الاثنين، 5 مارس 2018

القهوة


القهوة

يزهو كل واحد منا في يوم فرحه ويسعد بمشاركة الآخرين له، ويظن أنه مقبل على حياة سعيدة لم يعش أي نبات مثلها ، وأن تجربة زواجه ستكون محفورة على مرّ العصور.
وتمضي بي الحياة لأنجب أطفال صغار، أزهو بهم وأتمايل فرحاً وفجأة ما بين ليل وضحاها، يأتي بشر بمعدات خارقة تحصدني أنا وبني جنسي حصداً، فلا يبقى أي أثر يُذكر ويقلبون أرضنا عاليها وسافليها، وأرى نفسي وأبنائي وعشيرتي ننتقل من مكان لآخر ، إنها عملية مؤلمة حقاً أن يدخلك هذا الإنسان في حساباته الصارمة، فلم يرحمني أنا أو أي أحد من عشيرتي، افترقت عنهم في مرحلة ما لم أعد أذكرها وانتهى بي المطاف وأنا في علبة مغلقة كُتب عليها ( قهوة).  
توزع أفراد قبيلتي تحت مسمى قهوة إلى عدة ألوان سوداء أو بنية أو بيضاء و..و...و... لقد ضعنا بين الرفوف وصرنا سجناء العلب التي حُبست هي أيضاً في الرفوف ولم أعد أرى السماء الزرقاء أو أشعر بأي هواء.
ضاعت أحلامي وطموحاتي في غمضة عين وأصبح جُّـل همي وكل أملي أن أسيتيقظ ذات يوم وقد اختارتني ملعقة أحد أفراد الأسرة لأذوب في كوب أحد ما، وكل مجدي أن يشربني أحدهم في الهواء الطلق حتى أعانق  السماء وأودعها الوداع الأخير وأبدأ رحلة أخرى.
لا يعلم الإنسان كم شيئاً دمّر وكم حياة أغتالها في هذا الوجود لأجل منفعته الشخصية واستمتاعه المحدود.
لقد أباد عائلتي وفرقنا  ليستمتع بطعم القهوة والقهوة بحد ذاتها قسمها لعشرات الأسماء الأخرى وكلنا نحن أصل البداية والحكاية.
أتعلم ما الذي يجرح مشاعر حبة القهوة أيها الإنسان المغرور!!؟ هو أنك بعد ذبحي لا ترضى بي كما أنا ، بل تضيف الإضافات بعذر أنني غير مستساغة لك ، إذا لم تحبني على طبيعتي سواء حلوة كنت أم مُرّة لِمَ أخترتني لأشاركك مزاجك وأكون ضيفة على طاولتك من الصباح وحتى المساء.
لِم تحب مضايقتي بالإضافات الكثيرة وبالأخص تلك المتعجرفة البيضاء حبات السكر. كانت ستنشأ بيننا صداقة حميمة بيننا أيها الإنسان لولا تدخلك الغبي، ففضلتها علي بوقاحة وأشعلت نار غيرتي منها وقللت قيمتي حين أضفتها إلى كوبي بلا استئذان فبّت أكرهها.
والأدهى والأمّر إنك قلت ذات مرة أمامي إنك بإضافة السكر إلى القهوة يجعل من طعمها أفضل.
 وزاد طمعك ولم تكتفي بضُرّة واحدة بل تعددت واستحليت، وأنا أتنقل بين اختياراتك مرغمة لا يد لي فيها.   
هل تساءلت يوماً وأنت تضيف القهوة هل أحب أنا ذلك أم لا ؟
هل أحب السكر، الهيل ، الحليب، الزنجبيل ، المبيض أو أي منكهه آخر يخطر على بالك.
أنت تفكر في نفسك فقط وهذه صفة سيئة جداً، يجب أن تضع حداً لأنانيتك أيها الإنسان.
 نصيحة مني: لا تخلط الأمور ببعضها، ولا تضف أي إضافات قد لا يرغبها الأخرون إلا بعد سؤالهم لتجنب عواقب كثيرة، فلو رضيت أنا بحبة سكر فقد لا يرضى الكل بها.
صدقني إن احترامك لغيرك لن يقلل أبداً من شأنك.
أرجوك أشربني مُرة كما خُلقت وليس كما تهوى، فانا لا أهوى ما تهوى، لقد أصبح كل مجدي أنتظره في رؤية السماء مجدداً..
مع تحياتي (حبة قهوة)
من مذكرات بُـن
مع محبتي:
سمراء النيل( سلمى النور)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق