الأحد، 25 مارس 2018

هل تتزوج الأشجار




هل تتزوج الأشجار


هل مررت يوماً بغابة كثيرة الأشجار متشابكة الأغصان، ففكرت في قبيلة الأشجار هذه كيف تحيى؟ هل لها منظومة تحكمها وما هي قوانينها؟
هل تساءلت يوماً عن الأشجار هل هي جزء منّا أم عالم كامل مثلنا إن جهلنا بعالم الأشجار يجعلها تبدو لنا مثالية وجميلة.
في أي غابة كبيرة وعظيمة لها حاكم يحكمها مفوض من قبل منظومة أكبر من غابته التي فرض سيطرته عليها، لكن زعيم الأشجار لا يحكم بالعنف أو بالقوة بل يحكمهم بإجماعهم عليه، عالمهم يشبه عالمنا لكنه أصدق وأحكم في اختياراته،  إن انتخاباتهم تكون في الشتاء عادة لإختيار الزعيم القادم وعند سقوط آخر ورقة من الشجرة فإنها بذلك تُعلن  ولائها التام للزعيم المنتخب، ونحن نظن أنها تتعرى استعداداً لإرتداء ثوب جديد في الربيع ، ومن يتأخر في  إسقاط أوراقه فإنه يُعلن عن عدم رضائه التام للحاكم الجديد ويُأخذ رأيه بالحسبان ، وذاك النوع من الأشجار الذي ينوي المعارضة فإنه يتخذ أتباعه ويسكنون ويكبرون عند أطراف الغابة دلالة على اعتراضهم ، لذا ينمون بعيدا عن حاكمهم الذي يتوسطهم وقريبون من أبناء جلدتهم في الوقت نفسه ،ويظل الحاكم يسأل عنهم ولا يُخلي مسؤوليته منهم أبداً. 
تلك الأشجار التي تنمو في أعمار متقاربة فإنها غالباً ما تختار أن تبقى برابطة الأخوة أو ترتبط برابطة الزواج وذلك يعتمد على عوامل كثيرة نجهلها.
إن للموسيقى سحر لا يعلمه إلا من جلس خلف آلة موسيقى وبدأ بتشغيل دماغه قبل أنامله للتجاوب معها والتعلم ، وقد يدرك سحرها من هو مرهف الإحساس وذو أُذن ذوّاقة لمختلف أنواع الفنون، أما الأشجار فلا يلزمها للإستمتاع سوى أن تتلامس جذورها حتى يسري داخل كل منها كهرباء سريعة وقوية التيار تصعد للأعلى وتتوزع على أغصانها ، ويصل للأوراق التي تحب الرقص أصلاً، وما أجملها من سيمفونية إذا شاركتها رياح تتسرب بين أغصانها حاضنة لها، وتتمايل معها في عناق خفي ورقص بطئ تهمس فيه الرياح للأشجار بجميع أخبارها وجولاتها. 
لذا قد تطول الرقصة أكثر فيما ينشغل الصغار من الأوراق بالرقص بعيداً عن هموم الرياح وكبار الشجر ، فهي كما تنقل أخبار العباد وما دار، تنقل أيضا شؤون العُشاق وما صار وعليها يقع عاتق ايصال رسائل الإعجاب بين الشجر وتبدو لهذه المهمة قدسية أكبر في حين كان المعجبين من الأشجار بعيدين مكانياً، و الجميل في الأمر أن الرياح تقبل بهذه المهمة طواعية ولا تمل بالرغم من أعبائها الكثيرة ، لكن الرياح لديها صفة سيئة واحدة فقط مع الأشجار ، هي تساعد بكل طريقة ممكنة للربط بين الأشجار وإلى هنا تنتهي مهمتها بمعنى إذا وقع خلاف بين شجرتين فإن الرياح لا تسعى لتهدئة الأوضاع أو الإصلاح ، فذلك شأن لا يعنيها وهي جادة للغاية بهذا الشأن.
حين تتبادل شجرتان نظرات الإعجاب ويظلان يحدقان في بعضهما بحب وانسجام ، لا يهم من يتقدم بالحديث والإفصاح عن مشاعره أولاً ، لأن ذلك بدأ تلقائيا حين تلامست جذورهما تحت الأرض وسَرت بينهما صاعقة الحب القوية ، وتبدأ بعدها المراسلات والمغازلات ، وتتدخل الرياح رسول الهوى وتكمل الباقي ، لكنها أيضاً  كما تقف في صف أي معجبين فإنها تحمل خبرهما للحاكم ليس لغرض  سيئ إنما لأنه جزء مما يميله واجبها .
وحين يكتمل نضوج مشاعرهما يعلنان ذلك لجميع الأشجار والبشر بتشابك أيديهما .
ولك أن تتخيل في غابة متشابكة كم الأزواج والعائلات الشجرية التي تسكنها ، لذا نشعر بالراحة في الغابات ولا ندري حقيقة السبب ، بعضهم يعزيها لطاقة اللون الأخضر وبعضهم لزيادة نسبة الأوكسجين في الغابات والكثير الكثير من الأسباب التي تجعل الأشجار تضحك علينا لسذاجتنا.
 أتعلم لنا الحق في ذلك لأن الأشجار حافظت على عهودها على مر ملايين السنين ، وحتى تلك الأشجار الخائنة التى رضيت بالعيش معنا ، ومنذ تخليها عن قبيلتها الشجرية فقد خانها لسانها وقُطِع فلم تبوح لنا بسرهم، وغالباً ما يكون مصيرها الموت على أيدينا لحاجتنا إليها وإلى خشبها ، ونحن لا ندري أنها ضحت بعالمها لتجاورنا وتحظى بتجربة معاشرة بني البشر ، لكننا لا نستحق مثل هذه التضحية منها....
إن عالم الأشجار يخفى بداخله الكثير ، ومنذ أن جاورنا بدأ يتعلم بعض صفاتنا السيئة بعد أن كان شفافاً ونقياً ، فظهرت بينهم المشكلات ونما بعض العفن على جذوع بعض الأشجار ، وبعضهم مـدّ قامته لحجب الشمس عمن هم أقل طولاً وأصغر عمراً منه ، تعلمت بعض الأشجار الجشع والطمع وبدأ يغزوها قانون البقاء للأقوى ، حدث العكس حيث كان الأولى بنا أن نتعلم منها صفاءها ونقاءها وهدوءها وتعاونها فيما بينها والكثير من جميل صفاتها.
نحن أسياد كوكب الأرض نؤثر في كل من عرفنا وشاركنا الحياة على سطح الكوكب  لذا علينا تحسين أنفسنا، وأن نتواضع لنتعلم من غيرنا من المخلوقات ونعيد ونستعيد ما فقدته الروح الإنسانية ونُعيد بثّ التوازن والسلام فبتلوث مشاعرنا ثلوث كل  ما حولنا ، هي دعوة لنعود لصوابنا ونضع كل الأمور في نصابها لتستعيد الأشجاروبقية المخلوقات صفاءها ونقاءها ولندعها تحيى بسلام عسى أن يغفر الله....
ودمتم خُضر كأشجارنا
سمراء النيل (سلمى النور) 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق