أبريل 2018

هموم متساوية


هموم متساوية
أرجو ألا تظن إنك الوحيد المهموم في الكون وأن علينا جميعا أن نُغير من أوضاعنا ومشاعرنا لمواساتك  وأن همّك أكبر من أي شخص آخر.
أخرج من قوقعتك وانظر حولك....
هناك في بيت ما حولك وربما كان جارك الذي ترمقه دوماً بنظرة غيرة وأنت ترى سيارته الخاصة تظلُ مركونة إلى ما بعد الساعة التاسعة أو العاشرة صباحاً حسب ما أخبرتك به زوجتك، ولا تدري مقدار الهموم التي تدور برأسه والأفكار التي يشغل بها باله ليطور عمله، والأمراض التي تلتهم جسده ضريبة انشغاله الدائم بعمله ومدى سوء اجتماعياته الخاصة والعامة، وأنت أيها المسكين ،  موظف عاجز تسابق الوقت منذ السادسة صباحاً للحاق بقطارك الذي ينطلق في السادسة والنصف لتصل لمكان عملك قبل السابعة حيث ميعاد إدخال بصمتك المنفردة وتأكيد حضورك، تجلس مقابلاً حاسوبك العزيز وتؤدي عملك وترد على اتصالات وتوضح استفسارات حسب ما يقتضيه عملك، ولا يتضخم عقلك ولا تختل هرمونات جسدك لأنك موظف يُطلب منه  تكرار عمله،  ولا يُؤرق فكرك في يوم ما أن تبدع أو تنجب فكرة جديدة، ولست كما المدير الذي أعياه التفكير في تطوير شركته، لتقبض أجرك آخر الشهر مصاب بالصداع لتحديقك في شاشة طوال ثمان ساعات متواصلة.
كذلك صادف مع استيقاظك المعتاد أن تجد زوجتك مستيقظة قبلك وبعد انتهاءك من الحمام ترى الإفطار معداً، وهي تجري هنا وهناك مع ثلاثة أطفال لتجهيزهم لذهاب اثنين منهما للمدرسة والأخير لرياض الأطفال، تخرج أنت في موعدك وبعدك يخرج أطفالك.
تتجه زوجتك لتهيئة البيت وإزالة الفوضى الصباحية المعتادة وتكون أنت كذلك تُرتب أمور مكتبك في ذات التوقيت، وقد تُستدعى لإجتماع عاجل أو تجهيز عرض عمل وشرحه في اجتماع لاحق، كذلك في بيتك بينما كانت زوجتك مُنهمكة لإكمال أعمالها، جاءتها مكالمة هاتفية من جارتها بضرورة الذهاب معها لتعزية بيت آخر.
يمضي كل منكما في مشاغله المختلفة لكن يجمعكما منزل واحد وأبناء اشتركتما بانجابهما في لحظة حُب جميل ونقي.
يشكو الرجل لزوجته هموم عمله، وتشكو هي له هموم البيت والأبناء أو العمل أحياناً إذا كانت امرأة عاملة.
المشكلة أن كلاًّ منهما يعتبر أن همومه ومشاكله أكبر وأجدر بالإهتمام من هموم الطرف الآخر .
ولأن الانسان محب لنفسه بطبيعته فيسمح لنفسه بكامل الحرية والتعبير للتنفيس عن غضبه وحزنه وإخفاقاته حتى وإن كان على حساب الطرف الآخر.
وهنا يرتاح أحدهم ولا يدري ما ثمن راحته المؤقتة، ومن هذه اللحظة يبدأ تكوّن بركان قابل للانفجار، يظل يتراكم شيئاً فشيئا من الحمم المحترقة المكبوتة بداخل أحدهم، خصوصاً أنه بدأ بالانصياع ليمر الأمر في لحظته بسلام وأبدى ردة فعل سلبية وباردة وليته لم يفعل، لأنه لا سلام وأنت تَجمعُ بداخلك حمم بركانية حارقة بمشاعرك المؤججة بالظلم والحرمان والغضب ، إلى أن تحين ساعة الإنفجار وهنا يتطاير البيت شرراً على كل ساكنيه، لولا حكمة الطرف الآخر وتداركه للأمر  لانهار البيت على  قاطنيه.
وما كان انفجار البراكين في الطبيعة إلا من تجمع ثورات  وتراكمها  بداخل البيوت بيتاً بيتاً والذي يحدث غالباً بسبب سوء التفاهم، إلى أن تكتمل طاقة البركان وسعتها وما أكبر اتساعها وما أقدر الانسان على ملئِها، وقتها لا يقوى البركان على الصبر أكثر فينفجر مدمراً كل ما حوله وصاهراً للأحزان والألام .
ليُذهل الجميع عن دواخلهم ويتجمعون ويتحلقون بأرواحهم لإنقاذ بعضهم، وهنا يمسح البركان ماضيهم جميعاً ليبدؤا معاً قصة حياة جديدة، ويعيدون بناء بيوتهم مُجدداً فرحاً واغتناماً لفرصة الحياة التي أُعطيت لهم للمرة الثانية مع أحبائهم، فشكراً للبراكين لإعطائها لنا فرصة ثانية فلنتعلم منها.
صدقني لا تنتظر بركاناً داخلياً أو خارجياً ليطيح ببيتك، فليس عودة الرجل من العمل كعودته من نزهة أو فسحة، وليست ربة المنزل تقضى وقتها نوماً ولهواً، إن النساء سواء كنا في البيت أو العمل لسن بأقل من الرجل في همومهن، ولست هنا لأنصر أحدهم على الآخر إنما هي وقفة لتوضيح وجهة نظر: أن المرأة والرجل وحتى الطفل يتساوى في الهموم معكما وإن استخففتم بأهمية همّه، فهو عند الطفل همٌّ يُحَيره ويشغل تفكيره ويُغير من مزاجه، فاحترموا رغبته وقَدروا همّه، ليس عليك سوى الاستماع للطَرف الآخر وإظهار بعض الإهتمام وكُلّ الامتنان له.
بذلك نغسل هموم اليوم من دواخلنا ونملأ بيتنا ضحكاً ونستعد ليوم غد بصفحة بيضاء جديدة فكلنا لدينا هموم متساوية.
فلنقدر ونشكر بعضنا باستمرار.

هذه الصورة إهداء من صديقة عزيزة فلها الشكر

مع تحياتي: سمراء النيل(د.سلمى النور)  
  


هناك 6 تعليقات:

  1. جميل ومدهش أن يكون للمرء القدرة على الغوص في تفاصيل وأعماق النفس البشرية بتلك الطريقة..
    قديما كانت لي نظرية اسميتها النسبية في الهموم وتقترح تلك النظرية أن من عدل الله أنه جعل الهموم شيئا نسبيا وليس شيئا مطلقا ، فالنسبة المئوية للهم الذي تسببه مشاكل الشرق الأوسط بتعقيدها وتشابكها ، هي نفسها للهم الذي يحمله الرضيع عندما تتأخر والدته في إشباع جوعه بالرضاعة..كلا الأمرين يسببان قدرا متقاربا من القلق، لذلك علينا فعلا ألا نستصغر هموم الآخرين ومشاكلهم وخصوصا من حولنا من الاحباء والاصدقاء،وعلينا أن نحاول التخفيف ما استطعنا عن من يبثوننا همومهم وشكاويهم ، ولو بكلمة بسيطة طيبة ، ولو باستماع جيد حتى..

    ردحذف
    الردود
    1. حبنا لأنفسنا ما يجعلنا نضع همومنا فوق الكل وإذا تواضعنا سندرك أننا متساوون مع الرضيع في همومه، لك الشكر على مرورك الكريم
      تحياتي : سمراء النيل

      حذف
  2. تختلف الهموم من شخص لآخر و لكن ما يمثل هما من الدرجة الاولى لدى شخص ما قد يعتبر امرا لا يرقى لمستوى الهم لشخص اخر، هنا ياتي دور النسبية في التعامل مع الهموم فمهما صغر الهم في نظرك يبقى جبلا في نظر صاحبه.
    احترامنا للاخر و الاهتمام به وعدم التقليل من شان مشاكله و همومه امر ضروري جدا و يساهم كثيرا في تخفيف حدة هذا الهم و تقليص ابعاد اضراره على نفسية الشخص المهموم.

    ردحذف
    الردود
    1. رأي سديد ، ويتبقى علينا احترام هموم غيرنا ومحاولة مساعدتهم ضربا من ضروب الانسانية
      شكرا لتعليقك المميز ، دمت بخير وسعادة.
      مع تحياتي : سمراء النيل.

      حذف
  3. ابدعتي..ليت الناس ترتقي لهذا المستوى من الحكمة

    ردحذف
    الردود
    1. مرورك الكريم أسعدني جداً ، فشكرا لك
      مع تحياتي : سمراء النيل

      حذف